|
|
قراءة موضوعاتية في رواية -البيّة قمر، آكلة رؤوس البايات- لخديجة التزمي
فتحي البوكاري
كاتب
(Boukari Fethi)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 19:53
المحور:
الادب والفن
رِوَايَةُ «قَمَرِ البَيَّةِ» لِخَدِيجَةَ التُّومِيِّ هِيَ الرِّوَايَةُ السَّابِعَةُ فِي رَصِيدِ الكَاتِبَةِ، غَيْرَ أَنَّ مَا يُمَيِّزُهَا عَنْ أَعْمَالِهَا السَّابِقَةِ بُلُوغُهَا القَائِمَةَ القَصِيرَةَ لِجَائِزَةِ كَتَارَا لِلرِّوَايَةِ العَرَبِيَّةِ لِسَنَةِ 2026، ضِمْنَ فِئَةِ الرِّوَايَاتِ التَّارِيخِيَّةِ غَيْرِ المَنْشُورَةِ، مِنْ بَيْنِ مِئَاتِ الأَعْمَالِ السَّرْدِيَّةِ المُشَارِكَةِ. وَلَعَلَّ هَذَا التَّأَهُّلَ هُوَ مَا دَفَعَنِي، عَلَى سَبِيلِ الاسْتِثْنَاءِ، إِلَى تَقْدِيمِ الرِّوَايَةِ قَبْلَ صُدُورِهَا، اسْتِنَادًا إِلَى قِرَاءَتِي نُسْخَتَهَا الإِلِكْتُرُونِيَّةَ الَّتِي أَمَدَّتْنِي بِهَا الكَاتِبَةُ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ أُقْدِمْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ فِي أَيٍّ مِنْ الأَعْمَالِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا التَّأَهُّلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ، بِأَيِّ حَالٍ، أَيُّ تَأْثِيرٍ فِي حِيَادِيَّتِي أَوْ فِي مُقَارَبَتِي النَّقْدِيَّةِ لِهَذَا العَمَلِ؛ إِذْ ظَلَّتْ قِرَاءَتِي لَهُ مَحْكُومَةً بِمَا يَفْرِضُهُ النَّصُّ ذَاتُهُ مِنْ مَعَايِيرَ فَنِّيَّةٍ وَجَمَالِيَّةٍ. وَإِذَا أَرَدْنَا اخْتِزَالَ الرِّوَايَةِ إِلَى خَرِيطَةٍ مَوْضُوعَاتِيَّةٍ، أَمْكَنَ النَّظَرُ إِلَيْهَا بِوَصْفِهَا شَبَكَةً مُتَرَابِطَةً مِنَ الْقَضَايَا وَالدَّلَالَاتِ، تَتَدَاخَلُ فِيهَا مَوْضُوعَاتُ الْمَرْأَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالسُّلْطَةِ، وَالْجَسَدِ الْأُنْثَوِيِّ وَالِاسْتِعْبَادِ، وَالِاسْتِبْدَادِ السِّيَاسِيِّ، وَالِاسْتِعْمَارِ وَفقْدَانِ السِّيَادَةِ، وَالْوَطَنِيَّةِ وَالْمُقَاوَمَةِ، وَالْمَلَكِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَالْمَنْفَى وَالِاقْتِلَاعِ، وَالذَّاكِرَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَالتَّارِيخِ الرَّسْمِيِّ وَالتَّارِيخِ الْهَامِشِيِّ، وَالْحُبِّ فِي مُوَاجَهَةِ السُّلْطَةِ، وَالصَّمْتِ وَالْكَلَامِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالْجَهْلِ، وَالْحَدَاثَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَالْمَوْتِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَثَرِ. وَتَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَحَاوِرِ قَضَايَا أُخْرَى، مِنْ بَيْنِهَا غَيْرَةُ النِّسَاءِ وَالتَّنَافُسُ دَاخِلَ الْقَصْرِ، وَالطَّبَقِيَّةُ وَالْعُبُودِيَّةُ، وَالْخِصْيَانُ وَتَشْوِيهُ الْجَسَدِ، وَالْهُوِيَّةُ الشَّرْكَسِيَّةُ، وَالْعَلَاقَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ، وَعَلَاقَةُ تُونِسَ بِالْقُوَى الْأُورُوبِّيَّةِ، وَالدِّينُ وَالشَّرْعِيَّةُ السِّيَاسِيَّةُ، وَالْخِيَانَةُ وَالْوَفَاءُ، وَالْأُمُومَةُ وَالْحُبُّ الرُّوحِيُّ، وَالتَّرْبِيَةُ وَالتَّكْوِينُ، وَالرَّسَائِلُ بِوَصْفِهَا وَثَائِقَ لِلذَّاكِرَةِ، وَالْحِكَايَةُ الشَّفَوِيَّةُ، وَصُورَةُ الْقَصْرِ وَالْبَحْرِ وَالْمَنْفَى، وَالْجَمَالُ بِاعْتِبَارِهِ امْتِيَازًا وَخَطَرًا، وَالْمَرْأَةُ بِاعْتِبَارِهَا رَمْزًا لِلْوَطَنِ. وَمِنْ خِلَالِ مَسَارِ الْفُصُولِ، وُصُولًا إِلَى الْإِهْدَاءِ، يَتَّضِحُ أَنَّ الْأَحْدَاثَ التَّارِيخِيَّةَ لَيْسَتْ غَايَةَ الرِّوَايَةِ فِي ذَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَتَحَوَّلُ إِلَى مَادَّةٍ لِطَرْحِ أَسْئِلَةٍ أَوْسَعَ حَوْلَ الْإِنْسَانِ وَالسُّلْطَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ. وَيَكْشِفُ الْإِهْدَاءُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ عَنْ هَذَا الْمَنْظُورِ، حِينَ يَجْعَلُ مِنْ قَمَرْ رَمْزًا لِامْرَأَةٍ تُقَاوِمُ تَارِيخًا «لَمْ يُنْصِفِ النِّسَاءَ»، قَبْلَ أَنْ تَتَجَسَّدَ الْقَضِيَّةُ فِي تَجَارِبِ نَارْتْ وَلُوسَنَ وَسُولْمَازَ وَقَمَرْ. لِذَلِكَ لَا تَظْهَرُ الْمَرْأَةُ كَضَحِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ طَرَفًا فِي صِرَاعٍ مَعَ مَنْظُومَةِ السُّلْطَةِ، وَقَدْ تَنْتَقِلُ مِنْ مَوْقِعِ الْخُضُوعِ لَهَا إِلَى مَوْقِعِ الْمُشَارَكَةِ فِي إِنْتَاجِهَا وَتَوْجِيهِهَا.
وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ بِوُضُوحٍ فِي الْحَرَمْلِك، حَيْثُ تُخْتَزَلُ الْفَتَاةُ إِلَى جَسَدٍ قَابِلٍ لِلتَّمَلُّكِ وَالْإِهْدَاءِ، كَمَا يَحْدُثُ مَعَ نَارْتْ وَلُوسَنَ، فَتَغْدُو الْمَرْأَةُ جُزْءًا مِنْ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ ذُكُورِيٍّ يَجْعَلُ الْجَسَدَ إِحْدَى أَدَوَاتِ السُّلْطَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ يُوَفِّرُ لِلنِّسَاءِ مَجَالًا لِمُمَارَسَةِ نُفُوذٍ سِيَاسِيٍّ غَيْرِ مُبَاشِرٍ. وَمِنْ هُنَا، يَتَبَلْوَرُ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ: هَلْ تَسْتَطِيعُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتَحَوَّلَ مِنْ مِلْكٍ لِلسُّلْطَةِ إِلَى فَاعِلٍ فِيهَا؟ تُمَثِّلُ قَمَرْ الْمَرْحَلَةَ الْأَكْثَرَ نُضْجًا لِهَذَا التَّحَوُّلِ؛ فَهِيَ لَا تَكْتَفِي بِمُقَاوَمَةِ السُّلْطَةِ الذُّكُورِيَّةِ، بَلْ تَتَعَلَّمُ آلِيَّاتِهَا، وَتَدْخُلُ الْمَجَالَ السِّيَاسِيَّ، وَتُؤَثِّرُ فِي قَرَارَاتِهِ. وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْمُفَارَقَةُ مُنْذُ وَصْفِ الْجَوَارِي بِأَنَّهُنَّ قِطَعٌ عَلَى رُقْعَةِ شَطْرَنْجٍ، مُقَابِلَ إِدْرَاكِ نَارْتْ أَنَّ «الْجَمَالَ فِي الْحَرَمْلِكِ لَيْسَ نِعْمَةً، بَلِ امْتِحَانٌ.» وَيَرْتَبِطُ بِذَلِكَ مَوْضُوعُ الْجَسَدِ بِوَصْفِهِ مَجَالًا لِلِامْتِلَاكِ السِّيَاسِيِّ. فَنَارْتْ وَلُوسَنُ لَا تَنْتَقِلَانِ مِنْ إِسْطَنْبُولَ إِلَى تُونِسَ كَشَخْصَيْنِ حُرَّيْنِ، وَإِنَّمَا بِاعْتِبَارِهِمَا «هَدِيَّةً» مِنَ السُّلْطَانِ عَبْدِ الْحَمِيد الثَّانِي إِلَى الصَّادِق بَايْ، وَهُوَ مَا يُحَوِّلُ الْإِنْسَانَ مِنْ ذَاتٍ إِلَى شَيْءٍ لِلتَّبَادُلِ بَيْنَ أَصْحَابِ السُّلْطَةِ. وَلَا يَقْتَصِرُ هَذَا الْمَنْطِقُ عَلَى الْجَوَارِي؛ فَالْخِصْيَانُ أَيْضًا أَجْسَادٌ أُخْضِعَتْ لِلْعُنْفِ وَسُخِّرَتْ لِخِدْمَةِ النِّظَامِ. وَهَكَذَا يُصْبِحُ الْجَسَدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ جَسَدَ الْجَارِيَةِ أَمِ الْخَصِيِّ أَمِ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ، مَجَالًا لِتَثْبِيتِ السُّلْطَةِ، بَلْ إِنَّ الْحَاكِمَ نَفْسَهُ يَنْتَهِي إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْأَسْرِ دَاخِلَ الْقَصْرِ وَامْتِيَازَاتِهِ. وَمِنْ ثَمَّ تَتَجَاوَزُ قَضِيَّةُ الِاسْتِعْبَادِ بُعْدَهَا الِاجْتِمَاعِيَّ لِتَكْشِفَ عَنْ عَلَاقَةٍ أَعْمَقَ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَحَقِّ امْتِلَاكِ الْأَجْسَادِ وَالتَّحَكُّمِ فِي مَصَائِرِ أَصْحَابِهَا. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ يَتَّخِذُ الْحَرَمْلِك دَلَالَةً تَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ فَضَاءً لِلنِّسَاءِ، إِذْ يَبْدُو نَمُوذَجًا مُصَغَّرًا لِلدَّوْلَةِ وَآلِيَّاتِ الْحُكْمِ. فَفِيهِ الْأَوَامِرُ وَالْمُرَاقَبَةُ وَالطَّبَقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالْمَحْظِيَّاتُ وَالْمُفَضَّلَاتُ وَالْعُقُوبَاتُ وَالنَّفْيُ وَالْمُؤَامَرَاتُ وَالْأَسْرَارُ وَالْوُسَطَاءُ، كَمَا تُوجَدُ نِسَاءٌ يَصْنَعْنَ الْقَرَارَ، وَخِصْيَانٌ يَعْرِفُونَ خَفَايَا الْقَصْرِ. وَلِهَذَا يَقُولُ سَلِيمُ آغَا إِنَّ الْحَرَمْلِك كَانَ «مَسْرَحًا لِلسِّيَاسَةِ»، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا مَنْ يَمْلِكُ الْقَصْرَ حَقًّا: أَهُوَ الْبَاي، أَمِ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَثِقُ بِهَا، أَمِ الْخَصِيُّ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ شَيْءٍ؟ وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ الْحَرَمْلِك صُورَةً مُكَثَّفَةً لِبِنْيَةِ السُّلْطَةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الْقُوَّةُ الرَّسْمِيَّةُ مَعَ النُّفُوذِ غَيْرِ الْمُبَاشِرِ وَشَبَكَاتِ الْمَعْلُومَاتِ. وَلَا تَحْصُرُ الرِّوَايَةُ الِاسْتِبْدَادَ فِي الْحَاكِمِ أَوْ فِي الرِّجَالِ وَحْدَهُمْ، وَإِنَّمَا تَعْرِضُهُ بِوَصْفِهِ بِنْيَةً مُتَعَدِّدَةَ الْمُسْتَوَيَاتِ، تَظْهَرُ لَدَى السُّلْطَانِ وَالْبَاي وَالْوَزِيرِ وَالْخَصِيِّ وَالْمُقِيمِ الْعَامِّ الْفَرَنْسِيِّ وَالْجِهَازِ الْإِدَارِيِّ وَالْعَائِلَةِ الْمَالِكَةِ، بَلْ وَلَدَى بَعْضِ النِّسَاءِ دَاخِلَ الْقَصْرِ. وَمِنْ هُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ: هَلْ تَكْمُنُ الْمُشْكِلَةُ فِي شَخْصِ الْحَاكِمِ أَمْ فِي بِنْيَةِ السُّلْطَةِ ذَاتِهَا؟ فَالْأَشْخَاصُ يَتَغَيَّرُونَ، بَيْنَمَا تَسْتَمِرُّ الْمُؤَسَّسَاتُ الْقَادِرَةُ عَلَى إِنْتَاجِ الْخَوْفِ وَالتَّبَعِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ تَكْتَسِبُ عِبَارَةُ السُّلْطَانَةِ الْأُمِّ: «مَنْ صَمَتَتْ نَالَتِ الْحَظْوَةَ، وَمَنْ تَكَلَّمَتْ كَثِيرًا اخْتَفَتْ»، دَلَالَةً تَتَجَاوَزُ الْحَرَمْلِك لِتُصْبِحَ تَعْبِيرًا عَنْ قَاعِدَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَجْعَلُ الصَّمْتَ شَرْطًا لِلْبَقَاءِ، وَالْكَلَامَ فِعْلًا قَدْ يُهَدِّدُ صَاحِبَهُ. وَيَبْلُغُ مَسَارُ الْمَرْأَةِ نَحْوَ السُّلْطَةِ ذُرْوَتَهُ مَعَ قَمَرْ، الَّتِي تَنْتَقِلُ مِنْ صُورَةِ الْمَرْأَةِ الْمُهْدَاةِ إِلَى صُورَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَسْعَى إِلَى صِنَاعَةِ الْقَرَارِ. وَبِذَلِكَ لَا تُمَثِّلُ شَخْصِيَّةً نِسَائِيَّةً قَوِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ تُجَسِّدُ إِعَادَةَ تَوْزِيعِ السُّلْطَةِ بَيْنَ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ. غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُقَدِّمُ هَذَا التَّحَوُّلَ بِاعْتِبَارِهِ انْتِصَارًا سَهْلًا؛ فَقَمَرْ تَدْفَعُ ثَمَنَهُ النَّفْسِيَّ وَالْعَاطِفِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ، الْأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ السُّلْطَةَ فِي تَجْرِبَتِهَا مَسْؤُولِيَّةً وَصِرَاعًا أَكْثَرَ مِنْهَا امْتِيَازًا. وَمَعَ انْتِقَالِ الْأَحْدَاثِ مِنْ إِسْطَنْبُولَ إِلَى تُونِسَ، تَتَّسِعُ دَلَالَةُ الِاسْتِعْبَادِ مِنَ الْجَسَدِ الْفَرْدِيِّ إِلَى الْوَطَنِ. فَتَظْهَرُ تُونِسُ شَبِيهَةً بِالْمَرْأَةِ الْمُسْتَبَاحَةِ: قُوَّةٌ خَارِجِيَّةٌ تَتَحَكَّمُ فِيهَا، وَحَاكِمٌ مَحَلِّيٌّ مَحْدُودُ الصَّلَاحِيَّاتِ، وَقَرَارَاتٌ تُفْرَضُ مِنَ الْخَارِجِ، وَدُيُونٌ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ لِلْهَيْمَنَةِ، وَتَنَافُسٌ بَيْنَ الْقُوَى الْأُورُوبِّيَّةِ، وَعَرْشٌ يَحْتَفِظُ بِشَكْلِهِ بَيْنَمَا يَتَقَلَّصُ الْقَرَارُ الْفِعْلِيُّ. وَمِنْ هُنَا تَتَشَكَّلُ الْمُوَازَاةُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ الْمُسْتَعْبَدَةِ وَالْوَطَنِ الْمُسْتَعْمَرِ، فَكِلَاهُمَا يَفْقِدُ حَقَّ تَقْرِيرِ الْمَصِيرِ. وَتُعَدُّ هَذِهِ الْمُوَازَاةُ مِنْ أَهَمِّ الْمَفَاتِيحِ التَّأْوِيلِيَّةِ لِلرِّوَايَةِ، لِأَنَّهَا تَنْقُلُ قَضِيَّةَ الْحُرِّيَّةِ مِنَ الْمُسْتَوَى الْفَرْدِيِّ إِلَى الْمُسْتَوَى الْوَطَنِيِّ. وَيَطْرَحُ هَذَا الْوَضْعُ إِشْكَالِيَّةَ التَّبَعِيَّةِ وَالِاسْتِقْلَالِ مِنْ خِلَالِ سُؤَالِ حَوْلَ إِمْكَانِيَّةِ إِنْقَاذِ الدَّوْلَةِ الضَّعِيفَةِ بِالِاسْتِنَادِ إِلَى قُوَّةٍ خَارِجِيَّةٍ. فَالصَّادِق بَايْ يُحَاوِلُ الِاحْتِمَاءَ بِالْبَابِ الْعَالِي فِي مُوَاجَهَةِ فَرَنْسَا، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ تَكْشِفُ أَنَّ الِاسْتِقْوَاءَ بِالْخَارِجِ لَا يَضْمَنُ امْتِلَاكَ الْقَرَارِ أَوِ الْحِفَاظَ عَلَى السِّيَادَةِ. لِذَلِكَ تَتَقَابَلُ فِي بِنْيَتِهَا الدَّلَالِيَّةِ مَفَاهِيمُ الْحِمَايَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ، وَالتَّحَالُفِ وَفُقْدَانِ الِاسْتِقْلَالِ، وَالسِّيَاسَةِ الْوَاقِعِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الْوَطَنِيَّةِ. وَيَظْهَرُ هَذَا التَّعَارُضُ فِي النِّقَاشِ حَوْلَ فَرَنْسَا وَالدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَالدُّيُونِ وَوَضْعِ تُونِسَ، حَيْثُ يَتَّصِلُ الْقَرَارُ السِّيَاسِيُّ بِمَصِيرِ الدَّوْلَةِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى حِمَايَةِ إِرَادَتِهَا الْوَطَنِيَّةِ. وَمِنْ هَذِهِ النُّقْطَةِ تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ إِلَى سُؤَالِ الْوَطَنِيَّةِ وَالْمُقَاوَمَةِ. فَمَعَ مَرْحَلَةِ الْحَرَكَةِ الْوَطَنِيَّةِ يَتَغَيَّرُ السُّؤَالُ مِنْ «كَيْفَ تُحْكَمُ الْقُصُورُ؟» إِلَى «مَنْ يَمْلِكُ الْوَطَنَ؟». وَتَرْتَبِطُ قَمَرْ وَمُحَمَّد النَّاصِر ثُمَّ الْمُنْصِف بَايْ بِتَصَوُّرٍ لِلسُّلْطَةِ يَقُومُ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالسِّيَادَةِ وَالشَّعْبِ وَمُقَاوَمَةِ الْهَيْمَنَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَرَفْضِ تَحْوِيلِ الدَّوْلَةِ إِلَى وَاجِهَةٍ لِلسُّلْطَةِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ. وَهَكَذَا لَا تَصْبَحُ الْوَطَنِيَّةُ شِعَارًا سِيَاسِيًّا، بَلِ اخْتِبَارًا أَخْلَاقِيًّا لِلشَّخْصِيَّةِ، يُقَاسُ مِنْ خِلَالِ قُدْرَتِهَا عَلَى صَوْنِ الْكَرَامَةِ وَالسِّيَادَةِ وَالِانْتِصَارِ لِمَصْلَحَةِ الْوَطَنِ. وَيَتَّصِلُ بِذَلِكَ سُؤَالُ شَرْعِيَّةِ الْعَرْشِ: هَلْ يَسْتَمِدُّ الْحَاكِمُ شَرْعِيَّتَهُ مِنَ الْوِرَاثَةِ أَمْ مِنَ الشَّعْبِ؟ وَيَبْلُغُ هَذَا السُّؤَالُ ذُرْوَتَهُ مَعَ الْمُنْصِف بَايْ، وَلَا سِيَّمَا فِي قَوْلِ قَمَرٍ لَهُ: «الْعَرْشُ يَا بُنَيَّ لَا يُوَرَّثُ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْكَتِفِ كَنَعْشٍ ثَقِيلٍ». فَالْحُكْمُ، وَفْقَ هَذَا التَّصَوُّرِ، لَيْسَ امْتِيَازًا مَوْرُوثًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْؤُولِيَّةٌ تُجَاهَ الشَّعْبِ وَالْوَطَنِ، وَلَا تَكْتَسِبُ الْمَلَكِيَّةُ مَشْرُوعِيَّتَهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا تَتَحَوَّلُ إِلَى خِدْمَةٍ عَامَّةٍ وَعِبْءٍ أَخْلَاقِيٍّ. وَتَتَّضِحُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَالْمُجْتَمَعِ مِنْ خِلَالِ الْمُقَابَلَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ بَيْنَ عَالَمِ الْقَصْرِ وَعَالَمِ الشَّعْبِ: الْحَرِيرُ وَالْفَقْرُ، وَالذَّهَبُ وَالْجُوعُ، وَالِاحْتِفَالَاتُ وَالْمَجَاعَاتُ، وَالْوَلَائِمُ وَالْجِيَفُ، وَالسُّلْطَةُ وَالْعَجْزُ، وَالْمَرَاسِمُ وَالْمُعَانَاةُ، وَالْعَرْشُ وَالْوَطَنُ، وَالتَّرَفُ وَالِاسْتِغْلَالُ. وَلَا تُؤَدِّي هَذِهِ الثُّنَائِيَّاتُ وَظِيفَةً وَصْفِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ تَكْشِفُ التَّنَاقُضَ بَيْنَ صُورَةِ الدَّوْلَةِ دَاخِلَ الْقَصْرِ وَحَقِيقَتِهَا خَارِجَهُ. وَمِنْ هُنَا تَتَكَرَّرُ الْمَرَايَا كَرَمْزٍ دَالٍّ؛ فَالْقَصْرُ يَرَى صُورَتَهُ الْجَمِيلَةَ وَالْمُتَأَلِّقَةَ، بَيْنَمَا تَكْشِفُ مِرْآةُ التَّارِيخِ مَا يُخْفِيهِ ذَلِكَ الْجَمَالُ مِنْ عَفَنٍ. وَتَتَّصِلُ السُّلْطَةُ كَذَلِكَ بِالْجَهْلِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْحَدَاثَةِ، إِذْ تَطْرَحُ الرِّوَايَةُ سُؤَالًا آخَرَ، هَلْ يُمْكِنُ بُلُوغ التَّحَرُّرِ السِّيَاسِيِّ مِنْ دُونِ تَحَرُّرٍ فِكْرِيٍّ؟ فَتَجْهِيلُ الْمُجْتَمَعِ وَسِيلَةٌ لِإِبْقَاءِ النَّاسِ فِي دَائِرَةِ الْخُضُوعِ، بَيْنَمَا يُصْبِحُ التَّعْلِيمُ وَالْمَعْرِفَةُ طَرِيقًا إِلَى الْوَعْيِ وَالْكَرَامَةِ وَالْحُرِّيَّةِ. وَتَظْهَرُ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مِنْ خِلَالِ تَعْلِيمِ الْجَوَارِي، وَالْحَدِيثِ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْإِصْلَاحِ وَالتَّقَدُّمِ الْعِلْمِيِّ، وَالصِّرَاعِ بَيْنَ الْمُحَافَظَةِ وَالْحَدَاثَةِ، وَعَلَاقَةِ النُّخَبِ بِالدَّوْلَةِ وَالْخِطَابِ الْإِصْلَاحِيِّ. وَهَكَذَا تَنْتَظِمُ الرِّوَايَةُ فِي سِلْسِلَةٍ وَاضِحَةٍ: الْمَعْرِفَةُ تَقُودُ إِلَى الْوَعْيِ، وَالْوَعْيُ إِلَى الْكَرَامَةِ، وَالْكَرَامَةُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ. وَلَا يَنْفَصِلُ الْحُبُّ عَنْ هَذَا الصِّرَاعِ، إِذْ يَتَحَوَّلُ مِنْ تَجْرِبَةٍ عَاطِفِيَّةٍ إِلَى فِعْلٍ قَدْ يَصْطَدِمُ بِالنِّظَامِ. وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي حِكَايَاتِ عِزَّتْ آغَا وَآنَ، وَالْخِصْيَانِ وَالْجَوَارِي، وَقَمَرْ وَالنَّاصِر، وَالْعَلَاقَةِ الرُّوحِيَّةِ بَيْنَ قَمَرْ وَالْمُنْصِف. فَفِي الْحَرَمْلِك «الْحُبُّ جَرِيمَةٌ»، لِأَنَّ الْمَشَاعِرَ نَفْسَهَا تَخْضَعُ لِلرَّقَابَةِ. وَبِذَلِكَ تَطْرَحُ الرِّوَايَةُ سُؤَالًا حَوْلَ إِمْكَانِيّةِ الْحُبِّ فِي مُجْتَمَعٍ لَا يَسْمَحُ لِلْفَرْدِ بِاخْتِيَارِ حَيَاتِهِ وَمَصِيرِهِ. وَتَكْتَسِبُ عَلَاقَةُ قَمَرْ بِالْمُنْصِف أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي هَذَا السِّيَاقِ، لِأَنَّهَا تُعِيدُ تَعْرِيفَ الْأُمُومَةِ خَارِجَ رَابِطَةِ الدَّمِ. فَقَمَرْ لَيْسَتْ أُمَّهُ الْبِيُولُوجِيَّةَ، لَكِنَّهُ يَرَاهَا أُمًّا رُوحِيَّةً، بِمَا يَجْعَلُ الرِّعَايَةَ وَالْحِمَايَةَ وَالتَّكْوِينَ أَسَاسًا لِلْأُمُومَةِ. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ تَتَحَوَّلُ الْأُمُومَةُ إِلَى وَسِيلَةٍ لِنَقْلِ الذَّاكِرَةِ وَالْقِيَمِ وَالْوَطَنِيَّةِ وَالْخِبْرَةِ وَالْمُقَاوَمَةِ. وَلِذَلِكَ تَسْتَمِرُّ رَسَائِلُ قَمَرْ إِلَى الْمُنْصِفِ بَعْدَ مَوْتِهَا بِوَصْفِهَا امْتِدَادًا لِصَوْتِهَا، بِمَا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَسْتَطِيعُ بِالضَّرُورَةِ إِنْهَاءَ الْعَلَاقَةِ أَوْ إِسْكَاتَ مَنْ رَحَلَ. وَيَمْتَدُّ هَذَا الْمَعْنَى إِلَى تَجْرِبَةِ الْمَنْفَى، الَّتِي تَحْضُرُ فِي الرِّوَايَةِ بِصُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ: نَارْتْ تُقْتَلَعُ مِنَ الْقَوْقَازِ، وَلُوسَن مِنْ مَوْطِنِهَا، وَقَمَرْ تُنْفَى وَتُعْزَلُ، وَالنَّاصِر يُصْبِحُ ضَحِيَّةً لِلصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ، وَالْمُنْصِف يُنْفَى خَارِجَ تُونِسَ. وَلَا يَقْتَصِرُ الْمَنْفَى عَلَى الْبُعْدِ الْجُغْرَافِيِّ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى الْبُعْدَيْنِ النَّفْسِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ دَاخِلَ وَطَنِهِ، لَكِنَّهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ. وَبِذَلِكَ يَتَحَوَّلُ الِاقْتِلَاعُ مِنَ الْمَكَانِ إِلَى تَجْرِبَةٍ تَتَّصِلُ بِالْهُوِيَّةِ وَالِانْتِمَاءِ وَفقْدَانِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي مَصِيرِ الْوَطَنِ. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ الذَّاكِرَةُ فِي مُوَاجَهَةِ النِّسْيَانِ كَإِحْدَى أَهَمِّ الْإِشْكَالِيَّاتِ الْفِكْرِيَّةِ فِي الرِّوَايَةِ. فَالسَّرْدُ لَا يَكْتَفِي بِاسْتِعَادَةِ شَخْصِيَّاتٍ تَارِيخِيَّةٍ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ: مَنْ يَكْتُبُ التَّارِيخَ؟ وَمَنْ يُقَرِّرُ مَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَتَذَكَّرَهُ وَمَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَنْسَاهُ؟ وَلِهَذَا تَتَكَرَّرُ الْحِكَايَاتُ الشَّفَوِيَّةُ وَالْأَسْرَارُ وَالرَّسَائِلُ وَالدَّفَاتِرُ وَالذِّكْرَيَاتُ وَالصُّوَرُ وَرِوَايَاتُ الْجَوَارِي وَشَهَادَاتُ الْخِصْيَانِ، فِيمَا تَتَحَوَّلُ الْقُصُورُ إِلَى خَزَائِنَ لِلذَّاكِرَةِ. وَيُصْبِحُ هَذَا السُّؤَالُ أَكْثَرَ وُضُوحًا فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ، حِينَ تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ إِلَى سَنَةِ 2011 وَإِلَى النَّدْوَةِ التَّارِيخِيَّةِ، فَتَضَعُ التَّارِيخَ الْمَدْرَسِيَّ فِي مُوَاجَهَةِ الذَّاكِرَةِ الْعَائِلِيَّةِ وَالشَّعْبِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَتَحَوَّلُ عُنْوَانُ الرِّوَايَةِ نَفْسُهُ إِلَى مَشْرُوعٍ لِاسْتِعَادَةِ شَخْصِيَّةٍ مِنَ الْهَامِشِ وَإِعَادَتِهَا إِلَى الذَّاكِرَةِ. وَتَكْشِفُ الرِّوَايَةُ كَذَلِكَ أَنَّ التَّارِيخَ الرَّسْمِيَّ لَا يَسْتَوْعِبُ بِالضَّرُورَةِ كُلَّ الْحَقِيقَةِ. فَالْمَرْأَةُ الَّتِي عَاشَتْ فِي الْقَصْرِ تَعْرِفُ مَا لَا تَعْرِفُهُ كُتُبُ التَّارِيخِ، وَالْخَصِيُّ يَعْرِفُ أَسْرَارًا لَا يَعْرِفُهَا الْوُزَرَاءُ، وَالْخَادِمَةُ تَحْتَفِظُ بِرَسَائِلَ غَائِبَةٍ عَنِ الْوَثَائِقِ، وَالْأَحْفَادُ يَحْمِلُونَ ذَاكِرَةً مُخْتَلِفَةً عَنِ الذَّاكِرَةِ الرَّسْمِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ يَتَوَزَّعُ التَّارِيخُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ أَصْوَاتِ الْمُهَمَّشِينَ، بِمَا يَجْعَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا فِي قِرَاءَةِ الرِّوَايَةِ بِوَصْفِهَا مُحَاوَلَةً لِإِعَادَةِ الِاعْتِبَارِ إِلَى الذَّاكِرَةِ الْمَنْسِيَّةِ. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ يَأْخُذُ الصَّمْتُ دَلَالَةً سِيَاسِيَّةً؛ فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ غِيَابٍ لِلْكَلَامِ، بَلْ وَسِيلَةٌ لِلسَّيْطَرَةِ. فِي الْحَرَمْلِك قَدْ يُعَاقَبُ مَنْ يَتَكَلَّمُ وَيَنْجُو مَنْ يَصْمُتُ، وَتُدْفَنُ الْأَسْرَارُ، وَتَرْوِي الْقِصَصَ هَمْسًا، حَتَّى تَبْدُوَ الْجُدْرَانُ نَفْسُهَا وَكَأَنَّهَا تَسْمَعُ. غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ تَقْلِبُ هَذِهِ الْمُعَادَلَةَ، فَتُحَوِّلُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ إِلَى مَكْتُوبٍ، وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى الْكِتَابَةِ بِوَصْفِهَا مُقَاوَمَةً لِلصَّمْتِ التَّارِيخِيِّ وَاسْتِعَادَةً لِلْأَصْوَاتِ الَّتِي مَنَعَتْهَا السُّلْطَةُ مِنَ الظُّهُورِ. وَتُصْبِحُ الْمَرْأَةُ، نَتِيجَةً لِذَلِكَ، حَارِسَةً لِلذَّاكِرَةِ. فَسُولْمَاز تَحْفَظُ قِصَصَ الْحَرَمْلِك، وَقَمَرْ تَحْفَظُ تَارِيخَ الْقَصْرِ، وَغَالِيَة تَحْفَظُ رَسَائِلَ قَمَرْ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ هَذِهِ الذَّاكِرَةُ إِلَى الْأَجْيَالِ اللَّاحِقَةِ. وَهَكَذَا لَا تَكْتَفِي النِّسَاءُ بِالْإِنْجَابِ وَالْحُبِّ وَالْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّينَ وَظِيفَةً ثَقَافِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً تَتَمَثَّلُ فِي حِفْظِ الْمَاضِي وَنَقْلِهِ، فِي مُوَاجَهَةِ مُؤَسَّسَةِ التَّارِيخِ الرَّسْمِيَّةِ. وَتَتَكَرَّرُ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا ثُنَائِيَّةُ الْخِيَانَةِ وَالْوَفَاءِ عَلَى الْمُسْتَوَيَاتِ الْعَاطِفِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالْوَطَنِيَّةِ وَالشَّخْصِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَنْ خَانَ مَنْ، بَلْ يَتَّصِلُ بِتَحْدِيدِ الْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا الْوَفَاءُ عِنْدَمَا تَتَعَارَضُ الدَّوْلَةُ مَعَ الْوَطَنِ، وَالْمَلِكُ مَعَ الشَّعْبِ، وَالْحُبُّ مَعَ السُّلْطَةِ. وَيَبْرُزُ هَذَا التَّعَارُضُ بِصُورَةٍ جَلِيَّةٍ فِي الْمَرَاحِلِ الْأَخِيرَةِ مَعَ الْمُنْصِف بَايْ وَالْأَمِين بَايْ وَالْقُوَى الْفَرَنْسِيَّةِ وَالْحَرَكَةِ الْوَطَنِيَّةِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الْوَلَاءُ لِلسُّلْطَةِ قَابِلًا لِأَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى خِيَانَةٍ لِلْوَطَنِ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَغْدُوَ رَفْضُهَا صُورَةً مِنْ صُوَرِ الْوَفَاءِ. أَمَّا الْمَوْتُ، فَلَا يُمَثِّلُ فِي الرِّوَايَةِ نِهَايَةً مُطْلَقَةً، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ اسْتِمْرَارِ الْأَثَرِ. فَمَوْتُ الْحَبِيبِ أَوِ الْبَايْ، وَالنَّفْيُ الَّذِي يُمَثِّلُ مَوْتًا سِيَاسِيًّا، وَمَوْتُ قَمَرْ الْجَسَدِيُّ، وَأُفُولُ عَصْرِ الْبَاياتِ، لَا يَمْنَعُ الشَّخْصِيَّاتِ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْحُضُورِ عَبْرَ الرَّسَائِلِ وَالذَّاكِرَةِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ وَالْحِكَايَاتِ. لِذَلِكَ يَبْدُو السُّؤَالُ الْمَرْكَزِيُّ هُوَ: هَلْ يَسْتَطِيعُ الْمَوْتُ أَنْ يَهْزِمَ الذَّاكِرَةَ؟ وَيَأْتِي الْجَوَابُ السَّرْدِيُّ بِالنَّفْيِ؛ فَمَا دَامَ هُنَاكَ مَنْ يَرْوِي وَيَحْفَظُ الْأَثَرَ وَيُعِيدُ إِنْتَاجَ الْحِكَايَةِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يَمْحُو الْحُضُورَ، كَمَا يَتَجَسَّدُ ذَلِكَ فِي المَشْرُوعِ الرِّوَائِي لِخَدِيجَةَ التُّومِي. وَتَتَّسِعُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِي الْفُصُولِ الْأَخِيرَةِ لِتَشْمَلَ سُقُوطَ الْمَلَكِيَّةِ نَفْسِهَا. فَمَعَ الْمُنْصِف بَايْ، ثُمَّ الْأَمِين بَايْ، ثُمَّ إِلْغَاءِ الْمَلَكِيَّةِ، تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ مِنْ سُقُوطِ الْأَفْرَادِ إِلَى سُقُوطِ نِظَامٍ تَارِيخِيٍّ كَامِلٍ، وَتَطْرَحُ سُؤَالًا حَوْلَ مَا إِذَا كَانَ سُقُوطُ الْعَرْشِ يَعْنِي سُقُوطَ فِكْرَةِ الْوَطَنِ. وَتُجِيبُ الرِّوَايَةُ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ: قَدْ يَسْقُطُ الْعَرْشُ وَيَسْتَمِرُّ الْوَطَنُ، وَقَدْ يُنْفَى الْمَلِكُ وَتَتَحَوَّلُ شَخْصِيَّتُهُ إِلَى رَمْزٍ فِي الذَّاكِرَةِ الْوَطَنِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا تَنْشَأُ مُفَارَقَةٌ لَافِتَةٌ، إِذْ قَدْ يَفْقِدُ الْمَلِكُ سُلْطَتَهُ السِّيَاسِيَّةَ، لَكِنَّهُ يَكْتَسِبُ فِي الْمُقَابِلِ قِيمَةً رَمْزِيَّةً تَتَجَاوَزُ زَمَنَ حُكْمِهِ. وَلَا تُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ الِاسْتِعْمَارَ بِاعْتِبَارِهِ احْتِلَالًا عَسْكَرِيًّا مُبَاشِرًا فَحَسْبُ، بَلْ تَكْشِفُ آلِيَّاتِهِ الِاقْتِصَادِيَّةَ وَالْإِدَارِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ؛ فَهُوَ يَعْمَلُ عَبْرَ الدُّيُونِ وَالْمُسْتَشَارِينَ وَالْمُقِيمِ الْعَامِّ وَالْجِهَازِ الْإِدَارِيِّ وَالضَّغْطِ السِّيَاسِيِّ وَالتَّحَكُّمِ فِي الْقَرَارِ وَالْعَرْشِ وَصِنَاعَةِ الْبَدَائِلِ. وَبِذَلِكَ يُصْبِحُ الِاسْتِعْمَارُ بِنْيَةَ هَيْمَنَةٍ مُتَشَعِّبَةً، تَسْتَطِيعُ مُمَارَسَةَ السَّيْطَرَةِ دُونَ الِاعْتِمَادِ الدَّائِمِ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ. وَتَتَكَامَلُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ مَعَ الرَّمْزِيَّةِ الْمَكَانِيَّةِ لِلْقَصْرِ، حَيْثُ تَتَكَرَّرُ عَنَاصِرُ الْبَابِ وَالنَّافِذَةِ وَالْمَمَرِّ وَالْجِدَارِ وَالْمِفْتَاحِ وَالْقَفَصِ. فَالْقَصْرُ فَضَاءٌ لِلتَّرَفِ وَالْجَمَالِ، لَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فَضَاءٌ لِلْحَبْسِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَلِذَلِكَ تَتَكَرَّرُ صُورَةُ «الْقَفَصِ الذَّهَبِيِّ»: فَالذَّهَبُ لَا يُلْغِي الْقَيْدَ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْبَهَاءِ. وَلَا تَنْطَبِقُ هَذِهِ الصُّورَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَلَى الْحَاكِمِ أَيْضًا، لِأَنَّ امْتِلَاكَ السُّلْطَةِ لَا يَحُولُ دُونَ أَنْ يُصْبِحَ صَاحِبُهَا أَسِيرًا لِلْمَنْظُومَةِ الَّتِي تَمْنَحُهُ تِلْكَ السُّلْطَةَ. وَتَكْتَمِلُ رَمْزِيَّةُ الْمَكَانِ بِثُنَائِيَّةِ النُّورِ وَالظَّلَامِ، الَّتِي تَتَكَرَّرُ عَبْرَ قَمَرٍ وَالضَّوْءِ وَالشَّمْعَةِ وَالْفَجْرِ وَالنَّافِذَةِ وَالْبَحْرِ وَالنُّورِ الْخَفِيِّ، فِي مُقَابِلِ الْعَتْمَةِ وَدَهَالِيزِ الْقَصْرِ وَالْغُرَفِ الْمُغْلَقَةِ وَالْأَسْرَارِ وَالْمَنْفَى وَالْمَوْتِ. وَمِنْ هُنَا يَتَجَاوَزُ اسْمُ قَمَرْ وَظِيفَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ لِيُصْبِحَ عَلَامَةً رَمْزِيَّةً؛ فَهِيَ النُّورُ الَّذِي يَشُقُّ عَالَمًا مُثْقَلًا بِالظَّلَامِ. لِذَلِكَ يُمْكِنُ قِرَاءَةُ «قِيَامَةِ قَمَرٍ» عَلَى مُسْتَوًى أَعْمَقَ بِاعْتِبَارِهَا عَوْدَةً لِلنُّورِ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِنَ الْعَتْمَةِ، وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَوْدَةِ شَخْصِيَّةٍ إِلَى الْمَجَالِ السِّيَاسِيِّ. وَبِهَذَا تَتَشَكَّلُ الرِّوَايَةُ مِنْ شَبَكَةٍ مُتَدَاخِلَةٍ لَا تَنْفَصِلُ فِيهَا قَضِيَّةُ الْمَرْأَةِ عَنِ السُّلْطَةِ، وَلَا قَضِيَّةُ السُّلْطَةِ عَنِ الِاسْتِعْمَارِ، وَلَا الِاسْتِعْمَارُ عَنِ السِّيَادَةِ وَالْوَطَنِيَّةِ، وَلَا الْوَطَنِيَّةُ عَنِ الذَّاكِرَةِ وَالتَّارِيخِ. فَالْجَسَدُ يَكْشِفُ مَنْطِقَ التَّمَلُّكِ، وَالْحَرَمْلِك يُجَسِّدُ بِنْيَةَ السُّلْطَةِ، وَالْقَصْرُ يُكَثِّفُ عَلَاقَةَ التَّرَفِ بِالْقَيْدِ، وَالِاسْتِعْمَارُ يَنْقُلُ مَنْطِقَ السَّيْطَرَةِ إِلَى مُسْتَوَى الْوَطَنِ، وَالتَّعْلِيمُ يَفْتَحُ طَرِيقَ التَّحَرُّرِ، وَالْحُبُّ يُصْبِحُ مَجَالًا لِمُقَاوَمَةِ الْإِكْرَاهِ، وَالْمَنْفَى يَكْشِفُ فقْدَانَ الِانْتِمَاءِ، وَالْمَرْأَةُ تَحْفَظُ مَا أَهْمَلَهُ التَّارِيخُ الرَّسْمِيُّ، وَالْكِتَابَةُ تَسْتَعِيدُ مَا حَاوَلَ الصَّمْتُ طَمْسَهُ، وَالْمَوْتُ لَا يَمْنَعُ اسْتِمْرَارَ الْأَثَرِ. وَمِنْ ثَمَّ لَا تَسْتَعِيدُ الرِّوَايَةُ الْمَاضِيَ لِمُجَرَّدِ اسْتِحْضَارِهِ، وَإِنَّمَا تُعِيدُ مُسَاءَلَتَهُ مِنْ خِلَالِ أَسْئِلَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَالسِّيَادَةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ، وَاضِعَةً التَّارِيخَ الرَّسْمِيَّ فِي مُوَاجَهَةِ الرِّوَايَاتِ الْهَامِشِيَّةِ، وَمَحْوَ الذَّاكِرَةِ فِي مُوَاجَهَةِ فِعْلِ التَّذَكُّرِ، وَالِاسْتِبْدَادَ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُقَاوَمَةِ. وَبِهَذَا يَتَحَوَّلُ التَّارِيخُ الرِّوَائِيُّ إِلَى مَجَالٍ نَقْدِيٍّ لِتَفْكِيكِ آلِيَّاتِ الْهَيْمَنَةِ وَإِعَادَةِ بِنَاءِ الذَّاكِرَةِ مِنْ مَنْظُورِ الْأَصْوَاتِ الَّتِي هَمَّشَهَا السِّجِلُّ الرَّسْمِيُّ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا أَصْوَاتُ النِّسَاءِ وَالْخَدَمِ وَالْخِصْيَانِ وَالْمَنْفِيِّينَ وَالْأَحْفَادِ، لِتَغْدُوَ الرِّوَايَةُ فِي النِّهَايَةِ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ اسْتِعَادَةِ مَا كَادَ التَّارِيخُ أَنْ يَطْمِسَهُ. وَتَقُومُ بِنْيَةُ رِوَايَةِ خَدِيجَةَ التُّومِي عَلَى تَفَاعُلِ عَدَدٍ مِنَ الخُطُوطِ السَّرْدِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ الكُبْرَى الَّتِي تَتَقَاطَعُ وَتَتَدَاخَلُ عَلَى امْتِدَادِ العَمَلِ، بِحَيْثُ لَا تَبْدُو الأَحْدَاثُ وَالشَّخْصِيَّاتُ مُنْفَصِلَةً بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا تَنْتَظِمُ فِي شَبَكَةٍ دلَالِيَّةٍ وَاحِدَةٍ تَتَأَسَّسُ، فِي تَقْدِيرِي، عَلَى ثَلَاثَةِ مَسَارَاتٍ رَئِيسِيّةٍ. يَتَمَثَّلُ المَسَارُ الأَوَّلُ فِي خَطِّ نَارْت: الجَارِيَةِ، فَالجَسَدِ، فَالحَرَمْلِكْ، ثُمَّ القَهْرِ؛ وَيَتَشَكَّلُ المَسَارُ الثَّانِي مِنْ قَمَرْ، فَالمَرْأَةِ، فَالمَعْرِفَةِ بِالسُّلْطَةِ، ثُمَّ الفِعْلِ السِّيَاسِيِّ فَالمُقَاوَمَةِ؛ أَمَّا المَسَارُ الثَّالِثُ فَيَتَّصِلُ بِالصَّادِق بَايْ، وَالنَّاصِر، وَالمُنْصِف، وَالأَمِين، وُصُولًا إِلَى سُقُوطِ المَلَكِيَّةِ ثُمَّ الذَّاكِرَةِ. وَتَلْتَقِي هَذِهِ المَسَارَاتُ جَمِيعًا فِي سُؤَالٍ أَوْسَعَ وَأَعْمَقَ: مَنْ يَمْلِكُ حَقَّ تَقْرِيرِ مَصِيرِ الإِنْسَانِ وَالوَطَنِ؟ أَهِيَ السُّلْطَةُ، أَمْ صَاحِبُ الجَسَدِ، أَمِ الشَّعْبُ، أَمِ التَّارِيخُ الَّذِي يَكْتُبُهُ المُنْتَصِرُونَ؟ وَمِنْ هَذَا المَنْظُورِ، يُمْكِنُ اعْتِبَارُ هَذَا السُّؤَالِ المَحْوَرَ الفِكْرِيَّ الأَعْمَقَ الَّذِي تَنْتَظِمُ حَوْلَهُ قِرَاءَةُ الرِّوَايَةِ بِأَكْمَلِهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الوَقَائِعَ التَّارِيخِيَّةَ وَالشَّخْصِيَّاتِ الفَرْدِيَّةَ، لِيَضَعَهَا دَاخِلَ إِشْكَالِيَّةِ السُّلْطَةِ وَالتَّمْثِيلِ وَالذَّاكِرَةِ وَحَقِّ امْتِلَاكِ الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ. وَمُنْذُ بِدَايَتِهَا، تُؤَسِّسُ الرِّوَايَةُ لِهَذَا المَنْظُورِ مِنْ خِلَالِ إِهْدَائِهَا الوَاضِحِ إِلَى المَرْأَةِ، وَإِلَى قَمَرْ تَحْدِيدًا، وَتَضَعُ مُنْذُ صَفَحَاتِهَا الأُولَى قَضِيَّةَ المَرْأَةِ وَالكَرَامَةِ وَالحُرِّيَّةِ فِي صُلْبِ مَشْرُوعِهَا السَّرْدِيِّ. ثُمَّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَأْسَاةِ الفَتَيَاتِ دَاخِلَ الحَرَمْلِك إِلَى الصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ التُّونُسِيِّ، فَيَتَّسِعُ مَعْنَى القَفَصِ تَدْرِيجِيًّا؛ إِذْ لَا يَعُودُ القَصْرُ المُغْلَقُ عَلَى النِّسَاءِ مُجَرَّدَ فَضَاءٍ لِلْقَهْرِ الجَسَدِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى صُورَةٍ رَمْزِيَّةٍ لِوَطَنٍ مُقَيَّدٍ بِالاسْتِعْمَارِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ مِنَ الخَاصِّ إِلَى العَامِّ، وَمِنْ جَسَدِ المَرْأَةِ إِلَى جَسَدِ الوَطَنِ، وَمِنَ القَصْرِ إِلَى المَجَالِ السِّيَاسِيِّ، وَمِنْ تَجْرِبَةِ القَهْرِ الفَرْدِيِّ إِلَى سُؤَالِ الحُرِّيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ. وَالأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ سُقُوطِ شَخْصِيَّاتِهَا أَوِ انْقِضَاءِ مَصَائِرِهَا، وَإِنَّمَا تَمْتَدُّ إِلَى الحَاضِرِ، حَيْثُ يُصْبِحُ سُؤَالُ الذَّاكِرَةِ التَّارِيخِيَّةِ جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ بِنَائِهَا. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ سُؤَالَ «مَنْ يَكْتُبُ التَّارِيخَ؟» لَا يَبْدُو مَوْضُوعًا ثَانَوِيًّا أَوْ عَابِرًا، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا تَأْوِيلِيًّا لِقِرَاءَةِ الرِّوَايَةِ بِأَكْمَلِهَا. وَتَتَمَيَّزُ الرِّوَايَةُ، مِنَ النَّاحِيَةِ الأُسْلُوبِيَّةِ، بِهُوِيَّةٍ سَرْدِيَّةٍ وَاضِحَةٍ وَشَخْصِيَّةٍ خَاصَّةٍ، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ أُسْلُوبَهَا وَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِ عَنَاصِرِهَا إِثَارَةً لِلِانْتِبَاهِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الأُسْلُوبَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ خُصُوصِيَّتِهِ وَقُوَّتِهِ، يَحْمِلُ بَعْضَ السِّمَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ صَقْلُهَا وَتَعْمِيقُهَا إِذَا كَانَ الهَدَفُ هُوَ الِارْتِقَاءُ بِالعَمَلِ إِلَى دَرَجَةٍ أَعْلَى مِنَ النُّضْجِ الفَنِّيِّ. فَالسَّرْدُ ذُو نَفَسٍ تَارِيخِيٍّ وَاضِحٍ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ التَّارِيخِ كَخَلْفِيَّةً جَامِدَةً أَوْ مُجَرَّدَ إِطَارٍ زَمَنِيٍّ لِلْأَحْدَاثِ، بَلْ يُحَاوِلُ إِعَادَةَ تَخَيُّلِهِ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ خِلَالِ عَالَمِ القَصْرِ وَالحَرَمْلِك وَالجَوَارِي وَالخِصْيَانِ وَالبَايَاتِ وَالخَدَمِ، ثُمَّ الِانْتِقَالِ إِلَى مَرْحَلَةِ الِاسْتِعْمَارِ وَالمُقَاوَمَةِ وَسُقُوطِ المَلَكِيَّةِ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ السَّرْدَ أَقْرَبَ إِلَى الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ ذَاتِ البُعْدِ الدِّرَامِيِّ مِنْهُ إِلَى السَّرْدِ التَّارِيخِيِّ التَّوْثِيقِيِّ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ لَا يُقَدَّمُ بِوَصْفِهِ مَجْمُوعَةً مِنَ الوَقَائِعِ المُجَرَّدَةِ، وَإِنَّمَا يُعَادُ تَشْكِيلُهُ عَبْرَ التَّجْرِبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالشَّخْصِيَّاتِ وَالمَشْهَدِ وَالحِوَارِ. وَيَكْشِفُ عَنْ هَذَا الوَعْيِ السَّرْدِيِّ قَوْلُ الرِّوَايَةِ: «الحِكَايَةُ، يَا صَغِيرَتِي، لَا تُرْوَى دَفْعَةً وَاحِدَةً... إِنَّمَا تُنَقَّعُ فِي الصَّمْتِ الطَّوِيلِ، حَتَّى يَخْرُجَ لَوْنُهَا الحَقِيقِيُّ». فَهَذِهِ العِبَارَةُ لَا تَكْتَفِي بِالإِخْبَارِ عَنِ الحِكَايَةِ، وَإِنَّمَا تَجْعَلُ الحِكَايَةَ نَفْسَهَا مَوْضُوعًا دَاخِلَ الحِكَايَةِ. فَالشَّخْصِيَّاتُ تَتَحَدَّثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الأَحْدَاثِ وَإِخْفَائِهَا وَتَنَاقُلِهَا، وَعَنِ الزَّمَنِ الَّذِي تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الحَقِيقَةُ لِكَيْ تَظْهَرَ، وَبِذَلِكَ تُصْبِحُ عَمَلِيَّةُ السَّرْدِ جُزْءًا مِنَ المَادَّةِ الرِّوَائِيَّةِ ذَاتِهَا. وَهَذِهِ سِمَةٌ جَمَالِيَّةٌ مُهِمَّةٌ تَمْنَحُ الرِّوَايَةَ صَوْتَهَا السَّرْدِيَّ الخَاصَّ؛ لِأَنَّهَا تَجْعَلُ سُؤَالَ كَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ المَاضِي مُتَدَاخِلًا مَعَ سُؤَالِ المَاضِي نَفْسِهِ. وَيَتَّصِلُ بِذَلِكَ حُضُورُ السَّرْدِ المَشْهَدِيِّ بِوَصْفِهِ وَاحِدًا مِنْ أَبْرَزِ عَنَاصِرِ القُوَّةِ فِي العَمَلِ. فَالكَاتِبَةُ لَا تَكْتَفِي، فِي مُعْظَمِ المَوَاضِعِ، بِإِخْبَارِ القَارِئِ بِأَنَّ حَدَثًا مَا قَدْ وَقَعَ، وَإِنَّمَا تُحَاوِلُ تَحْوِيلَ الحَدَثِ إِلَى مَشْهَدٍ حَيٍّ مِنْ خِلَالِ حَرَكَةِ الشَّخْصِيَّاتِ وَأَجْسَادِهَا وَنَظَرَاتِهَا وَهَمْسِهَا وَصَمْتِهَا، وَمِنْ خِلَالِ الضَّوْءِ وَالنَّوَافِذِ وَالمَمَرَّاتِ وَالحُرَّاسِ وَالخِصْيَانِ، فَضْلًا عَنْ أَصْوَاتِ البَحْرِ وَالرِّيحِ وَالحِوَارِ القَصِيرِ المُتَتَابِعِ. وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ بِوُضُوحٍ فِي مَشْهَدِ تَقْدِيمِ الجَوَارِي إِلَى الصَّادِق بَايْ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ قَاعَةُ القَصْرِ إِلَى مَسْرَحٍ لِلنَّظَرِ وَالِاخْتِيَارِ وَمُمَارَسَةِ السُّلْطَةِ؛ فَتَدْخُلُ نَارْت القَصْرَ كَجَسَدٍ يُنْظَرُ إِلَيْهِ وَيُخْتَارُ وَيُعَادُ تَسْمِيَتُهُ. وَهُنَا تَتَلَاءَمُ تِقْنِيَةُ المَشْهَدِ مَعَ مَوْضُوعِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَةَ لَا تُقَالُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تُرَى وَتُمَارَسُ دَاخِلَ المَشْهَدِ، وَيُصْبِحُ الجَسَدُ أَحَدَ مَيَادِينِهَا الأَسَاسِيَّةِ. وَلَا يُؤَدِّي الحِوَارُ فِي الرِّوَايَةِ وَظِيفَةَ تَبَادُلِ المَعْلُومَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَضْطَلِعُ بِوَظَائِفَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَهُوَ يَكْشِفُ الشَّخْصِيَّاتِ، وَيُقَدِّمُ المَعْلُومَاتِ، وَيَصْنَعُ الغُمُوضَ، وَيُمَهِّدُ لِلْأَحْدَاثِ. وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الحِوَارَاتِ تَجْرِي فِي صُورَةِ هَمْسٍ، وَهِيَ سِمَةٌ لَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَيْهَا كَتَفْصِيلٍ لُغَوِيٍّ عَابِرٍ؛ فَالهَمْسُ يَتَلَاءَمُ بِصُورَةٍ وَثِيقَةٍ مَعَ عَالَمِ الحَرَمْلِك وَالقَصْرِ، حَيْثُ الكَلَامُ مُرَاقَبٌ، وَالخَبَرُ قَدْ يَكُونُ خَطِرًا، وَالكَلِمَةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي العِقَابِ أَوِ الخَوْفِ. وَلِهَذَا تَتَكَرَّرُ أَفْعَالٌ وَتَعْبِيرَاتٌ مِنْ قَبِيلِ «هَمَسَتْ»، وَ«قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ»، وَ«تَمْتَمَتْ»، وَ«سَكَتَتْ»، وَ«أَجَابَ»، وَ«ابْتَسَمَ»، فَتَتَشَكَّلُ مِنْ خِلَالِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا جَمَالِيَّةٌ خَاصَّةٌ بِالصَّمْتِ وَالخَوْفِ وَالحَذَرِ. وَهَكَذَا لَا يَكُونُ الصَّمْتُ غِيَابًا لِلْكَلَامِ، وَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إِلَى عُنْصُرٍ دِلَالِيٍّ وَسَرْدِيٍّ فَاعِلٍ. وَإِذَا كَانَ الحِوَارُ يُحَوِّلُ الكَلَامَ إِلَى أَدَاةٍ لِلسُّلْطَةِ وَالخَوْفِ، فَإِنَّ الوَصْفَ بَدَوْرِهِ لَا يَأْتِي مُحَايِدًا، وَهَذِهِ مِنْ أَنْجَحِ خَصَائِصِ الرِّوَايَةِ. فَالبَحْرُ وَالقَمَرُ وَالنَّافِذَةُ وَالمِرْآةُ وَالشَّمْعَةُ وَالظَّلَامُ وَالرِّيحُ وَالجُدْرَانُ وَالمَمَرَّاتُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَنَاصِرَ دِيكُورِيَّةٍ أَوْ خَلْفِيَّاتٍ لِلْمَشَاهِدِ، وَإِنَّمَا تَتَحَوَّلُ إِلَى لُغَةٍ مُوَازِيَةٍ لِلْأَحْدَاثِ، تَكْشِفُ مَا يَجْرِي فِي الدَّاخِلِ بِقَدْرِ مَا تَصِفُ مَا يَحْدُثُ فِي الخَارِجِ. فَعِنْدَمَا تَضَعُ الرِّوَايَةُ قَمَرَ أَمَامَ النَّافِذَةِ فِي أَوَاخِرِ حَيَاتِهَا، يُصْبِحُ تَغَيُّرُ الضَّوْءِ وَالرِّيحِ وَالبَحْرِ انْعِكَاسًا لِحَالَتِهَا الدَّاخِلِيَّةِ، كَمَا فِي العِبَارَةِ: «انْطَفَأَ فِي عَيْنَيْهَا البَرِيقُ الَّذِي كَانَ يَأْسِرُ المُلُوكَ...»، ثُمَّ: «صَوْتُ البَحْرِ الَّذِي كَانَتْ تُحِبُّهُ صَارَ يُؤْلِمُهَا...»، ثُمَّ: «تَشْعُرُ أَنَّ القَصْرَ يَخْتَنِقُ بِصَمْتٍ يُشْبِهُ سُكُونَ المَقَابِرِ». وَهُنَا يَنْتَقِلُ السَّرْدُ مِنَ الوَصْفِ الخَارِجِيِّ إِلَى الوَصْفِ النَّفْسِيِّ الرَّمْزِيِّ؛ فَلَا يَعُودُ المَكَانُ مَكَانًا فَحَسْبُ، وَلَا الطَّبِيعَةُ مُجَرَّدَ خَلْفِيَّةٍ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا يُصْبِحُ كِلَاهُمَا مِرْآةً لِلشَّخْصِيَّةِ وَحَالَتِهَا الوِجْدَانِيَّةِ. وَهَذَا مِنْ أَجْمَلِ مُسْتَوَيَاتِ السَّرْدِ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ العَالَمَ الخَارِجِيَّ يَكْتَسِبُ قُدْرَةً عَلَى التَّعْبِيرِ عَنِ العَالَمِ الدَّاخِلِيِّ دُونَ حَاجَةٍ دَائِمَةٍ إِلَى التَّصْرِيحِ بِهِ. غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ القُوَّةَ نَفْسَهَا تَكْشِفُ عَنْ مُلَاحَظَةٍ فَنِّيَّةٍ مُهِمَّةٍ تَتَمَثَّلُ فِي مَيْلِ السَّرْدِ أَحْيَانًا إِلَى التَّفْسِيرِ بَعْدَ التَّصْوِيرِ. فَفِي بَعْضِ المَوَاضِعِ يُقَدِّمُ النَّصُّ صُورَةً نَاجِحَةً وَمُكَثَّفَةً، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى شَرْحِ مَعْنَاهَا لِلْقَارِئِ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ، مَثَلًا، قَوْلُهُ: «كَانَتِ الحَرْبُ فِي الخَارِجِ قَدْ دَمَّرَتْ تُونِسَ، وَحُرُوبُ قَمَرَ الدَّاخِلِيَّةُ تَزْدَادُ شَرَاسَةً...». فَالصُّورَتَانِ فِي ذَاتِهِمَا مُوَفَّقَتَانِ، لَكِنَّ السَّرْدَ يَمِيلُ أَحْيَانًا إِلَى إِخْبَارِ القَارِئِ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْهَمَهُ مِنَ المَشْهَدِ، بَدَلَ أَنْ يَتْرُكَ المَشْهَدَ نَفْسَهُ يُؤَدِّي وَظِيفَتَهُ وَيَكْشِفُ دَلَالَتَهُ. وَيَتَكَرَّرُ هَذَا المَيْلُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَمَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِمَعْنَى الحُرِّيَّةِ وَالقَصْرِ وَالمَنْفَى وَالِاسْتِعْمَارِ وَالمَوْتِ وَالقَمَرِ وَدَلَالَةِ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ. وَالحَقِيقَةُ أَنَّ الرِّوَايَةَ تَكُونُ أَقْوَى حِينَ تَثِقُ بِالصُّورَةِ وَالمَشْهَدِ وَالشَّخْصِيَّةِ، وَلَا تَتَعَجَّلُ شَرْحَ مَا أَدْرَكَهُ القَارِئُ بِالفِعْلِ؛ فَمَا يُدْرَكُ بِالإِيحَاءِ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِمَّا يُقَالُ صَرَاحَةً. وَلِذَلِكَ، لَا تَبْدُو هَذِهِ المَسْأَلَةُ خَلَلًا فِي البِنَاءِ العَامِّ لِلرِّوَايَةِ بِقَدْرِ مَا هِيَ مَسْأَلَةٌ أُسْلُوبِيَّةٌ يُمْكِنُ أَنْ تُسْهِمَ مُعَالَجَتُهَا فِي التَّنْقِيحِ النِّهَائِيِّ فِي رَفْعِ مُسْتَوَى النَّصِّ وَتَعْمِيقِ أَثَرِهِ. وَتَتَمَيَّزُ لُغَةُ الرِّوَايَةِ كَذَلِكَ بِشِعْرِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي المَقَاطِعِ المُرْتَبِطَةِ بِقَمَرْ، حَيْثُ يَكْثُرُ اسْتِخْدَامُ الِاسْتِعَارَةِ وَالصُّورَةِ. وَهَذِهِ الشِّعْرِيَّةُ تَمْنَحُ النَّصَّ هُوِيَّةً مُمَيَّزَةً، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤَدِّي أَحْيَانًا إِلَى تَرَاكُمِ الصُّوَرِ وَالِاسْتِعَارَاتِ فِي مَسَاحَةٍ قَصِيرَةٍ. فَقَدْ يَتَحَوَّلُ القَمَرُ، فِي سِيَاقَاتٍ مُتَقَارِبَةٍ، إِلَى نُورٍ، وَامْرَأَةٍ، وَذَاكِرَةٍ، وَنَافِذَةٍ، وَبَحْرٍ، وَقَدَرٍ، وَضَوْءٍ فِي العَتْمَةِ. وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ جَمِيلَةٌ فِي ذَاتِهَا، غَيْرَ أَنَّ كَثَافَتَهَا المُتَتَابِعَةَ قَدْ تَجْعَلُ الصُّورَةَ تَفْقِدُ شَيْئًا مِنْ قُوَّتِهَا وَطَاقَتِهَا الإِيحَائِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ سَتَسْتَفِيدُ، فِي تَقْدِيرِي، مِنِ اقْتِصَادٍ أَكْبَرَ فِي الِاسْتِعَارَةِ، لَا مِنْ حَذْفِ شِعْرِيَّتِهَا أَوْ تَخْفِيفِهَا، بَلْ مِنْ جَعْلِهَا أَكْثَرَ انْتِقَائِيَّةً. فَحِينَ تُسْتَخْدَمُ الصُّورَةُ فِي المَوْضِعِ الأَكْثَرِ قُدْرَةً عَلَى التَّأْثِيرِ، تَكْتَسِبُ قُوَّةً أَكْبَرَ، وَيُصْبِحُ حُضُورُهَا أَكْثَرَ ضَرُورَةً وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلنِّسْيَانِ. وَيَتَّصِلُ بِذَلِكَ اعْتِمَادُ السَّرْدِ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، عَلَى رَاوٍ عَلِيمٍ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُهُ الشَّخْصِيَّاتُ، وَإِنْ كَانَ يَقْتَرِبُ أَحْيَانًا مِنْ وَعْيِ الشَّخْصِيَّاتِ ثُمَّ يَبْتَعِدُ عَنْهُ لِيُقَدِّمَ تَفْسِيرًا تَارِيخِيًّا أَوْ نَفْسِيًّا. وَهَذَا الِاخْتِيَارُ مُلَائِمٌ جِدًّا لِرِوَايَةٍ تَمْتَدُّ زَمَنِيًّا عَلَى نَحْوٍ وَاسِعٍ، وَتَتَنَقَّلُ بَيْنَ مَرَاحِلَ وَأَجْيَالٍ وَتَحَوُّلَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ تَسْتَخْدِمُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تِقْنِيَةَ الحِكَايَةِ دَاخِلَ الحِكَايَةِ؛ فَشَخْصِيَّةٌ تَحْكِي لِشَخْصِيَّةٍ أُخْرَى، ثُمَّ تَرْوِي شَخْصِيَّةٌ مَا قَالَهُ شَخْصٌ آخَرُ، ثُمَّ يَظْهَرُ سِرٌّ قَدِيمٌ أَوْ وَثِيقَةٌ أَوْ رِسَالَةٌ، لِيَعُودَ المَاضِي وَيَتَدَاخَلَ مَعَ الحَاضِرِ. وَبِهَذَا يُصْبِحُ السَّرْدُ مُتَعَدِّدَ الطَّبَقَاتِ، وَيَكْتَسِبُ قُدْرَةً عَلَى كَشْفِ الحَدَثِ وَإِعَادَةِ تَشْكِيلِهِ مِنْ زَوَايَا مُخْتَلِفَةٍ. وَلَعَلَّ هَذِهِ مِنْ أَقْوَى تِقْنِيَاتِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْسَجِمُ بِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ مَعَ ثِيمَتِهَا المَرْكَزِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِمَنْ يَرْوِي التَّارِيخَ. فَالحِكَايَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وَسِيلَةٍ لِنَقْلِ الأَحْدَاثِ، وَإِنَّمَا تُصْبِحُ جُزْءًا مِنَ السُّؤَالِ الَّذِي تَبْنِيهِ الرِّوَايَةُ حَوْلَ السُّلْطَةِ وَالذَّاكِرَةِ وَطَرِيقَةِ صِيَاغَةِ المَاضِي وَإِعَادَةِ رِوَايَتِهِ. وَيَفْرِضُ الِامْتِدَادُ الزَّمَنِيُّ الوَاسِعُ لِلرِّوَايَةِ، فِي المُقَابِلِ، اسْتِخْدَامَ أَدَوَاتٍ سَرْدِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَهِيَ تُغَطِّي فَتْرَةً تَارِيخِيَّةً طَوِيلَةً جِدًّا، وَتَنْتَقِلُ بَيْنَ أَجْيَالٍ مُتَعَاقِبَةٍ وَتَحَوُّلَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ كُبْرَى، وَلِذَلِكَ تَسْتَعِينُ بِالقَفْزِ الزَّمَنِيِّ وَالِاخْتِصَارِ وَالِاسْتِرْجَاعِ وَالتَّلْخِيصِ، إِلَى جَانِبِ المَشْهَدِ التَّفْصِيلِيِّ فِي اللَّحَظَاتِ المَفْصِلِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، يُلَاحَظُ تَفَاوُتٌ بَيْنَ المَقَاطِعِ؛ فَبَعْضُ الأَحْدَاثِ تَحْظَى بِمُعَالَجَةٍ رِوَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ وَمَشْهَدِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَمُرُّ أَحْدَاثٌ أُخْرَى بِسُرْعَةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ التَّلْخِيصِ التَّارِيخِيِّ. وَهَذَا أَمْرٌ مَفْهُومٌ بِالنَّظَرِ إِلَى اتِّسَاعِ المَادَّةِ الرِّوَائِيَّةِ وَطُولِ المَدَى الزَّمَنِيِّ الَّذِي تَتَحَرَّكُ فِيهِ الرِّوَايَةُ، غَيْرَ أَنَّهُ يُحْدِثُ أَحْيَانًا تَفَاوُتًا فِي الإِيقَاعِ. وَلِذَلِكَ، لَا يَبْدُو المَطْلُوبُ فِي التَّنْقِيحِ النِّهَائِيِّ هُوَ إِطَالَةَ المَقَاطِعِ السَّرِيعَةِ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنَّمَا إِعَادَةُ النَّظَرِ فِي مَوَاضِعِ القَفْزِ وَالتَّلْخِيصِ وَمُقَارَنَتِهَا بِاللَّحَظَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مُهْلَةٍ سَرْدِيَّةٍ أَكْبَرَ. فَبَعْضُ الأَحْدَاثِ لَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّتُهَا فِي المَعْلُومَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَحْمِلُهَا فَقَطْ، وَإِنَّمَا فِي أَثَرِهَا فِي الشَّخْصِيَّاتِ وَفِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ مَسَارِ الحِكَايَةِ، وَهَذِهِ هِيَ المَوَاضِعُ الَّتِي قَدْ تَسْتَحِقُّ مَشْهَدِيَّةً أَوْسَعَ وَزَمَنًا سَرْدِيًّا أَطْوَلَ. وَمِنْ أَكْثَرِ الجَوَانِبِ إِثَارَةً لِلِاهْتِمَامِ فِي الأُسْلُوبِ قُدْرَةُ الرِّوَايَةِ عَلَى تَحْوِيلِ المَكَانِ إِلَى شَخْصِيَّةٍ. وَيُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى القَصْرِ بِاعْتِبَارِهِ الشَّخْصِيَّةَ الخَفِيَّةَ الكُبْرَى فِي الرِّوَايَةِ؛ فَهُوَ يَنْتَقِلُ دلَالِيًّا مِنْ قَصْرٍ إِلَى حَرَمْلِك، ثُمَّ إِلَى مَتَاهَةٍ، فَسِجْنٍ، فَمَسْرَحٍ سِيَاسِيٍّ، فَذَاكِرَةٍ، وَأَخِيرًا مَقْبَرَةٍ. أَمَّا الجُدْرَانُ وَالأَبْوَابُ وَالنَّوَافِذُ وَالمَمَرَّاتُ وَالمَفَاتِيحُ، فَلَا تُؤَدِّي وَظِيفَةً مَكَانِيَّةً فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا تَنْهَضُ بِوَظِيفَةٍ سَرْدِيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ. حَتَّى العِبَارَةُ الَّتِي تُفِيدُ بِأَنَّ «وَحْدَهُ سَلِيمُ آغَا كَانَ يَحْمِلُ المِفْتَاحَ» تَمْنَحُ المِفْتَاحَ وَظِيفَةً تَتَجَاوَزُ دَلَالَتَهُ المَادِّيَّةَ؛ لِأَنَّ امْتِلَاكَ المِفْتَاحِ يُصْبِحُ مُعَادِلًا لِامْتِلَاكِ مَدْخَلٍ إِلَى السِّرِّ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الرَّمْزِيَّةِ المُتَكَرِّرَةِ يُسْهِمُ فِي مَنْحِ الرِّوَايَةِ وَحْدَةً دَاخِلِيَّةً، إِذْ يَتَحَوَّلُ المَكَانُ مِنْ خَلْفِيَّةٍ لِلْأَحْدَاثِ إِلَى عُنْصُرٍ مُشَارِكٍ فِي إِنْتَاجِ مَعَانِيهَا. وَفِي قَلْبِ هَذَا التَّحَوُّلِ الأُسْلُوبِيِّ تَبْرُزُ شَخْصِيَّةُ قَمَرْ بِوَصْفِهَا مَرْكَزًا مُهِمًّا لِتَطَوُّرِ الصَّوْتِ السَّرْدِيِّ. فَهُنَاكَ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ وَمَرَاحِلِهَا اللَّاحِقَةِ؛ فَفِي البِدَايَةِ يَغْلِبُ عَلَى السَّرْدِ عَالَمُ الحِكَايَةِ وَالمَكَانِ وَالغُمُوضِ وَالجَوَارِي وَالحَرَمْلِك وَالأَسْرَارِ، ثُمَّ مَا إِنْ تَبْرُزَ قَمَرْ حَتَّى يَغْدُو السَّرْدُ أَكْثَرَ نَفْسِيَّةً وَتَأَمُّلًا وَسِيَاسِيَّةً وَفَلْسَفِيَّةً، وَفِي مَرَاحِلِهَا الأَخِيرَةِ يُصْبِحُ أَكْثَرَ حُزْنًا وَتَأَمُّلًا فِي المَوْتِ وَالذَّاكِرَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الأُسْلُوبَ نَفْسَهُ يَتَطَوَّرُ مَعَ تَطَوُّرِ قَمَرَ. فَهِيَ تَبْدَأُ بِوَصْفِهَا مَوْضُوعًا لِلنَّظَرِ، ثُمَّ تُصْبِحُ مَوْضُوعًا لِلسُّلْطَةِ، ثُمَّ فَاعِلًا فِي السُّلْطَةِ، ثُمَّ شَاهِدَةً عَلَى التَّارِيخِ، وَأَخِيرًا حَارِسَةً لِلذَّاكِرَةِ. وَهَذَا تَطَوُّرٌ سَرْدِيٌّ مُوَفَّقٌ؛ لِأَنَّ تَحَوُّلَ الشَّخْصِيَّةِ يَنْعَكِسُ عَلَى طَبِيعَةِ الصَّوْتِ السَّرْدِيِّ وَعَلَى رُؤْيَتِهِ لِلْعَالَمِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ السَّرْدِيَّةِ، يَبْدُو الِانْتِقَالُ فِي الفَصْلِ الأَخِيرِ إِلَى تُونِسَ سَنَةَ 2011، وَإِلَى نَدْوَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، اخْتِيَارًا ذَكِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُعِيدُ الرِّوَايَةَ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي كَانَتْ تَطْرَحُهُ مُنْذُ صَفَحَاتِهَا الأُولَى: مَنْ يَكْتُبُ التَّارِيخَ؟ فَبَعْدَ أَنْ عَاشَ القَارِئُ التَّارِيخَ مِنْ دَاخِلِ القَصْرِ، تَنْتَقِلُ الرِّوَايَةُ فِي نِهَايَتِهَا إِلَى زَمَنٍ يَقْرَأُ ذَلِكَ التَّارِيخَ وَيُنَاقِشُهُ وَيُجَادِلُ فِيهِ. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ الرَّاوِي مِنْ مُجَرَّدِ رَاوٍ لِلْأَحْدَاثِ إِلَى رَاوٍ يَتَسَاءَلُ عَنْ فِعْلِ الرِّوَايَةِ نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا يَمْنَحُ العَمَلَ بُعْدًا مِيتَاسَرْدِيًّا وَاضِحًا؛ إِذْ لَا تَعُودُ الرِّوَايَةُ مُجَرَّدَ اسْتِعَادَةٍ لِلتَّارِيخِ، بَلْ تُصْبِحُ أَيْضًا مُسَاءَلَةً لِطَرِيقَةِ كِتَابَتِهِ وَاسْتِعَادَتِهِ وَتَذَكُّرِهِ. وَمِنْ هُنَا تَبْرُزُ مَسْأَلَةُ تَصْنِيفِ العَمَلِ نَفْسِهِ: هَلْ كَتَبَتْ خَدِيجَةُ التُّومِي رِوَايَةً تَارِيخِيَّةً بِالمَعْنَى الدَّقِيقِ، أَيْ رِوَايَةً تُعِيدُ قِرَاءَةَ المَاضِي وَتَسْتَحْضِرُ شَخْصِيَّاتِهِ وَأَحْدَاثَهُ فِي إِطَارٍ فَنِّيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالخَيَالِ الرِّوَائِيِّ؟ وَهَلْ يَكْفِي ارْتِبَاطُ الرِّوَايَةِ بِمَرْحَلَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِكَيْ تُصْبِحَ رِوَايَةً تَارِيخِيَّةً؟ إِنَّ الإِجَابَةَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ تَقْتَضِي التَّمْيِيزَ بَيْنَ اسْتِدْعَاءِ التَّارِيخِ وَالذَّوَبَانِ فِيهِ، وَبَيْنَ تَحَوَّلُ الرِّوَائِي إِلَى زَمَنِ الرِّوَايَةِ والكِتَابَةِ مِنْ دَاخِلِهِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الرِّوَائِيِّينَ الَّذِينَ يَنْسِجُونَ عَالَمَهُمْ مِنْ نَسِيجِ أَفْكَارِ ذَلِكَ العَصْرِ وَمُنَاخِ عَيْشِهِ، حَتَّى يَشْعُرَ القَارِئُ، وَهُوَ يُطَالِعُ الرِّوَايَةَ، بِأَنَّهُ يَعِيشُ فِي العَالَمِ القَدِيمِ لِذَلِكَ العَصْرِ، وَلَا يَسْتَيْقِظُ مِنْهُ وَلَا يَعُودُ إِلَى وَاقِعِهِ إِلَّا عِنْدَ بُلُوغِ السَّطْرِ الأَخِيرِ. أَمَّا خَدِيجَةُ التُّومِي، فِي هَذَا العَمَلِ، فَلَا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا انْتَقَلَتْ بِالكَامِلِ إِلَى زَمَنِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا تَسْتَدْعِي ذَلِكَ الزَّمَنَ وَتَجْلِبُهُ إِلَى حَاضِرِهَا، ثُمَّ تُقْحِمُ فِيهِ، بِصُورَةٍ مُتَعَمَّدَةٍ، صِرَاعَاتِ وَاقِعِهَا وَأَفْكَارَهُ. وَتَظْهَرُ هَذِهِ السِّمَةُ فِي أَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْ بَيْنِهَا زَوَاجُ المَرْأَةِ الشَّابَّةِ مِنْ شَيْخٍ مُسِنٍّ مِنْ غَيْرِ حُبٍّ، وَكَذَلِكَ طَرْحُ قَضِيَّةِ النَّهْضَةِ مِنْ خِلَالِ تَحْرِيرِ المَرْأَةِ وَالعِلْمِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ يَفْتَحُ بَدَوْرِهِ بَابًا لِلنِّقَاشِ النَّقْدِيِّ حَوْلَ تَفْسِيرِ الرِّوَايَةِ لِأَسْبَابِ التَّخَلُّفِ. وَيُمْكِنُ هُنَا تَسْجِيلُ اخْتِلَافٍ مَعَ التَّفْسِيرِ الَّذِي تُقَدِّمُهُ الرِّوَايَةُ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ تَجْعَلُ تَحْرِيرَ المَرْأَةِ وَنَشْرَ العِلْمِ مِنْ أَبْرَزِ المَفَاتِيحِ لِتَشْرِيحِ عَاهَاتِ المُجْتَمَعِ. فَقَمَرْ، فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ، تَبْدُو مُقْتَنِعَةً بِهَذَا التَّفْسِيرِ حِينَ تَتَسَاءَلُ: «هَلْ يُعْقَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ تَحْرِيرُ المَرْأَةِ وَنَشْرُ العِلْمِ إِلَّا مِنَ الخَارِجِ؟». وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الرَّأْيُ مَقْبُولًا ضِمْنَ أُفُقِ زَمَنِ الشَّخْصِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا قَدِ امْتَلَكُوا بَعْدُ التَّجْرِبَةَ التَّارِيخِيَّةَ الكَافِيَةَ لِدِرَاسَةِ انْعِكَاسَاتِ تِلْكَ الأَفْكَارِ عَلَى الوَاقِعِ. لَكِنْ بَعْدَ مُرُورِ زَمَنٍ طَوِيلٍ نِسْبِيًّا، وَبَعْدَ تَجْرِبَةِ تَطْبِيقِ هَذِهِ الأَفْكَارِ عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ، يُمْكِنُ إِعَادَةُ طَرْحِ السُّؤَالِ مِنْ مَنْظُورِ الحَاضِرِ: هَلْ حَقَّقْنَا بِالفِعْلِ التَّقَدُّمَ، وَأَصْبَحْنَا مِنَ الدُّوَلِ الَّتِي تَنْعَمُ بِالِازْدِهَارِ؟ وَمِنَ النَّاحِيَةِ التَّطْبِيقِيَّةِ، وَبَعْدَ مُرُورِ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ يُمْكِنُ اتِّخَاذُهَا عَيِّنَةً لِلتَّحْلِيلِ، يُمْكِنُ، وَفْقَ هَذَا المَنْظُورِ النَّقْدِيِّ، القَوْلُ إِنَّ مَسْأَلَةَ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهَا فِي تَحْرِيرِ المَرْأَةِ، وَإِنَّ الوَاقِعَ الرَّاهِنَ لَا يُتِيحُ التَّسْلِيمَ البَسِيطَ بِأَنَّ هَذَا العَامِلَ وَحْدَهُ، أَوْ أَسَاسًا، هُوَ سَبَبُ التَّخَلُّفِ. وَيَنْطَبِقُ الأَمْرُ نَفْسُهُ عَلَى العِلْمِ؛ إِذْ إِنَّ المَعْرِفَةَ النَّظَرِيَّةَ، حِينَ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ حُدُودِهَا وَلَا تَتَحَوَّلُ إِلَى تَطْبِيقٍ وَنَقْلٍ لِلتِّكْنُولُوجْيَا، لَا تُؤَدِّي بِالضَّرُورَةِ إِلَى تَحْقِيقِ التَّقَدُّمِ. كَمَا أَنَّ نَقْلَ التِّكْنُولُوجْيَا يَخْضَعُ بَدَوْرِهِ لِقُيُودٍ وَرِقَابَةٍ لَا تَأْتِي مِنَ الخَارِجِ فَقَطْ، وَمِنْهَا القُيُودُ المَفْرُوضَةُ عَلَى بَعْضِ التَّطْبِيقَاتِ النَّوَوِيَّةِ، بَلْ تُوجَدُ أَيْضًا قُيُودٌ دَاخِلِيَّةٌ وَمُرَاقَبَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِمَا يُسَمَّى انْتِهَاكَ حُقُوقِ المِلْكِيَّةِ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ بِصِنَاعَةِ السَّيَّارَاتِ مَثَلًا. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَذْهَبُ هَذَا الرَّأْيُ النَّقْدِيُّ إِلَى أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ تَقَدُّمِ الغَرْبِ المَالَ وَالتِّجَارَةَ المُسْتَمَدَّيْنِ مِنَ العَالَمِ الجَدِيدِ ابْتِدَاءً مِنْ سَنَةِ 1492، حِينَ دَخَلَتِ السُّفُنُ غِمَارَ المَجْهُولِ وَانْطَلَقَتْ لِاكْتِشَافِ عَالَمٍ جَدِيدٍ، مَعَ الإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ تِلْكَ المَرَاكِبَ لَمْ تَكُنْ، حَتَّى وَقْتٍ قَرِيبٍ، تَحْمِلُ عَلَى مَتْنِهَا امْرَأَةً وَاحِدَةً. وَأَنَّ تَحْرِيرَ المَرْأَةِ فِي الغَرْبِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ مِنَ السِّيَادَةِ الغَرْبِيَّةِ عَلَى الدُّوَلِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَلْ تَحَقَّقَ فِي زَمَنٍ آخَرَ، بَعْدَ الحَرْبِ الكَوْنِيَّةِ، عِنْدَمَا خَرَجَتِ النِّسَاءُ لِلْعَمَلِ فِي مَصَانِعِ الأَسْلِحَةِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرِّجَالُ عَلَى جَبَهَاتِ القِتَالِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ تَفْسِيرَ التَّحَوُّلَاتِ التَّارِيخِيَّةِ يَحْتَاجُ إِلَى النَّظَرِ فِي عَوَامِلَ اقْتِصَادِيَّةٍ وَتِجَارِيَّةٍ وَتِقْنِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ مُتَشَابِكَةٍ، لَا إِلَى اخْتِزَالِهَا فِي عَامِلٍ اجْتِمَاعِيٍّ أَوْ ثَقَافِيٍّ وَاحِدٍ. وَيَظَلُّ مِنَ الضَّرُورِيِّ، عِنْدَ قِرَاءَةِ الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ، الِانْتِبَاهُ إِلَى مُشْكِلَةِ إِسْقَاطِ الأَحْكَامِ المِعْيَارِيَّةِ الحَدِيثَةِ عَلَى المُجْتَمَعَاتِ القَدِيمَةِ. فَالعَادَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالرَّغَبَاتُ وَالأَحَاسِيسُ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ لَا يُمْكِنُ بِالضَّرُورَةِ قِيَاسُهَا بِمَقَايِيسِنَا الحَالِيَّةِ. وَمَا يَبْدُو لَنَا اليَوْمَ غَرِيبًا أَوْ مُخْتَلًّا قَدْ يَكُونُ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ، جُزْءًا طَبِيعِيًّا مِنْ نِظَامِهِمُ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالثَّقَافِيِّ. وَيُمْكِنُ تَقْرِيبُ هَذِهِ الفِكْرَةِ بِالتَّشْبِيهِ المَعْرُوفِ بِالمُبْصِرِ فِي بَلَدِ العُمْيَانِ؛ فَشُعُورُ المُبْصِرِ فِي بَلَدِ العُمْيَانِ لَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسُهُ شُعُورَ المُبْصِرِ بَيْنَ المُبْصِرِينَ. وَيُمْكِنُ كَذَلِكَ اسْتِحْضَارُ جَوَابِ قَوْمِ لُوطٍ الشَّهِيرِ: «أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ، إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ»، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الجَمَاعَةَ قَدْ تَجْعَلُ مَا تَرَاهُ مِعْيَارًا لِلسُّلُوكِ مِعْيَارًا مُطْلَقًا، وَتَعُدُّ الخَارِجَ عَنْهُ غَرِيبًا أَوْ شَاذًّا. وَمِنْ هُنَا تَنْشَأُ مُشْكِلَةُ الإِسْقَاطِ التَّارِيخِيِّ، أَيْ تَنْزِيلِ الأَحْكَامِ المِعْيَارِيَّةِ الحَدِيثَةِ عَلَى سُلُوكِيَّاتِ العُهُودِ القَدِيمَةِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ اعْتِبَارُ الزَّوَاجِ بِلَا حُبٍّ ظُلْمًا لِلْمَرْأَةِ بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ. فَالرَّاوِي يَقُولُ عَنْ إِحْدَى الشَّخْصِيَّاتِ: «كَانَتْ تَسْتَعِيدُ صُورَةَ البَايْ العَجُوزِ، وَتُقَارِنُهَا بِعُمْرِهَا الغَضِّ، فَتَتَرَدَّدُ فِي أَعْمَاقِهَا عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ: أَيُّ ظُلْمٍ هَذَا؟». غَيْرَ أَنَّ التَّسَاؤُلَ النَّقْدِيَّ هُنَا هُوَ: هَلْ كَانَتْ نِسَاءُ ذَلِكَ العَصْرِ يَشْعُرْنَ بِالضَّرُورَةِ بِهَذَا الإِحْسَاسِ نَفْسِهِ؟ إِذْ إِنَّ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ هَذَا الشُّعُورِ مُرْتَبِطٌ بِسُلُوكِيَّاتِ عَصْرِنَا الحَالِيِّ وَتَصَوُّرَاتِهِ عَنِ الزَّوَاجِ وَالعَاطِفَةِ وَالِاخْتِيَارِ الفَرْدِيِّ. أَمَّا فِي الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ، وَحَتَّى الأَمْسِ القَرِيبِ، فَلَمْ يَكُنِ الزَّوَاجُ القَائِمُ عَلَى الحُبِّ هُوَ النَّمَطَ السَّائِدَ بِالضَّرُورَةِ. وَيُسْتَشْهَدُ فِي هَذَا السِّيَاقِ بِمَا يَذْكُرُهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ عَنْ زَوَاجِ مُوسَى، حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، وَكَذَلِكَ بِمَا يُرْوَى فِي شَأْنِ زَوَاجِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ مِنْ هَاجَرَ، بِمَا يَعْكِسُ اخْتِلَافَ أَنْماطِ الزَّوَاجِ وَوَظَائِفِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَبْرَ الأَزْمِنَةِ. وَبِالطَّبْعِ، يَمْتَلِكُ الكَاتِبُ حُرِّيَّةً وَاسِعَةً فِي إِعَادَةِ كِتَابَةِ التَّارِيخِ رِوَائِيًّا، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ لَا تَمْنَعُ احْتِمَالَ الخَطَإِ؛ فَالرِّوَائِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُخْطِئَ كَمَا يُمْكِنُ لِلْمُؤَرِّخِ أَنْ يُخْطِئَ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ يَكْتُبُ التَّارِيخَ مِنْ مَنْظُورِ طَرَفٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ مَنْظُورِ المُنْتَصِرِينَ. وَمِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ يُمْكِنُ تَسْجِيلُ تَحَفُّظٍ عَلَى اعْتِبَارِ زَوَاجِ فَتَاةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ شَيْخٍ هَرِمٍ ظُلْمًا فِي ذَاتِهِ، لِأَنَّ المُجْتَمَعَاتِ القَدِيمَةَ عَرَفَتْ أَعْرَافًا وَأَنْظِمَةً لِلزَّوَاجِ تَخْتَلِفُ عَنِ النُّظُمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ السَّائِدَةِ اليَوْمَ. وَقَدْ تَدْخُلُ حَالَاتُ الزَّوَاجِ المُبَكِّرِ أَوِ اخْتِلَافُ الأَعْمَارِ فِي إِطَارِ الأَعْرَافِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً آنَذَاكَ، وَلَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا عَنِ النِّظَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي أَنْتَجَهَا. بَلْ إِنَّ بَعْضَ الشَّهَادَاتِ التَّارِيخِيَّةِ تَكْشِفُ عَنْ تَصَوُّرَاتٍ تَبْدُو لَنَا اليَوْمَ شَدِيدَةَ الِاخْتِلَافِ عَمَّا اعْتَدْنَاهُ. فَقَدْ كَانَتِ المَرْأَةُ، فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ، قَدْ تَرْغَبُ فِي الوُقُوعِ فِي الأَسْرِ وَتَتَمَنَّى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الزَّوَاجِ. وَهَذِهِ الفِكْرَةُ، عَلَى غَرَابَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الحِسِّ المُعَاصِرِ، وَرَدَتْ فِي شَهَادَةِ بُولْ أَرَانْ فِي الفَصْلِ الأَوَّلِ مِنْ كِتَابِهِ «عِشْرُونَ يَوْمًا فِي تُونِسَ»، وَهُوَ تَوْثِيقٌ لِرِحْلَةٍ قَامَ بِهَا سَنَةَ 1882، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْحِمَايَةِ. وَقَدْ قُمْتُ بِتَعْرِيبِ فَصْلٍ مِنْهُ وَنَشَرْتُهُ فِي مَوَاقِعَ عِرَاقِيَّةٍ وَفِي «كِتَابِ المُنْتَدَى» تَحْتَ عُنْوَانِ «بِئْرِ السَّارَاسِينِ»، وَهُوَ اسْمُ بِئْرٍ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ فِي جَنُوبِ فَرَنْسَا. وَتُورِدُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَصْفًا لِمَشْهَدٍ كَانَتْ فِيهِ النِّسَاءُ وَالفَتَيَاتُ يَنْزِلْنَ كُلَّ مَسَاءٍ إِلَى البِئْرِ لِمَلْءِ جِرَارِهِنَّ وَتَبَادُلِ الأَخْبَارِ، ثُمَّ كَانَ الأَتْرَاكُ يُرْسِلُونَ، كُلَّ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، قَارِبًا مُحَمَّلًا بِالقَرَاصِنَةِ يَخْتَبِئُونَ خَلْفَ الجَزِيرَةِ، قَبْلَ أَنْ يَنْقَضُّوا عَلَى البِئْرِ وَيَخْطَفُوا النِّسَاءَ وَالفَتَيَاتِ وَيَنْقُلُوهُنَّ عَبْرَ الخَلِيجِ إِلَى العَوَاصِمِ البَرْبَرِيَّةِ. وَوَفْقَ الرِّوَايَةِ الَّتِي يَنْقُلُهَا بُولْ أَرَانْ، بَدَأَ أَهْلُ القَرْيَةِ بِالغَضَبِ، ثُمَّ قَبِلُوا بِالأَمْرِ الوَاقِعِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ المَخْطُوفَاتِ كُنَّ يَعِشْنَ هُنَاكَ فِي بَحْبُوحَةٍ، وَيَتَلَقَّيْنَ مُعَامَلَةً حَسَنَةً، وَيَلْبَسْنَ المَلَابِسَ الفَاخِرَةَ، وَيَتَعَطَّرْنَ بِمَاءِ الوَرْدِ، وَأَحْيَانًا يُصْبِحْنَ سُلْطَانَاتٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مَصْدَرَ فَخْرٍ لِلْعَائِلَاتِ؛ إِذْ كُنَّ يُرْسِلْنَ إِلَى أَقَارِبِهِنَّ رَسَائِلَ مُرْفَقَةً بِقِطَعٍ مِنَ النُّقُودِ التُّرْكِيَّةِ، مِمَّا كَانَ يُتِيحُ لِلْأُسَرِ شِرَاءَ بَسَاتِينَ الزَّيْتُونِ وَالكُرُومِ، حَتَّى إِنَّ خَطْفَ فَتَاةٍ جَمِيلَةٍ كَانَ يَعْنِي تَقْرِيبًا الِاثْرَاءَ. وَتُضِيفُ الشَّهَادَةُ أَنَّ لِلْأَمْرِ مَزَايَا أُخْرَى، إِذْ كَانَتْ بَعْضُ الفَتَيَاتِ أَنْفُسُهُنَّ يَذْهَبْنَ طَوْعًا، وَتَغْمُرُ الفَرْحَةُ الأَتْرَاكَ؛ لِأَنَّ مَنْ ضَاقَتْ بِهَا الحَالُ، أَوْ لَمْ تَجِدْ صَدَاقًا، أَوْ هَجَرَهَا حَبِيبُهَا، أَوْ مَلَّتْ زَوْجَهَا، كَانَتْ تَجِدُ فِي البِئْرِ خَلَاصًا. وَبِحَسَبِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ نِسَاءٌ مُطَلَّقَاتٌ أَوْ عَوَانِسُ، وَلَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ حَاجَةٌ إِلَى القُضَاةِ أَوِ المُحَامِينَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ عَاشُوا فِي رِضًا وَانْسِجَامٍ، مِنْ غَيْرِ تَعْقِيدَاتٍ، وَكَانَ الأَتْرَاكُ، بِحَسَبِ لُغَةِ الشَّهَادَةِ، «يَكْفُونَ وَيَشْفُونَ». ثُمَّ أَصْبَحَ البِئْرُ مَشْهُورًا، وَتَدَفَّقَتْ إِلَيْهِ الفَتَيَاتُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، لَا مِنْ مَرْسِيلْيَا وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى إِنَّ امْرَأَةً أَوْ فَتَاةً كَانَتْ تَظْهَرُ دَائِمًا وَهِيَ تَحْمِلُ جَرَّتَهَا وَتَنْتَظِرُ الأَتْرَاكَ، إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ الأَتْرَاكَ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يَعُودُوا يَجِدُونَ قَوَارِبَ تَكْفِي. وَلَا يَعْنِي الِاسْتِشْهَادُ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ تَبَنِّيَ تَصَوُّرِهَا أَوْ أَحْكَامِهَا الأَخْلَاقِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَلْفِتُ إِلَى أَنَّ التَّارِيخَ الِاجْتِمَاعِيَّ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا مِنْ إِسْقَاطِ تَصَوُّرَاتِ الحَاضِرِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِعَادَةَ بِنَاءِ المَاضِي رِوَائِيًّا تَحْتَاجُ إِلَى مُرَاعَاةِ اخْتِلَافِ القِيَمِ وَالأَنْظِمَةِ وَالرَّغَبَاتِ بَيْنَ الأَزْمِنَةِ. وَمِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ، يُمْكِنُ أَنْ يَبْدُوَ بَعْضُ مَا تُقَدِّمُهُ الرِّوَايَةُ غَيْرَ وَافٍ تَمَامًا بِوَاقِعِ التَّارِيخِ، لَكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ بِوَصْفِهِ شَكْلًا مِنْ أَشْكَالِ التَّجْرِيبِ الرِّوَائِيِّ، وَلَا سِيَّمَا حِينَ تُوَظِّفُ الكَاتِبَةُ الإِشَارَاتِ الرُّكْحِيَّةَ وَالمَسْرَحِيَّةَ دَاخِلَ بِنْيَةِ الرِّوَايَةِ، مِثْلَ العِبَارَةِ: «القَصْرُ الحُسَيْنِيُّ - قَاعَةُ حَرِيمٍ – لَيْلَةٌ مُقْمِرَةٌ:». وَهَذَا الأُسْلُوبُ فِي الكِتَابَةِ جُزْءٌ مِنَ السِّمَاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ طَرِيقَةَ خَدِيجَةَ التُّومِي فِي بِنَاءِ الرِّوَايَةِ التَّارِيخِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَجْعَلُ الحَدَثَ التَّارِيخِيَّ قَرِيبًا مِنَ العَرْضِ وَالمَشْهَدِ، وَتَدْفَعُ القَارِئَ إِلَى رُؤْيَةِ المَاضِي بِوَصْفِهِ فَضَاءً حَيًّا لَا مُجَرَّدَ مَادَّةٍ أَرْشِيفِيَّةٍ.
وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الرِّوَايَةَ مَكْتُوبَةٌ بِأُسْلُوبٍ سَرْدِيٍّ تَارِيخِيٍّ مَشْهَدِيٍّ، ذِي نَزْعَةٍ شِعْرِيَّةٍ وَرَمْزِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، يَعْتَمِدُ عَلَى الحِوَارِ وَالهَمْسِ وَالحِكَايَةِ دَاخِلَ الحِكَايَةِ، وَيُزَاوِجُ بَيْنَ الرَّاوِي العَلِيمِ وَالتَّصْوِيرِ النَّفْسِيِّ، وَيَجْعَلُ المَكَانَ، وَلَا سِيَّمَا القَصْرَ، عُنْصُرًا فَاعِلًا فِي إِنْتَاجِ المَعْنَى. وَتَتَمَثَّلُ أَبْرَزُ نِقَاطِ قُوَّتِهَا فِي قُدْرَتِهَا عَلَى بِنَاءِ جَوٍّ تَارِيخِيٍّ مُقْنِعٍ، وَفِي قُوَّةِ المَشْهَدِيَّةِ وَالحِوَارِ، وَفِي الرَّمْزِيَّةِ المَكَانِيَّةِ، وَالشِّعْرِيَّةِ، وَتِقْنِيَةِ الحِكَايَةِ دَاخِلَ الحِكَايَةِ، وَفِي تَوْظِيفِ الصَّمْتِ وَالهَمْسِ، وَفِي العَلَاقَةِ الدِّلَالِيَّةِ بَيْنَ الضَّوْءِ وَالعَتْمَةِ، وَفِي تَطَوُّرِ صَوْتِ السَّرْدِ مَعَ تَطَوُّرِ قَمَرْ، فَضْلًا عَنِ الِانْتِقَالِ فِي النِّهَايَةِ مِنْ مُجَرَّدِ رِوَايَةِ التَّارِيخِ إِلَى مُسَاءَلَةِ التَّارِيخِ نَفْسِهِ. أَمَّا الجَوَانِبُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَنْقِيحٍ فَنِّيٍّ، فَتَتَمَثَّلُ، أَسَاسًا، فِي تَقْلِيلِ الشَّرْحِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ المَشْهَدِ، وَتَحْقِيقِ قَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ الِاقْتِصَادِ فِي الِاسْتِعَارَاتِ المُتَقَارِبَةِ، وَضَبْطِ الإِيقَاعِ بَيْنَ المَشَاهِدِ وَالتَّلْخِيصَاتِ، وَتَجَنُّبِ بَعْضِ الجُمَلِ الَّتِي تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَعْلِيقُ المُؤَلِّفِ عَلَى الحَدَثِ بَدَلَ أَنْ تَكُونَ جُزْءًا عُضْوِيًّا مِنَ السَّرْدِ. كَمَا يُمْكِنُ مَنْحُ بَعْضِ الشَّخْصِيَّاتِ الثَّانَوِيَّةِ مَسَاحَةً أَكْبَرَ لِلتَّفَرُّدِ الصَّوْتِيِّ، حَتَّى لَا تَتَشَابَهَ أَصْوَاتُهَا الحِوَارِيَّةُ أَحْيَانًا. وَهَذِهِ المُلَاحَظَاتُ لَا تَنْتَقِصُ مِنَ المَشْرُوعِ الرِّوَائِيِّ، وَإِنَّمَا تَنْطَلِقُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي دَفْعِهِ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ التَّمَاسُكِ وَالنُّضْجِ، بِحَيْثُ تُصْبِحُ عَنَاصِرُ قُوَّتِهِ أَكْثَرَ حُضُورًا، وَتَتَحَوَّلُ بَعْضُ مَوَاضِعِ الإِفْرَاطِ إِلَى عَنَاصِرَ مَحْسُوبَةٍ بِدِقَّةٍ. وَفِي المُحَصِّلَةِ، يَبْدُو المَشْرُوعُ الرِّوَائِيُّ أَعْمَقَ مِنْ أَنْ يُعَامَلَ بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ رِوَايَةٍ تَارِيخِيَّةٍ عَنِ البَايَاتِ؛ فَبِنْيَتُهُ الأَعْمَقُ هِيَ رِوَايَةٌ عَنِ السُّلْطَةِ وَالمَرْأَةِ وَالذَّاكِرَةِ وَالتَّارِيخِ المَنْسِيِّ، وَعَنِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الجَسَدِ وَالسُّلْطَةِ، وَبَيْنَ المَكَانِ وَالقَهْرِ، وَبَيْنَ الحِكَايَةِ وَامْتِلَاكِ الحَقِيقَةِ. وَفِي أَفْضَلِ لَحَظَاتِهَا، يَنْجَحُ الأُسْلُوبُ فِي جَعْلِ هَذِهِ القَضَايَا تَظْهَرُ مِنْ خِلَالِ المَشْهَدِ وَالشَّخْصِيَّةِ وَالمَكَانِ وَالرَّمْزِ، لَا مِنْ خِلَالِ الخِطَابِ المُبَاشِرِ وَحْدَهُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ قِيمَةَ العَمَلِ لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي اسْتِدْعَائِهِ لِمَرْحَلَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِنَّمَا فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُعِيدُ بِهَا مُسَاءَلَةَ تِلْكَ المَرْحَلَةِ مِنَ الحَاضِرِ، وَفِي تَحْوِيلِ التَّارِيخِ مِنْ مَادَّةٍ لِلْحَكْيِ إِلَى مَوْضُوعٍ لِلتَّفْكِيرِ، وَتَحْوِيلِ الحِكَايَةِ مِنْ وَسِيلَةٍ لِاسْتِعَادَةِ المَاضِي إِلَى أَدَاةٍ لِلسُّؤَالِ عَمَّنْ يَمْتَلِكُ حَقَّ رِوَايَتِهِ وَتَفْسِيرِهِ وَتَحْدِيدِ مَا يَبْقَى مِنْهُ فِي الذَّاكِرَةِ وَمَا يَنْدَثِرُ فِي النِّسْيَانِ.
#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)
Boukari_Fethi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يشوع -1-
-
الذكاء الإصطناعي والإبداع
-
التبغ والشيطان
-
مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)
-
مقدمة كتاب -قصّة قراصنة البربر-
-
مقتطف من مقدّمة كتاب مختارات من رسائل كولومبس
-
بحّارة عنيدون لويس بيك
-
نساء محجّبات (1)
-
حوار مع فوزي مسعود: تونس وفرنسا بين الذاكرة والتبعية
-
سرديّة فتح الله صغيّر لألفونس دي لامارتين ج2
-
سرديّة إقامةِ فَطح الله الصغِير بين العربِ الرُّحَّلِ في الص
...
-
من روائع الأدب المجري: السيّدة كاراشني، لإرنيو سيب
-
رسائل من الميّت الحيّ
-
باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج2
-
باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج1
...
-
ليلة عاصفة، الفصل الأول من رواية -فتاة البحّار- لإيما ليزلي
-
الإبحار الأخير للقارب -الدولفين-
-
أطلقوا قارب النجاة! (ج1)
-
حوار مع الفنان التشكيلي عمّار بوكيل: حين يتكلم الجدار بلغة ا
...
-
ميراث البحر
المزيد.....
-
سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع
...
-
نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم
...
-
دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي
...
-
كازاخستان.. العثور على نقوش صخرية وُصفت في يوميات الرحالة ال
...
-
حفل -النسر الذهبي- السينمائي في 29 يناير وقائمة أولية تضم 35
...
-
فتحة جريئة وتطريزات لامعة.. دوا ليبا تستحضر أجواء الأوبرا عل
...
-
نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم
...
-
برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس
...
-
نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم
...
-
الأوبرا المصرية تفتتح مهرجان الموسيقى العربية بليلة وفاء للف
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|