أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - التبغ والشيطان















المزيد.....

التبغ والشيطان


فتحي البوكاري
كاتب

(Boukari Fethi)


الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


من الأدب الياباني: قصّة التبغ والشيطان لِـ "أكوتاغاوا ريونوسُكا" ) 1892 -1927 (من مجموعته القصصية"حكايات عجيبة ومثيرة"، نقلها إلى العربية عن النسخة الإنجليزية: فتحي البوكاري
********
في الماضي، لم يكن التبغ ينبت في اليابان، ولا تتفق السجلات على تاريخ دخوله إليها. فبعضها ينسبه إلى فترة حكم كيتشو (1596-1615)، وبعضها الآخر إلى عهد تِمبون (1532–1555). ولكن يبدو أن زراعة النبتة كانت منتشرة على نطاق واسع بحلول السنة العاشرة من فترة كيتشو. وفي عهد بونروكو (1592–1596) انتشر التدخين لدرجة أدت إلى ظهور قصيدة هزلية تقول:
أشياء بلا جدوى:
قانونُ التدخين،
والقانونُ المزيّف،
وصوتُ الإمبراطور المعزول،
وجِنتاكو الطبيب.
أمّا عن السؤال: «من أدخل التبغ؟» فإنّ أيّ مؤرّخ سيجيب: البرتغاليون أو الإسبان. ولكن هذه لم تكن الإجابة الوحيدة، فهناك رواية أخرى تقول إنّ الشيطان هو الذي جاء به من مكانٍ ما. وأنّ الشيطان نفسه قد جيء به إلى اليابان على يد قسٍّ كاثوليكي، لعلّه القديس فرنسيس.
وقد يعترض المؤمنون الكاثوليك على قولي هذا، متّهمين إيّاي بالطعن في قساوستهم. غير أنّي أرى الأمر محتملًا، فمن الطبيعيّ حين يعبر إله «البرابرة الجنوبيين» البحر إلينا، أن يعبر شيطانهم معه، فإذا جاء خيرُ الغرب، جاء شرُّه أيضًا.
لكنني لا أستطيع الجزم بأنّ الشيطان هو الذي جلب التبغ إلى هذه الأرض حقًا. غير أنّ كتابًا لأناتول فرانس يذكر أنّ الشيطان حاول يومًا إغواء قسٍّ بزهرة "المِغنونيت". فكيف إذن نعدّ حكاية إدخاله التبغ إلى اليابان مجرد كذبة؟ بل لعلّها، وإن كانت كذبة، قريبةٌ من الحقيقة بشكلٍ مُدهش. ومن هذا الخاطر عزمتُ أن أروي هذه الرواية المتعلقة بدخول التبغ.
في السنة الثامنة عشرة من عهد تمبون، عبر الشيطان البحار إلى اليابان، متنكّرًا في هيئة راهبٍ مرافق للقديس فرنسيس كسافيي. وقد أمكنه تقمّص صورته لأنّ الراهب الحقيقي كان قد نزل إلى البرّ في أماكاوا أو مكان آخر، فأبحرت «السفينة السوداء» من غير أن تشعر بغيابه. وكان الشيطان، قبل ذلك، متعلّقًا خفية بأحد صواريها، قد تدلّى رأسه، والتفّ ذيله به، يراقب سرّا ما يجري في السفينة. فلمّا لاحظ غياب الراهب، تقمّص هيئته، ولازم خدمة القديس. ولم يكن ذلك بالأمر العجيب أو المستحيل، فهو الذي تشكّل في صورة فارسٍ مهيبٍ يرتدي عباءة حمراء قانية عندما زار الدكتور فاوست.
لكن عندما وصل إلى اليابان، وجدها مختلفة تمامًا عما قرأه عنها في رحلات ماركو بولو. فقد صوّر الكتاب البلاد كأنّها تفيض ذهبًا، فلم يرَ من ذلك شيئًا. وقيل إنّ اليابانيين يحيون الموتى بقوّة اللآلئ أو ما شابه ذلك، لكن هذا أيضًا بدا وكأنه إحدى أكاذيب ماركو بولو. وخطر له أنّه لو بصق في جميع آبارهم ونشر بينهم وباءً، لنسي معظم الناس الجنّة الموعودة من شدّة الألم. راودته هذه الأفكار، فيما كان يتبع القديس في جولاته، متظاهرًا بالفضيلة.
لكن كان هناك أمر واحد يقلقه، ولم يكن يعرف ماذا يفعل حيال ذلك. فبعد أن وصل فرنسيس كسافيي إلى اليابان، وهو حديث العهد بالبلاد، ولم يُكثِر بعدُ من الأتباع، لم يكن هناك مؤمن واحد ذو شأن ليغويه. فاحتار الشيطان، لا يدري كيف يقتل أوقات فراغه المملّة.
لذا، وبعد تفكيرٍ عميق، قرر أن يمضي بعض الوقت في البستنة، فقد كان يحمل أنواعًا مختلفة من البذور في تجاويف أذنه منذ أن غادر أوربا. فاستعار على الفور مجرفةً وفأسًا وقطعة أرضٍ على جانب الطريق، وبدأ يحرثها، بعد أن نال موافقة القديس، الذي ظنّ أنّ أحد الرهبان يريد إدخال أعشابٍ طبيّة غربيّة إلى البلاد.
كان ذلك في مطلع الربيع المُحمّل بضباب خفيف، وكان جرسُ معبدٍ بعيدٍ يرسل دويًّا خافتا في الأرجاء. كان الصوت ناعما للغاية، ولم يكن كصوت أجراس كنائس الغرب المزعج الذي اعتاده. ومع ذلك، لم يهدأ الشيطان ولم يشعر بالراحة في تلك الأجواء الهادئة، فقد كان يخشى أن يستسلم لسكينةٍ تُضعِف عزمه على الشرّ. فأخذ يفلح الأرض بعزمٍ شديد، كأنّه يطرد عن نفسه نعاس الفضيلة.
وبعد أيّامٍ بذر البذور، فنبتت نباتًا عاليًا، وأورقت أوراقًا عريضة خضراء غطّت أرض الحقل بالكامل، وفي آخر الصيف أزهرت أزهارًا بنفسجيّة مخروطية الشكل. ولم هناك من أحد يعرف اسمها. وحتّى عندما سأله القديس عنها، ابتسم وسكت ولم يُجب.
وذات يومٍ مرّ تاجرُ ماشيةٍ بالحقل يقود بقرة صفراء، فرأى الراهب هناك بين الأزهار الأرجوانية منهمكًا في إزالة الديدان عن الأوراق. فسأله بأدب: "ما هذه الأزهار يا قدّيس؟"
فأجابه: "لا أستطيع أن أُخبر أحدًا باسمها. ولكن خَمِّن أنت، في يدك ثلاثة أيّام ويمكنك استشارة أيّ كان، فإن أصبتَ أعطيتُك ما في الحقل كلّه. "
فقال التاجر وقد تفاجأ من جدّيته: "وإن لم أُصب؟"
فضحك الراهب ضحكةً حادّة، وقال: "آخذ منك شيئًا. هي مقامرة. إن أصبتَ فلك النبات كلّه، وإن أخطأتَ فلي عليك ما أطلب."
لم يأخذ التاجر ما قاله الراهب على محمل الجد. وربّما ظنّ أنّ كلّ ما يرغب فيه هو بقرته الصفراء فابتسم وقال وهو يربّت على جبينها: " حسنا، إذا فزت، سأشكرك على تلك النباتات المزهرة."
وأقسم له أن يفي بكلمته. وعندئذٍ كشف الراهب عن قرنين في رأسه، وقال: "إن لم تُصب، أخذتُك جسدًا وروحًا."
فارتاع التاجر، وندم على تسرّعه ووقوعه في فخ الشيطان بسهولة ليحرق جسده وروحه في نار جهنم الأبدية. وحينها لن ينفعه تركه لدينه السابق واعتناقه الدين الجديد. غير أنّه لم يشأ أن ينكث يمينه. أمضى التاجر ثلاثة أيام لم يذق فيها طعم النوم، محاولًا التفكير في كيفية التغلب على الشيطان. ولتحقيق ذلك، لم يكن هناك سبيل سوى معرفة اسم النبتة. ولكن أين يمكن أن يجد شخصا يعرف اسمًا لم يعرفه أحد حتّى القديس؟ وفي الليلة الأخيرة، تسلل تاجر الماشية ليلا، وهو يقود بقرته الصفراء كعادته، إلى حقل الشيطان ذي القرون الشبيهة بقرون الماعز، وقام بتنفيذ خطته التي وضعها. لم تكن خطة عظيمة. كل ما في الأمر أنّه نزع لجام البقرة الصفراء التي كان يقودها، وضربها من الخلف بقوة، فقفزت البقرة من الألم، وحطمت السياج، وداسَت على الزرع. ونطحت بقرونها جدار المنزل الخشبي. وعلى دويّ صوت حوافرها في ضباب الليل الخفيف، خرج الشيطان صارخًا: "أيّها الوغد! ماذا تفعل بحقل تبغي؟!"
فسمع تاجر الماشية، الذي كان يختبئ ويراقب من الجانب الآخر من الحقل، الاسم، وعرف الجواب. وفي الغد أجابه عن سؤاله بالقول: «هو التبغ!» وهكذا تغلّب على الشيطان، واستولى على كل التبغ المزروع في الحقل.
لكنني لطالما تساءلت عما إذا كان الشيطان خاسرًا حقًّا. فمع أنّه لم يستطع أن يستولي على جسد تاجر الماشية وروحه، إلا أنه تمكن من نشر التبغ في جميع أنحاء اليابان. ولذلك، فقد كان فشله مصحوبًا بنجاح من وجهٍ آخر. ألا يُقال إن الإنسان عندما يظن أنه انتصر على الإغواء، يجد نفسه، على نحو آخر، قد مُني بالهزيمة؟
أمّا ما جرى للشيطان بعد ذلك، فقد قيل إنّ القديس طرده من الأرض بفضل النجمة الخماسية المقدسة. ، وأنّه ظلّ يتجوّل هنا وهناك بعد ذلك متنكرًا في زي راهب زمنًا طويلا، وربّما ظهر في كيوتو عند بناء معبد نامبانجي. وقيل إنّ كاشين كوجي، الرجل سيئ السمعة الذي سخر من ماتسوناغا دانجو، كان هو الشيطان نفسه. ثمّ لمّا حُظرت الديانة الأجنبيّة في عهد تويوتومي وتوكوغاوا، اختفى أثره. ولا نعلم عنه شيئًا بعد ذلك، سوى أنّه قد عاد مرّةً أخرى بعد عودة نظام ميجي.



#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)       Boukari_Fethi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة كتاب قصّة قراصنة البربر (2)
- مقدمة كتاب -قصّة قراصنة البربر-
- مقتطف من مقدّمة كتاب مختارات من رسائل كولومبس
- بحّارة عنيدون لويس بيك
- نساء محجّبات (1)
- حوار مع فوزي مسعود: تونس وفرنسا بين الذاكرة والتبعية
- سرديّة فتح الله صغيّر لألفونس دي لامارتين ج2
- سرديّة إقامةِ فَطح الله الصغِير بين العربِ الرُّحَّلِ في الص ...
- من روائع الأدب المجري: السيّدة كاراشني، لإرنيو سيب
- رسائل من الميّت الحيّ
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج2
- باغ وبهار:حكايات الدراويش الأربعة لأمير خُسرو الدِّهلَوي -ج1 ...
- ليلة عاصفة، الفصل الأول من رواية -فتاة البحّار- لإيما ليزلي
- الإبحار الأخير للقارب -الدولفين-
- أطلقوا قارب النجاة! (ج1)
- حوار مع الفنان التشكيلي عمّار بوكيل: حين يتكلم الجدار بلغة ا ...
- ميراث البحر
- الفصل الأول من رواية ماري جونستون -1492-
- بئر السّاراسين
- تحطُّم منارة وينستانلي


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - التبغ والشيطان