أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رضا لاغة - الميتا معرفة من التدريس إلى التعلم















المزيد.....

الميتا معرفة من التدريس إلى التعلم


رضا لاغة

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 14:01
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


خلال النصف الثاني من القرن العشرين تطورت علوم التعلم وعلم النفس المعرفي، وأصبح الاهتمام ينتقل تدريجيًا من المعرفة إلى الميتا معرفة ، من ماذا يفعل المدرس؟ إلى ماذا يحدث فعلًا في عقل المتعلم؟
إن عملية الانتقال هنا ليست آلية وعفوية بل تحتاج إلى استراتيجية حول كيفية تنشيط العمليات الذهنية العليا للمتعلم كالتخطيط والتقييم والمراقبة والتنظيم ، مما يعزز لدى المتعلم التفكير في التفكير.أي محاولة إدراك الكيفية التي بها يتعلم . وهذه أول خطوة في مجال التنظيم الذاتي للعمليات الذهنية.
لنفرض الآن أن بعض الوظائف العقلية ذات ارتباط وثيق ببعض المناطق الأخرى ، ولا يخف أمر كهذا عن ما يسمى التخطيط الجغرافي للمخ ، ماذا يكون الأمر حينئذ إذا اتخذت المعرفة تصور يقوم على التلقين ؟
وبقطع النظر عن أي اعتبار آخر ، إن هذه الوحدة الذهنية ، دفعت عالم النفس الأمريكي فلافيل، بصفته أوّل من وضع مفهوم الميتا-معرفة عام 1976، إلى البحث عن المعرفة بالمعرفة ،أي تحفيز المعرفة إلى معنى أوسع لتكون واعية ومدركة.
واللافت للنظر أن هذا المفهوم له استعمالات واسعة وينطبق في مجالات معرفة متنوعة .لذلك من العسف أن نختزله ضمن علم النفس المعرفي.
يقول ليث العتابي في مطارحة شيقة للميتا-معرفة :” إن موضوع الميتا-معرفة يمتلك من السعة ما يمكنه من استيعاب جميع المعطيات المعرفية ، وحل جميع مشكلاتها وإزالة جميع عوائقها” (1)
لماذا نحتاج إلى هذا المفهوم أثناء التفكير في مشروع الإصلاح التربوي؟
يعلل الكاتب إجابته كالتالي:”إن موضوع الميتا-معرفة من المواضع المهمة جدا ، خصوصا مع ما نشهده من تطور معرفي انفجاري ، وهذا الموضع سيعطينا فائدة مواكبة هذا التطور ، وسبر أغوار المعرفة من خلال النص وما يتعلق به، لنعرف من خلاله ما هو ظاهر وماهو غير ظاهر ، وهو بذلك أشبه بمسبار الأعماق الذي يكشف لنا المجهول وغير المرئي وما يخفى علينا”(2) الميتامعرفة ، توضيح المناهج وفتح النصوص،دار الولاء لصناعة النشر .بيروت -لبنان.الطبعة الأولى 2018 .ص13
من هنا ظهر اهتمام أكبر بـحل مشكلات التفكير ،التعلم النشط ،التعلم التعاوني ،الفروق الفردية، التقويم التكويني وبناء المعرفة بدل استظهارها .
كما بدأ يتبلور الفرق بين التعليم و التعلم. فما يؤهّل المدرس ليؤدي هذا الدور الجديد لا يتبدّى على ضوء ما يشرحه لأن ما يعنينا هو محصلة عملية التعلم ذاتها التي تكسب المتعلم القدرة على الفهم.
إن ما يجري وفق منطق هذه الفكرة التعليمية هي اعتماد مفهوم الكفايات كجزء من السياسة التعليمية التي تنقلنا من التركيز على المحتوى إلى التساؤل عن مجال استطاعة المتعلم ومقدار ما يمكن أن يفعل بما تعلمه؟غير أنه يجب أن نحذر من سوء استعمالات هذا المفهوم .فالكفاية لا تعني الاستغناء عن المعرفة ،بل تقوم على تعبئة المعرفة والمهارات والاتجاهات في وضعيات فعلية.
وهذا هو أحد أسباب أهمية المفهوم في مشروعنا. لأننا لا نريد تلميذًا يعرف الإجابة فقط؛ نريد إنسانًا يعرف كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يستخدم المعرفة، وكيف يتصرف أمام مشكلة جديدة.
ولكي يغدو هذا الطرح مسلّمة تسمح بالوعي بالمتناقضات فيما بين الوضعيتين ، من حيث أن الميتا -معرفة هي حركة فكر ، فإنها لا تصبح مثمرة وفق هذا التعليل ،إلا عندما يتأتّى للمتعلم القدرة على توجيه ذاته. لأن الهدف لم يعد : أن يعرف التلميذ ، وإنما كيف يستطيع أن يوجه تعلمه، ويتخذ قرارات مسؤولة، ويتعامل مع أوضاع غير مألوفة، ويشارك في تشكيل مستقبله.
وهنانقترح أن تصبح استعارة «البوصلة» لوغو يعكس دلالة تربوية مفادها أن المطلوب في عملية الإصلاح التربوي - ليس إعطاء المتعلم طريقًا محفوظًا لكل ظرف- وإنما إكسابه القدرة على تحديد الاتجاه عندما تتغير الظروف.
وهذه نقطة تتناغم مع الأدبيات الحديثة التي لم تعد تنظر إلى المعلم وكفاءته فحسب وانما بوصفه شريكًا في تصميم التغيير وليس مجرد منفذ لقرارات تأتي من أعلى. وهذا يعزز تمامًا موقفنا النقدي من النموذج البيروقراطي الذي كنا قد بيّنا سابقا قصوره ومحدوديته.
عند هذا المستوى يمكن أن تظهر الخلاصة التاريخية المهمة لما تم طرحه ليبرز ملمح المدرسة الجديدة التي تحتاج إلى المعرفة ،التفكير النقدي ، الخبرة ، الكفايات ، القيم والقدرة على التعلم المستمر.
بعد هذا المسار التاريخي، يمكن أن نشرع في صياغة مفهوم التربية الذي سنعتمده. ولأن غرضنا هو الإلماع بخاصة إلى ما تنطوي عليه المعرفة من ترابط بين الذاكرة الذهنية وعملية التفكير ، فغير خاف على هذا النحو أن يحصر مدلول التربية كعملية اجتماعية وإنسانية مستمرة تهدف إلى بناء إنسان يمتلك المعرفة والقدرة على التفكير والفعل والتواصل وتحمل المسؤولية، وقادرًا على التعلم المستمر والمشاركة في تطوير مجتمعه، مع احترام حريته وكرامته وتنوعه.
هذه ليست مجرد صياغة لغوية؛ إنها تحدد الفلسفة التي سيبنى عليها الإصلاح.
إن معنى من هذا القبيل يترتب عنه خطوة لاحقةلإثارة نقاش حول المدرسة ذاتها في الأدبيات التربوية: لماذا نشأت المدرسة الحديثة؟ ما وظائفها الأصلية؟ وكيف انتقلت من مؤسسة لنقل المعرفة والانضباط إلى فضاء للتعلم والتنمية الاجتماعية؟ ومن ثمة يتسنّى لنا أن نجيب بصورة علمية، لا انطباعية، عن سؤالنا المركزي:
ما الغاية من المدرسة التونسية في القرن الحادي والعشرين؟
وهذا سيكون، في رأيي، الأساس الفلسفي الحقيقي لوثيقة الإصلاح التي نبنيها.
على هذا النحو ، وفي سبيل الوقوف على الأسس التي تعالجها وثيقة الإصلاح التي تقترحها ، سنبني منهجنا على أربع دعائم:
التأصيل النظري
في هذه المرحلة سنتعرف على المفاهيم ونتدرج في تحديد دلالتها بالعودة إلى الأدبيات التربوية وتطورها التاريخي، لنسأل:
ما التربية؟ ما التعليم؟ ما المدرسة؟ ما التعلم؟ ما الكفاية؟ ما الجودة؟ ما العدالة؟
تشخيص المنظومة التونسية
إن مضمون المعنى الأوّلي في مطلع هذه الحلقة التعرف على المنظومة التربوية ،إذ لا يكفي التلويح بعبارات من قبيل “ المنظومة متأزمة” بل سنتحقق من مظاهر الأزمة بالتساؤال عن مكمن الاختلالات ولماذا ظهرت؟ وما أسباب استمرارها؟
وهنا نحتاج إلى المعطيات التونسية: تاريخ الإصلاحات، نتائج التعلم، الانقطاع، الفوارق الجهوية، وضع المدرس، التمويل، الدروس الخصوصية، التعليم الخاص، اللغات، التعليم التقني، التعليم العالي... والجهة الأقدر على توفير المادة هي المرصد والإدارة العامة للتقييم والجودة. وغير خاف أن هذين المرفقين في حالة سبات وشرود ذهني ، ولكن لو حدث أن تم تكليفهم بجمع المعطيات ورصد الاحصائيات كمنطلق يصلح لاحقا للقراءة في شكل مؤشرات بالاستعانة بالوسائل المنهجية لذوي الخبرة ؛ لأنتجنا مادة علمية حقيقية ، تعيننا على التشخيص والفهم الصحيح للأزمة.
بناء الرؤية
لأننا لم نعد ننظر للتربية على أنها مجرد ظاهرة تعنينا من الخارج وإنما نراها قائمة ثنايا عملية التفكير وإعداد انسان المستقبل القادر على النقد ، فإنه لا يكف الوقوف عند الشعارات العامة ، بل يجب أن نستبعدها من خلال الغوص في التفاصيل لنجيب عن سئلة كبرى تحكم عملية الإصلاح:
أي إنسان نريد؟
أي مجتمع نريد؟
أي مدرسة نحتاج؟
أي معلم؟
أي منهج؟
أي علاقة بين المدرسة والاقتصاد؟
أي عدالة تعليمية؟
تحويل الرؤية إلى سياسات ومخرجات
وهذا مناط بحث تجري بشأنه لجان من الخبراء وذوي الاختصاص في التربية ...ذوات تدرك على نحو أكاديمي واقعي وفعّال وبمنآى عن أي محاباة. وهو شرط يمسّ الهدف الصميم من المجلس الأعلى للتربية. وحسبنا أننا لم نصدر تعقيبا على تركيبته في انتظار استكمال الطراز الأكاديمي للخبراء .
وعلى ذلك فإننا حين اخترنا في هذا الموضع ، أن نقدم هذه المساهمة في رسم معالم الطريق نحو الإصلاح ضمن مقالات متسلسلة ، فإننا لم نكن نقصد من فعل كهذا ،أكثر من أن نعين من تم تكليفهم في هيكلة المجلس الأعلى للتربية على ضبط البوصلة التي تحمل في طيّاتها أصل المشروع والمنشأ.



#رضا_لاغة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوديسا التعددية الثقافية
- من سحر الديمقراطية مع روسو إلى الدولة الشبكية وثقافة البروتو ...
- حتمية التغيير الحكومي في تونس ودور تشكيلة النخبة في الحقبة ا ...
- الإصلاح التربوي والجودة المنصفة
- المجلس الأعلى للتربية: العقل الاستراتيجي للإصلاح التربوي
- المدرسة الجديدة وخارطة التكوين
- السيادة ...كيف نحققها؟
- التطرّف العنيف من منظور أنثروبولوجي سوسيولوجي وثقافي
- فلسفة تكوين المربين وصيغ الانتقاء المتعدد
- المعلم و إعادة بناء مكانة المهنة
- المؤسسة التعليمية العمومية والدرس الخصوصي... نعيد تنظيمه أم ...
- التعليم العمومي والخاص — منافسة أم تكامل؟
- السياسة التربوية : التعليم والجهات
- رجال حول المقاومة - يحيى السنوار-
- رجال حول المقاومة - عماد مغنية
- المسار التعليمي :خريطة تعلم أم سلم دراسي؟
- هندسة الحوكمة الجديدة للمدرسة التونسية
- الإصلاح التربوي في تونس: أيّ مدرسة نريد؟
- الإمبراطورية الآفلة...
- من المعلم كناقل للمعرفة الى صانع للتعلّم


المزيد.....




- فيديو للممثلة جيليان أندرسون تطلب من معجباتها الابتعاد عن مق ...
- رأي.. حبيب الملا يكتب عن التهديد الداخلي وأمن الطائرة بعد حا ...
- بعد تصريح افترض تدمير إيران لمدينتين في أمريكا.. ترامب يواجه ...
- بحضور بن غفير.. السلطات الإسرائيلية تهدم بناية سكنية في بلدة ...
- مواطنة أمريكية تقاضي الحكومة الفيدرالية بعد إصابتها برصاص عم ...
- كيف نجح أصغر جاسوس مصري في زرع 55 جهاز تنصت واختراق 4 معسكرا ...
- -تاس-: مطار أبها في السعودية يواصل عمله
- -مزحة ثقيلة- تقض مضجع سكان بلدة كفرمان جنوب لبنان
- مصر.. قرار رئاسي بمناسبة السادس من أكتوبر
- سبّاحات بذيول حوريات البحر يتنافسن في أعمق مسبح في وارسو


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - رضا لاغة - الميتا معرفة من التدريس إلى التعلم