أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - نوادر البُلغاء















المزيد.....


نوادر البُلغاء


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 02:59
المحور: الادب والفن
    


للنادرة جذور, في الرواية العربية, تمتد إلى عصر ما قبل التدوين, ولها أغراض في العصرين؛ غرض إمتاع السامع في المجلس, مهما كانت درجة الوعي وطبقة المُستمعين, وفي الغالب كان المُتكلِّم يستعين بالنكتة والنادرة أثناء حديثه إذا شعر بخمول المستمعين عن المتابعة, وفي أحيان أخرى يُنهي المُتكلِّم حديثه بنادرة لطيفة لتوديع الحاضرين, وترك اللمسة الأخيره, من البهجة على مزاجهم.
ولمّا إنتشر تدوين الكتب, وقطع شوطاً في التعاملات التسويقية للكتاب ولأغراض تجارية, إهتمَّ المؤلفون بتطعيم الكتب الأدبية بالنوادر, وإستثمر الورَّاقون هذا النمط لجمع الكتب االخاصَّة بالنوادر في رسائل على شكل كتيِّبات خفيفة التداول, أنيقة الإخراج.

كانت مُعضلة اللغة من أعقد المُعضلات التي عكف عليها علماء اللغة والنحو والإنشاء والكتابة والنطق, ولكنَّ مسارات البحث في هذه الموضوعات كانت تتسع وتتراكم فيها التشعبات وإلإشتقاقات القاموسية, مما يجعل تلقيها محصوراً في نطاق النخبة العلمية من المُتلقين, مالم تنفتح على مُختلف الأمزجة القرائية.
إن ما زعمنا بتسميته المدرسة الجاحظية في مقالاتنا السابقة يندرج في هذا الإطار؛ ظهور مؤلفات تُعنى بتشريح اللغة وتختصُّ بها, في نفس الوقت تُلامس مشاعر القارئ بإدراج الشعر والنوادر ضمن حقولها البحثيّة. وكان أبو عثمان الجاحظ أكثر الباحثين - إن لم يكن الأول- في تفسير دوافع هذا الإتجاه, وطبّقه في رسائلهِ وفي مؤلفاتهِ الكبرى.
في هذا المقال نلاقي نموذجاً فريداً من المؤلفات الأدبية في علم اللغة لم يغفل مؤلفها من تطعيمها بالنوادر, وإعقابها بملحق النوادر, وهو كتاب " الأمالي" لأبي علي إسماعيل القالي(1), ومُلحقه "النوادر" و"ذيل الأمالي".

يقول إبن خلدون, ونقل عنه طه حسين (سمعنا عن أشياخنا أنّ كُتب العرب أربعة: أدب الكاتب لإبن قُتيبة والكامل للمبرّد والأمالي لأبي علي القالي والبيان والتبيين للجاحظ, وما تلاها من الكتب توابعٌ لها وتفرعاتٌ منها..).

ينطبق رأي إبن خلدون على الكتب الأدبية فقط, ولم يلتفت إلى مؤلفات العرب في التأريخ والفلسفة والعلوم والجغرافية والأسفار وغيرها. قبل النظر في كتاب القالي نُبيِّن ملاحظة هامَّة في هذا الباب, فالنوادر أنواع منها الجاد والمُفيد ومنها الممتع المُسلِّي, ومنها البريء العذب ومنها المُغرض الخبيث, ولكل كاتب حقَّه في التعبير, فقد يستخدم النادرة كسلاح في الخصومات والشتائم, بينما يستخدمها كاتبٌ آخر في باب من أبواب النثر الفنّي, ولكل عصر مقام ومقال.

من هنا نقف على النوع الممتع والمُفيد في أحاديث الأديب الشاعر إبن دريد(2) فأحاديثه تنقل حكاية طريفة في بعض الأحيان, مُنتخبة من القصّ الواقعي, وأخبار العرب, ولكنَّها في نفس الوقت تُظهِر قطعاً فريدةً من النثر العربي, على خلاف ما أراده الجاحظ من أغراض النادرة وضرورة إبقائها على لفظها ولحنها.
ينقل أبو علي القالي هذه الأحاديث قائلاً(أخبرنا أبو بكر بن دريد عن عمِّه عن فلان الكلبي ..) فيكون القالي هو الراوي المُباشر الذي نتلقى منه, ويكون إبن دريد الراوي الثاني, ثمَّ العم الراوي الثالث, وبعده راوي رابع أو خامس! فهل يُعقل إنتقال الحكاية عبر هذه السلسلة من الرواة؛ مُحتفظةً بشكلها الفنّي وكثافتها اللغوية وبلاغتها الكلاسيكية مالم تتأثَّر بأهواء السلسلة أو بعض أطرافها؟.
نُضيف رأينا ان الرواية العربية, المنقولة شفاهاً هي الروايه المُتغيِّرة على الدوام, إلى أن تصل إلى المتلقي الأخير وهو مؤلف الكاتب, وهو غير مؤلف الحكاية.
مؤلف الكتاب سيفرض أحكامه التأليفية:
اللغة ومستواها؛ الإحتفاظ بالقصّة أو تحريفها؛ إضافة الشعر لها؛ إدراجها ضمن المحاججات التي يُحاجج بها مُجايليه من اللغويين والأدباء والشعراء وهذا ما أردنا أن نتوصَّل إليه بالسؤال التالي: هل أن الأحاديث من تأليف إبن دريد أم إنّها من تأليف أبو علي القالي, وإنَّ إبن دريد شخصيَّة روائية, إلى جانب كونه شخصيّة حقيقية وتأريخية, وتمَّ إسناد مهمة النقل له؟

لمّا كان إشتغال القالي مُحدداً بالتفسير اللغوي للأسماء وإكثاره من الشعر وتفسير الشعر, تصبح الحكاية الدريدية هامشيَّة لأنها لاتنطوي على أغراض أبعد من الطرافة والحكي الشعبي. لكنَّ الذي حوَّلها من مادة خام, إلى قطعة فنّيَّة كصياغة الذهب, هو أبو علي القالي. ولاننكر حق إبن دريد وموهبته اللغوية.

وجدنا في أمالي أبي علي القالي ما يفتح الأبواب على حقلين أساسيين في المعرفة؛ أوَّلهما اللغة المُعجمية. لأبي علي منهجه الخاص في تفسير اللغة, فلم يُساير المناهج المُعجمية التقليدية بترتيب الكلمات على الحروف الأبجدية,
ولتشعب هذا الحقل, تناوله من زاوية إنتقائية, فيروي حوادث كالقصص أو الشعر أو النوادر وقعت في مطلب مفردة من مفردات اللغة العربية, فتكون المفردة ومصدرها باباً للبحث كالقول (مطلب ما وقعِ في كذا.. وتفسير ذلك) وهكذا لم يقف عند حدود التعريف اللغوي بل جعل التفسير يتشعّب في الأمثلة والشعر والحكايات. وأراد أن يوِّسع مدار البحث ليشمل النوادر, فأضاف له كتابين(مُلحقين)؛ كتاب ذيل الأمالي, وكتاب النوادر, وهو ما نسعى إلى البحث فيه لعلاقتهِ بموضوع المقامات التي بحثناها في مقالات سابقة وفي كتاب من جزأين هو " مسرح المقامات".

يستند أبو علي في النقل إلى إثنين من مُعاصريه هما أبو بكر الأنباري (3) وأبو بكر بن دريد, وآخرين ممن عاصرهم من الأُدباء والشعراء. وأحياناً يسندها إلى نفسه فيقول (قال أبو علي..) ونعتقد أن هذه الصيغة قدّ تعود لناسخ الكتاب الذي أملى عليه القالي, وهي الصيغة المُتَّبعة في الكتاب إلى خاتمتهِ؛ ولا يمكن أن يتكلَّم المؤلف بضمير الغائب عن نفسه. وأسانيده الشخصية تتعلَّق باللغة وإعرابها وإشتقاقاتها المُعجمية, أمَّا الحكايات الطريفة والنكات فمصدرها الأنباري وإبن دريد. وإذا أحصينا كل الأسانيد في كتاب القالي نكتشف أنَّ أغلبها من حكايات إبن دريد.

إهتمَّ بعض الكتّاب بأحاديث إبن دريد, وإعتبرها البعض مقامات سبقت مقامات الهمذاني, وإنَّ إبن دريد ألّف أربعين مقامة عارضها الهمذاني بأربعمائة مقامة لم يصلنا منها غير خمسين. وإستند الباحثون على كتاب أبي علي القالي في بحوثهم عن إبن دريد, ومنهم الدكتور زكي مبارك الذي خصص لإبن دريد فصلاً من كتابه النثر الفني في القرن الرابع الهجري.

لاننكر دور إبن دريد في تأليف هذا الصنف من الحكايات, إذا وقفنا على شخصيته العلمية ونتاجاته الأدبية في اللغة والشعر والنثر. وفي الموسوعة (أن الأحاديث تضمُّ مجموعة من الأخبار والنوادر والقصص التي رواها اللغوي والأديب الكبير أبو بكر محمد إبن الحسن إبن دريد الأزدي البصري المتوفي سنة 321 للهجرة, ويغلب عليها طابع البادية وأخبار الأعراب.. وكان يروي أحاديثه عن أشياخه الكبار أمثال أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي..)(3)


يقول عنه زكي مبارك (فإذا سمعتَ بأنه ألَّف أكثر من عشرينَ كتاباً في اللغة والأدب, وإنه كان أعرَف أهل زمانه بما تركَ الأولون, فإذكر بجانب ذلك أنه كان رجلاً مرحاً طروباً, وإنَّ نفسه اللعوب أوحت إليه أفانين من الأدب بهرت مُعاصريه. وأعطته في النثر قوة بارعة جعلته في الصف الأول من صفوف المبدعين.) – زكي مبارك- النثر الفني في القرن الرابع الهجري-

لايُستبعد تأثر الهمذاني بحكايات إبن دُريد, ويمكن تفصيل ذلك بمقاربة نقدية بنيوية تطبيقية موّسَّعة.
ولكن الفوارق البنائية في النوعين الأدبيين واضحةٌ وفي أهمّ المراكز البنائية لنص الحكاية في الحالتين. فما حكاه إبن دريد لأبي علي لايبتعد عن الحكايات الشعبية, كالتي تُروى في الجلسات المسائية, وبعضها يُحاكي قصص الأطفال والفتيان, وقصص الجدّات, وإذا إلتقطناها من كتاب الأمالي وذيله ونوادره, نحصل على الأربعين حديثاً شبيهاً بقصص المقامات.

تعتمد المقامة على تركيب بنائي من شخصيات رئيسية وثانوية؛ شخصيَّة واحدة نمطية مُتكررة, وشخصية موازية لها ممثلةً بالراوي للقصَّة وواصف للأحداث؛ الموضوع المُتكرر, في الغالب الكدية, والإحتيال, وصناعة المقالب المسرحيّة؛ وفي المقامات تمثيل وحضور للتعبير الجسدي والإشاري والعلاماتي؛ وللآزياء دلالتها في التعبير[ توَّضحَ ذلك في مقامات الحريري أكثر من الهمذاني]؛ في المقامات حبكة بنائية من بداية ووسط ونهائية؛ للراوي دور في وصف البداية ووصف العقدة المركزية وبعدها وصف الحل وختام الأفعال المسرحيَّة.
في المقابل لا تتوفر هذه الشروط في أحاديث إبن دريد.

للدكتور زكي مبارك رأيه في نوادر إبن دريد, الموصوفة بأنها أصل المقامات, وننقل إختصاراً بعض ما يصف به مواقف إبن دريد في هذه الأحاديث:
(ونلاحظ أنه يميل إلى الفكاهة حين يعرض للحوادث الجنسيّة, فيُنطق النساء والبنات بألفاظ تغلب عليها النكتة. وبخاصَّة حين يتكلَّم عن فتاتين تتهامسان عن الزوج المُشتهى.. وتلك إمرأة تُخاصم زوجها فتصمه بأنه يشبعُ ليلةً يُضاف, وينامُ ليلةً يخاف.. وأُلائكَ بنات عنَّسَهنَّ أبوهنَّ فتهامسنَ بحيث يسمع بأبيات من الشعر قهَرَته على أن يُعجِّل لهنَّ بالزواج..)

ومن أحاديثه في إختيار الزوج المُناسب هذا المقطع ( مطلب حديث النسوَّة اللاَّتي أشرنَ على بنت الملك بالتزوِّج ووصفنَ لها محاسن الزوج وشرح غريب ذلك) وفي هذا الحديث ما يُحاكي حديث البنات الثلاث الذي يلحق بهذه الحكايات؛ مع إختلاف في ترتيب القصَّة, وفيها تطويل نكتفي بالإشارة عنها؛ هنا إبنة لملك إستخلفها قومها بعد وفاة الملك الأب, ولمَّا بلغت سن الزواج إجتمعت ثلاث من وصيفاتها حولها وأخذت كلُّ واحدةٍ منهنَّ بوصف محاسن الزوج المطلوب, وتفرَّقنَ في البحث أياماً ثمَّ عُدنَ وكل واحدةٍ منهنَّ بأوصاف رجل بعينه, وبعد الوصف كما في حكاية البنات والأم, تطلب إبنة الملك إسم الرجل الموصوف, فكان أمامها ثلاثة أسماء من الرجال فإختارت أحدهم.

يضع إبن دريد هذه القصص لطرافتها الحكائية أولاً, ولكنَّ موضوعه الجوهري فيها يتعلَّق بالجانب اللغوي؛ في الأوصاف والأسماء التي تتطلَّب شرحاً وتفسيراً, فيقوم أبو علي القالي بهذه المُهمَّة.

في واقع الحال أنَّ أبا علي هو الراوي لجميع القصص والأشعار, نقلاً عن إبن دُريد وآخرين؛ فالتأليف الحقيقي لأبي علي القالي, بشكل خاص في نقل الشعر, وفيه مُطوّلات, وبعض الشعر لإبن دُريد, أمّا القصص فيرويها القالي كما لاحظنا عن إبن دريد, ولذلك نُسبت له, ومصدرها الوحيد هذا الكتاب.

ومن أحاديث إبن دُريد تلك القصَّة عن حج أبي نؤاس, وهي مقامة بالشكل الذي ظهرت فيه المقامات عند الهمذاني, وهنا نزعم أن التأليف عن أبي نؤاس نالَ كثيراً من شخصهِ, وما قيل فيه وخمرياته لايتفق مع حقيقته ومكانته الإجتماعية والشعريَّة, وفي الروايات العربية القديمة يوَّظِّف الكاتب إسماً ويجعلهُ بطلاً للحكاية, وقد وردت أمثلة من حكايات وطرائف عن هارون الرشيد في ألف ليلة وليلة لا صحَّة لها كوقائع تأريخية, وفي كُتب أخرى تلفيقات عن الحسن البصري والأصمعي والمُتنبي والجاحظ, وتزوير ومبالغات وُضعت لأغراض المواجهة والتدمير أو للمتاجرة بالنصوص في أوقات رواجها. (وكذلك فعلَ إبن دريد فأنطقَ أبا نؤاس بقصَّةٍ طريفةٍ حدّثنا فيها أنَّه لقيَ في طريقِه نصباً؛ إذ إنهمرَ المطر في أرض بني فزارة ففزعَ إلى بعض الخيام فإذا جارية مُبرقعة ترنو بطرفٍ مريض الجفون ساحر النظر, فإستسقاها فمضت تتهادى في جسمٍ خصِبٍ رشيق, وأحضرت إلية الماء, ثمَّ كان منه حوارٌ مملوءٌ بالسفه واللؤم أراد به الوصول إلى مُعاينة ما تحت تلك الثياب من أسرار الجمال, ولكنَّ طبل الرحيل صرفه فإنصرفَ وفي قلبه حسرةٌ كامنةٌ وكربٌ دخيل, فلما قضى حجّه ورجع مرَّ بتلكَ الخيام طامعاً في الصيد, ولكنَّ مطامعه إنتهت بخيبةٍ مُخجلةٍ نكتفي بالإبانة عنا في هذه الإشارة, ونُحيل القارئ إلى مقدمة الديوان ليرى كيف برَعَ إبن دريد في السخرية من أبي نؤاس.)- زكي مبارك: النثر العربي في القرن الرابع الهجري.
(وبمراجعة أحاديث إبن دريد نلاحظ أنَّه يتعقب أعيان الجاهلية فيُنطقهم بألوان من الحوار تُمثِّل ماكان يُحب أن يعرفه العرب عن أسلافهم من كرم الطباع وشرف الأحساب, ولو بقيت لنا مقامات بديع الزمان كاملةً لعرفنا إلى أي حد حاكى إبن دريد في هذا الباب..) – زكي مبارك – نفسه-

ويواصل زكي مبارك ذكر الأمثلة عن تأثر الهمذاني بإبن دُريد فيورد قصّة بُشر بنَ بنَ عوانة التي جعلها الهمذاني موضوعاً وحدثاً لإحدى مقاماته, وهي في الأصل منقولة عن إبن دُريد.
يُلخّص زكي مبارك إستنتاجه عن إبن دريد, من خلال الأحاديث التي جمعها من كتاب أبي علي القالي فوجدها ستين حديثا ومنها أحاديث قصيرة جداً إستثناها, فيكون العدد الإجمالي أربعون حديثاً التي ذكرها الحصري القيرواني في كتاب زهر الآداب وثمر الألباب. وحصرَ إستنتاجه في خمس فقرات أهمُّ ما فيها:
- قصَّة حج أبي نؤاس تصلح أن تكون أساس المقامات التي أُلِّفت فيما بعد.
– طابع السجع يغلب على الأحاديث, وتلك من سمات النثر العربي العالي.
– يسند إبن دُريد أحاديثه إلى أسماء مجهولة وشخصيات غير معروفة (وأحياناٍ يكونون من النكرات وهذا دليل على الوضع والإختراع).
يفتتح الحديث بالقول حدَّثني عمِّي عن أبيه عن فلان.. ومن خلال إستماعه إلى عمِّه [في جميع الأحاديث التي نقلها القالي] نعلم أنَّ إبن دُريد كان في صباه, وفي بعض الأحاديث يسأل العم, فيُجيبه يا إبن أخي.. وبالتالي فهذا فن النقل في الرواية, وقد كتبنا عن هذه الشخصيات الناقلة وحقيقتها في مقالات سابقة. ونُضيف أن النقد العربي في ذلك العصر وما بعدة كان وما يزال رهين الحكاية الخبرية الموَّثَّقة بالمصادر المُقنعة. والصحيح أن تُقرأ الحكايات القديمة على أنها موضوعات على أشكال فنيَّة؛ كالشعر الخيالي وكالمقامات, وحتّى الخرافات الشعبية؛ ما هي إلاّ فنون صنعتها الذاكرة الشعبية ولها أغراض في كل زمان ومكان .
– لاحظ صاحب كتاب زهر الآداب أن الأحاديث (جاء أكثرها مما تنبو عن قبوله الطباع ولا تُرفع له حُجبها الأسماع) وإنها وقعت في (معارض عُجمية وألفاظ حوشيّة) وإنَّ الصنعة والإغراب ظاهرين فيها, ويعتقد صاحب زهر الآداب أن إبن دُريد قد يكون تعمَّد هذا الأُسلوب؛ أن يدس في أحاديثه بعض ما إتُّهِمَ به توليد وإصطناع اللفظ الغريب. ونُعقِّب على هذه الآراء بإختصار:
- أنَّ توليد الكلمات الغريبة كان من سمات ذلك العصر, حيث موجات التطوير والتغريب لا تخصُّ أديباً واحداً, وإن هذه التهمة أُلقيت على أعلام كبار كالمعرّي وعلى شعراء كبار كأبي تمّام.
– ونلاحظ أنَّ روح الدعابة, وهي من سمات الكتابة المسرحية, التي إمتاز بها إبن دريد؛ أنتجت هذا اللون القصصي الشفاف؛ الذي يُعدُّ نقلةً نوعيَّةً في النثر, ويمكن تصديق الآراء حول ريادة إبن دريد لهذا الفن.
– وقد تكون حكاية الإعرابي الذي خطب في المسجد الحرام لإبن دريد, هي الأساس الذي أُنشِأت عليه المقامات الهمذانية فيما بعد, وكذلك المقامات الحريرية, مع تحويرات يصطنعها الحريري للأغرض الفنيَّة, ومن يقرأ وصف المشهد وبلاغة الخطبة وطلب المساعدة بالكلام المسجوع لايشكُّ في مدى تأثيرها على الهمذاني والحريري؛ بل يمكن القول أن الحريري بنا مقامته الثامنة والأربعين (الحرامية) على نسق هذه الحكاية وإستبدل مفردات الخطبة, مع البلاغة والسجع والطباق والجناس المطلوبين في الخِطَب.


لنقرأ بعض الأمثلة من أحاديث إبن دُريد:
( مطلب تفسير ما جاء من الغريب في حديث البنات الثلاث اللاّتي يحببنَ من الأزواج)
( وحدّثنا أبو بكر محمد أبن الحسن إبن دريد قال: أخبرني عمي عن أبيه عن إبن الكلبي قال: قالت عجوز من العرب لثلاث بناتٍ لها: صِفنَ ما تُحببنَ منَ الأزواج؛ فقالت الكبرى: أُريُدُ أروَّعَ بسّاماً, أحذَّ مِجذاماً, سيِّدَ ناديه, وثِمالَ عافيهِ, ومُحسِبَ راجيهِ, فناؤه رحب, وقيادُه صعب.
وقالت الوسطى: أُريده عالي السَّناءِ, مُصمِّمُ المضاءِ, عظيمَ نار, مُتمِّمُ أيسار, يُفيدُ ويُبيدُ, ويُبدئ ويُعيدُ؛ هو في الأهلِ صبيّ, وفي الجيشِ كميّ, تستعبده الحَليلةُ, وتُسوِّده الفصَيلةُ.
وقالت الصغرى: أُريده بازلَ عام, كالمُهنَّد الصّمصام, قِرانُه حُبورُ, ولقاؤُهُ سرورُ, إن ضمَّ قَضقَضَ, وإن دسَرَ أغمضَ, وإن أخلَّ أحمضَ, قالت أمّها: فُضَّ فوكِ لقد فرَرْتِ لي عن شرَّةِ الشبابِ جزعةً.)(16) يندرج هذا النص ضمن حكايات النساء وسمرهنَّ, ومن هذا الكلام ما ورد في حكايات ألف ليلة وليلة.

يلي ذلك المقطع (مطلب أسماء الزوجة) وفيه شرح وأمثال وشعر, وبعده (مطلب ترتيب أسنان الإبل وأسمائها),و(مطلب أسماء الرجل يُحبُّ مُحادثة النساء,) و(مطلب أسماء الألوان وأوصافها) وفيه شعر وحكايات واخبار.
وهكذا فالمراوحة بين اللغة وتفسير الأسماء وبين الحكايات التي يرويها أبو بكر إبن دريد أو الأنباري. ومن أحاديث إبن دريد (تفسير الغريب في حديث الإعرابي الذي يصف النساء) ( وحدثنا أبو بكر بنَ دريد – رحمه الله تعالى قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمِّه قال: وصفَ إعرابيٌ نساء فقال: يلتئمنَ على السبائك, ويتشِحنَ على النيازك, ويأتزرنَ على العوانك, ويرتفقنَ على الأرائك, ويتهادينَ على الدرانكِ, إبتسامُهنَّ وميض, عن وكيعٍ كالإغريض, وهنَّ إلى الصِّبا صور, وعن الخنا نور.)(42) [سبق لي قراءة هذا النص في مصادر اخرى من بينها رسائل الجاحظ والبصائر والذخائر للتوحيدي. ش-ح]

تناول أبو علي في نوادره مُختلف الألوان القصصية, ولم يُقصرها على فنٍ واحد؛ فتطرَّق لبعض ما حصل في مجالس الأدباء مثل(مطلب في مجلس أبي عمرو بنَ العلاء بين شبيل بنَ عروة ويونس والفرق بين ألفاظٍ خمسة من رؤبة) فيقوم أبو عمرو بتفسير خمسة ألفاظ مشتَّقة من(رؤبة). ونقرأ حكاية المُشاتمة بين رجل وزوجته, وسبق أن قرأناها نصَّاً في إحدى مقامات الحريري, وقد حوّرها أبو محمد إلى مُحاكمة أمام القاضي (مطلب ماوقع بين رجل من العرب وزوجته من الخصام المُشاتمة.

حدَّثنا أبوبكر رحمه الله عن عبد الرحمن عن عمِّه قال: سمعت إمرأةً من العربِ تُخاصم زوجها و هي تقول: والله إنَّ شربكَ لإشتفاف وإنَّ ضجعتَكَ لإنجعاف, وإنَّ شملَتَكَ لإلتفاف, وإنكَ لَتشبعُ ليلةً تُضاف, وتنام ليلةً تخاف؛ فقال لها: والله أنتِ لكرواء الساقين, قعواء الفَخذين, مقَّاء الرُّفغين, مُفاضة الكشحين, ضيفُكِ جائع وشرُّكِ شائع.)

يقوم عمل أبو علي في كتابه على تفسير الأسماء. ولو أردنا ذكرها جميعاً لإحتجنا إلى شروح مطوَّلة في التفسير واللغة وما يوازيها من الشعر. لهذا إعتبر العرب الأوائل كتاب الأمالي من الكتب الأربعة التي تقف عليها اللغة العربية. وفي الشعر معانٍ ودلالات كانت ساريةً في المجالس وقد تلتبس على السامع مثل قول طفيل الغنَوي (أُناسٌ إذا ما أنكرَ الكلبُ أهلهُ... حموا جارهم من كلِّ شنعاءَ مُضلعِ ) والمعنى في أنكرَ الكلب أهله, أنَّ القوم إذا لبسوا السلاح وتقنَّعوا لم يعرف الكلبُ أهله. (وحدَّثني بعض شيوخنا إنَّ إبن حبيب قال: إذا ما غُزُوا فصار معهم أعداءُهم في ديارهم فتواثبوا أنكرهم الكلب لتغيّرهم عن حالهم. والشنعاء: الداهية المشهورة. ومُضلِع: شديدة..)(55-56).

كان تفسير الكلمات وإعرابها من مقوِّمات النسيج اللغوي الذي إعتمده أُدباء العصر العبَّاسي, ولم يكن هذا الإنشغال بعيداً عن التطوّرات التي رافقت إنتقال المُجتمعات الإسلامية من البداوة إلى التمدّن, وإتساع رقعة المساحة الجغرافية للحضارة الإسلامية, شرقاً وغرباً, وتمازج المجتمعات بأقوام جديدة لها لغات بلدانها, ولها مسمياتها وما يُطلق على عاداتها وطبائعها, وكان لتلك التطوّرات أثرها في إختفاء العديد من الألفاظ العربية, إن كانت أسماءً أو أوصافاً أو أفعالاً. وقد أدرك أُدباء ذلك العصر ضرورات العودة إلى الأصول اللغوية ومبانيها الشكلية ونطقها ودلالاتها وتصريفاتها.
ومن التطوُّرات المنهجية في علوم تفسير اللغة؛ وقوف الأديب على المفردة وشرح معناها ضمن سياق قصصي أو شعري, حتى وصلتنا تلك النصوص جاهزةً كما كُتبت لقرّاء عصرها في مواجهة الإضطراب والتفكك اللغوي.

وبهذه المؤلفات إستندت الكتابة العربية على أُسس مُعجمية راسخة أمام الجيل الذي خاطبته والأجيال التالية, رغم التطوّرات التكنولوجية وثقافة التواصل الرقميّة والمدارس الحديثة في الفن والأدب.

كما أثمر تطعيم المؤلفات بالنوادر والحكايات الغريبة والقصص المُسلِّية, في إنتاج مؤلفات كبرى كالرسائل؛ فكتب الجاحظ مستوحاة من هذه القصص الحكائية, كالبخلاء, والمُكدين واللصوص والعيّارين والقيان والمُغنين, ولا نستغرب شمول جميع الكتّاب بهذه التأليفات, بما فيها رسالة الغفران لأبي علاء المعرّي, وكل ما كتبه أبو حيان التوحيدي.

يمكن القول أن النثر العربي قد تحرر من لغة السلطة الرسمية المُنافقة, وإستلهمَ مادته وموضوعاته من الشعب, ليوّثِّق الحس الشعبي السائد في المدن العربية. ولا بد من الإشارة إلى مؤثرات البيئة الإجتماعية والجغرافية والطبيعية الحاضنة لتلك التأليفات وإنعكاساتهاى على ثقافات وأحاسيس مؤلفيها. فإبن دريد كالجاحظ والأصمعي وغيرهم من البصريين, تلقوا علومهم في البيئة المناخية الحارَّة, وفي مكان تتنوّع فيه الثقافات واللغات كتنوُّع الأنواء الجوّيّة. يقول إبن خلدون في مقدمته أنَّ سكَّان البلدان الحارَّة تنطبع أمزجتهم على المرح والطرب والغناء أكثر من سكّان المناطق الباردة. وقد ذكر ذلك صاحب كتاب " ما قبل الفلسفة" في دراسته للحضارات القديمة. إتَّسم العصر العبّاسي بالإنفتاح الإجتماعي الموازي لشدّة التناقضات, فقد إستوعبت العواصم الإسلامية, وخصوصا بغداد والبصرة, موجات التنوّع البشري, من جواري وغلمان وعبيد, وثقافات إجتماعية كالأندية البريّة وحانات شرب الخمور والملاهي والخانات وغيرها. في هذه الحاضنة الثقافية يقترب إبن دريد من الجاحظ والمدرسة البصرية, ويمكن ملاحظة أثره الكبير في مؤلف أبي علي القالي, فأغلب المرويات فيه ينقلها أبو علي عن أبي بكر بنَ دريد.
- يتبع-

فنان تشكيلي وكاتب
--------------------
هوامش:
(1)- أبو علي إسماعيل إبن القاسم القالي البغدادي, ولد بمنار جُرد من ديار بكر سنة 228هجرية, نشأ بها ورحل منها إلى العراق لطلب العلم والتحصيل وبقي في بغداد عقدين ونصف لينتقل إلى الأندلس بدعوةٍ من الخليفة عبد الرحمن الناصر, حتى وفاته سنة 350هجرية.
(2)- أبو بكر محمد بن الحسن إبن دريد الأزدي, ولد بالبصرة سنة 223هجرية توفي سنة 321هجرية. كان نابغةً في الأدب واللغة والشعر والأنساب, حتى قيل فيه أشعر العلماء وأعلم الشعراء, وله عدّة تصانيف منها كتاب "المطر والسحاب وما نعتته العرب الروّاد من البقاع" الذي يضمُّ ثلاثينَ حديثاً في صفات المطر والأنواء وتوقيتاتها) – الموسوعة- وكتاب"جمهرة اللغة" وكتاب "تعليق من أمالي إبن دُريد" وكتاب " الملاحن" في الأخطاء اللغوية. وكتاب" الإشتقاق" وكتاب " المُجتنى" وكتاب "الفوائد والأخبار". (نقلاً عن "الأعلام" للزركلي- موقع المكتبة الشاملة).
(3)- موسوعة غوغل.



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التراسل بين إبن القارح والمعرّي
- رسالة الغفران للمعرّي الكوميديا الإلهية العربية (3)
- رسالة الغفران الكوميديا الإلهية العربية (2)
- رسالة الغفران للمعرّي الكوميديا الإلهية العربية شاكر حمد
- الرواية الميتافيزيقية العربية (2)
- الرواية الميتافيزيقية العربية
- حسين عبد اللطيف والقصيدة السريالية
- لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي
- المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع
- المقامة بين الهمذاني والحريري
- الواسطي السارد التشكيلي للمقامات
- لذَّة النَص في الهامش
- تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية


المزيد.....




- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام
- في مرادخاني.. كابل القديمة تروي حكايتها من جديد
- تكريم الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في منتدى الفريق الإبداعيّ ...
- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
- من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل ...
- مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا
- تعيينه أثار جدلا واسعا.. استقالة مستشار إعلامي لنقابة فناني ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - نوادر البُلغاء