شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 00:18
المحور:
الادب والفن
شاكر حمد -*
الواسطي:- يحيى بن محمود بن يحيى بن كوريها الواسطي؛ رسّام وخطاط ومُذهِّب ومُزخرف.
ولد في واسط, لكن لا يوجد تأريخ محدد لميلاده ووفاته. وإستناداً إلى الصفحة الأخيرة من مقامات الحريري التي خطّها وزوّق حواشيها, وألحق نصوصها بالرسوم [المنمنمات] شرحاً مرئيّاً, يكون قد عاش في القرن السابع الهجري[الثالث عشر الميلادي كما سنرى] أي بعد وفاة الحريري بما تخطّى القرن من الزمن.
إن نسخة باريس من مقامات الحريري, هي الموثّقة بتوقيع الواسطي, تدويناً وتصويراً وأسلوباً, كما أسلفنا. وتُعرف هذه النسخة في المكتبة الوطنية في باريس بإسم (حريري شيفر- نسبةً إلى مالكها السائح الفرنسي شيفر الذي إشتراها من تاجر سوري, وتبرّع بها للمكتبة الوطنية. تحتوي المخطوطة على 94تصويرة في 99ورقة, مؤَرخة بخط الواسطي في الصفحة الأخيرة حيث ورد فيها:( فرغَ من نسخها العبد الفقير إلى رحمة ربهِ وغفرانه وعفوه يحيى بن محمود بن يحيى أبي الحسن كوريها الواسطي بخطِّهِ وصوَرهِ آخر نهار يوم السبت سادس شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة حامداً ألله تعالى..) – بتصرّف عن عيسى سلمان: الواسطي رسّاماً وخطّاطاً ومُذهِّباً ومُزخرِفاً –
يدل الفارق الزمني بين زمن التأليف وزمن كتابة المخطوطة وتزويقها, على شهرة المقامات وكثرة نسخها, في بلدان العالم الإسلامي, وقد أشرنا إلى ذلك في بحث سابق عن هذا الموضوع, فقد ظهرت نسخة مُصوّرة للمقامات في متحف بطرسبورغ, مؤرّخة بعام 626هجرية 1225ميلادية وفيها رسم لفنان غير الواسطي, والإختلاف واضح بين الأسلوبين (كما ظهر في ملحق المقامة المروية- نسبةً إلى مرو-).
رسمَ الواسطي ما يُمثِّل المخططات التفصيلية لأحداث المقامات؛ إبتداءً من الشخصيات, في أوضاعها التمثيلية, وأدوارها, وحركاتها, وأوضاعها النفسية, وأزيائها الدّالّة على مراتبها الإجتماعية, كما وصفت في نصوص المقامات, واضعاً نصب عينيه على مكونات كل شخصيّة رئيسية كانت أو ثانوية. فالمعروف أن المقامات تكوّنت من تركيب ثنائي أوّلي؛ يعتمد على شخصيتين ثابتتين في جميع المقامات؛ وبحسب تقسيمات البنيويين للشخصيات في الحكاية, نُصنِّف هاتين الشخصيتين ضمن الشخصيات الفاعلة, المُدوَّرة, الرئيسيّة. أي صنف أبطال الحكايات.
في نفس الوقت تظهر في كل مقامة شخصيات ثانوية, مُتواصلة في الحدث والصراع وتختفي هذه الشخصيات مع إنتهاء أحداث المقامة, ولا تتكرر في الظهور.
الشخصيتان الرئيستان: هما أبو زيد السروجي, والحارث بن همّام. الأول هو بطل الحكايات وله مواصفات جسمانية وسيميائية ثابته, يمكننا التعرّف عليه في أيّة مقامة يظهر فيها ضمن جمع من الشخصيات المُشاركة أو العابرة, كالأدباء, وجلساء اللهو والمناظرات, أو في الظروف الزمانية والمكانية, وإختلاف الأنواء الجوّية. وأهمّ ما في الشخصيّة, تقلباتها المزاجية, وإحترافها الكدية, ومتطلبات هذه المهنة المعروفة بالحيَّل والدهاء والتمثيل, كما وردت في رسائل الجاحظ؛ فظهر السروجي, بوجه مائل للحمرة, سكّير بعينين زرقاوين ولحية بيضاء, وقد رصدنا تكرار هذه الملامح الشخصانية, في ثلاثة نصوص كبرى, فقد سبق للهمذاني, في مقاماته, أن حدد ملامح أبي الفتح الإسكندري بهذه الصفات, وظهر أبوالقاسم البغدادي, بطل التوحيدي, بهذا الوجه وهذه الشخصيّة [ وهي ملامح التوحيدي كما يصف نفسه] وأُعيدت الصورة في شخصيّة أبي زيد السروجي. ويمكن الإفتراض أن الشخصيات الثلاث خضعت لعملية إستنساخ, أساسها الأول عند الهمذاني, ثمَّ أملتها ظروف التقليد للأغراض الفنيَّة الموافقة لخطاب عصر كتابتها.
تأتي متابعتنا للشخصية من خلال مسايرتها في رسومات الواسطي, والعودة إلى الأصل السيميائي المُحدد لها في النص, فقد سبق للواسطي أن حلل الشخصيّة النصيّة, في أحوالها النفسية الحقيقية, وتقلباتها المزاجية, والظروف التي أحاطت بها, وبزعمنا أن هذه الشخصيّة لم تكن إفتراضية بالكامل, بل وجدت في الواقع, وقد يكون الواسطي إستعان بها, بصفة موديل, لإنتاج الصورة السيميائية الثابتة لها, وينطبق ذلك بنفس الدرجة من التشخيص على البطل الثاني وهو الحارث بن همّام كما سنرى.
الشخصيّة الثانية؛ المُستنسخة من راوية الهمذاني عيسى بن هشام, وراوية التوحيدي المُطهَّر الأزدي؛ هي شخصية الحارث بن همّام راوي الحكايات, ومُشارك في الصراعات والتمثيل وإصدار الأحكام ومراقبة الأحداث, وكما صوّره الحريري, كشخصيّة تاجر, فقد حافظ الواسطي على شكل وهيئة وملامح هذا التاجر؛ فأظهره بسن أقل من الشيخ. نراه في جميع المقامات بلحية سوداء, وهندام أنيق, أو على الأقل غير رث, حتّى في المقامات التي عانى فيها من مصاعب مالية, وديون وتشرّد في المدن والصحاري, وفي الظروف التي يُلاقي فيها أبا زيد السروجي. كما حافظ الحارث على بنيته الجسمانية الى آخر المقامات؛ جسم نحيل وقامة أقرب للقصر, ويمكن الزعم هنا بفرضية الموديل الذي نُقلت عنه. إن فرضية الموديل في الرسم مطلوبة بشكل حرفي, لدى الرسامين المُكلفين بإنجاز أعمال ذات مواصفات مُحددة تتطلب التجسيم والتشريح والمحافظة على الملامح وتكرارها في أعمال أُخرى, وهذه المعايير تنطبق حرفياً على عمل الواسطي في المقامات. وقد رصدنا إختلافات في مظاهر شخصية أبي زيد, في بعض المقامات, سنأتي على ذكرها.
هناك الشخصيات الثانويّة, ومنها شخصيات ذات سلطة كالأمراء والولاة, وشخصيات النساء والغلمان, والخدم والعبيد والجواري, فلكل مقامة حكاية من شخصيات ومكان وزمان ومؤثثات لحدث مُعيَّن. الشخصيات مهما كانت أدوارها, تظهر في الحركات المُعبِّرة عن تلك الأدوار. تتميَّز الشخصيات الحاكمة بالأزياء الخاصة بمكانتها الإجتماعية والوظيفية, وتمتاز بالوقار المُناسب, والكبرياء, فيما يظهر أبو زيد, في المواقف الضعيفة, كطلب المساعدة, بما يناسبه من الرثاثة وفقر الحال. أمّا النساء فيختلف ظهورهنَّ حسب الدور المرسوم في المقامة, فقد ميَّز الواسطي ملامح الشخصيَّة النسائية بالمكياج والزي والحركة, وكل ما يُنمّي الشخصية بالعلامات؛ يقول الحرث بن همّام, في المقامة التبريزية (فبينما أنا في إعداد الأُهبة, وإرتياد الصحبة, ألفيت بها أبا زيد السروجي, مُحتفّاً بنساء, فسألته عن خطبه... فأوما إلى إمرأة منهنَّ باهرة السفور ظاهرة النفور..) أي أنَّ المرأة[زوجته] تزوَّقت بالمكياج الدال على شخصيتها. والموقف أن أبازيد حضر محكمة تبريز مدّعياً على زوجته أنها تأبى عليه الفراش.. في المقامة حوار مطوَّل وتعابير مجازية ترد نثراً وشعراً.
ونلاحظ جميع هذه التفاصيل, بما في ذلك فُحش اللفظ الذي إستنكره القاضي, قد صوَّرها الواسطي على وجه إمرأة شابّة, برفقة إمرأتين يتقدمهنَّ أبو زيد مؤشراً بيده أمام القاضي, بينما جلس الحارث إلى يمين القاضي على جانب من مقعد وثير[قنفة][ نلاحظ تصوير الواسطي لهذا النوع من المقاعد, وطريقة الجلوس في عدد من مقامات المرافعات القضائية]
في المقامة الحادية والثلاثين الرملية, والموقف دار القضاء في الرملة, وحضور أبو زيد وزوجته الشابّة الجميلة للترافع أمام القاضي.. يقول الحارث بن همّام عن إستمتاعه بالسفر وإستملاحه المصادفات والأعاجيب, (ومن أعجب ما إستملحتَه أن حضرت قاضي الرملة, وكان من أرباب الدولة والصولة, وقد ترافع إليه بالٍ في بالِ[السروجي] وذات جمالٍ في أسمال[الزوجة].), الزوجة شابّة وجميلة يهيمن عليها الفقر, والزوج طاعن في السن وفقير الحال. وبسبب الفقر إمتنع الزوج عن المعاشرة والإنجاب. الموضوع مسرحي بإمتياز بحثناه في كتابنا (مسرح المقامات).
صوَّر الواسطي هذا الموقف مُكرراً مشهد التبريزية, وحذف الشخصيات الزائدة, فظهر أبو زيد بحركة مشابهة في مخاطبة القاضي, الذي رُسم مواجهاً وإلتفت إلى أبي زيد وخلفه الزوجة, بينما إحتفظ الحارث بوضع الجلوس السابق إلى يسار القااضي, وعلى مقعد مشابه.
وهناك أدوار نسائية؛ تُظهر المرأة المُكديَّة, مثل المقامة البغدادية, وهذا الدور يحتال فيه أبو زيد, بزي إمرأة عجوز, بصحبة مجموعة من الصبيان, وعلى نسق هذا الدور, ظهور أبو زيد مُتعامياً في المقامة البرقعيدية, تصحبه إمرأة عجوز, ويمرران أُحبولة مُتقنة من أحابيل المُكدِّين المعروفة. في هذين الدورين, يرسم الواسطي نمط الشخصية بالزي الملائم وتقدم العمر, وإنحناء الظهر, والعرج في المشي, والعصا باليد. مع ذلك رصدنا فوارق في رسم الشخصيَّة الواحدة أثناء إعادة تأويل الحكاية في تصاوير إضافيّة. من ذلل أن أبا زيد, الموصوف بأنه كهل بلحية بيضاء و بوجه مائل للحمرة من أثر الخمرة, نجده شابّاً دون الثلاثين على التقدير, في مقامتين هما البصريَّة في الموقف الختامي منها ومن المقامات, ويُفترض أن يكون شيخاً هرماً, والمقامة الدمشقيّة التي يظهر فيها كما وصفه النص ( ميسمه ميسم الشبّان. ولبوسه لبوس الرهبان. وبيده سبحة النسوان, وفي عينه ترجمة النشوان.), فنرى إلتزام الواسطي بحرفيّة النص دفعه إلى رسم شخصيَّة السروجي بهذا الشكل والعمر, وعلى رأسه قلنسوة مخروطية الشكل وعليها أشكال متقاطعة باللونين الأبيض والأحمر, وهي علامات أزياء الرهبان, مرتدياً طيلسان [الرداء الشبيه بالعباءة] بالغ الثراء والرقَّة؛ ثوب بلون قريب من البياض, يُغطي جسمه من الكتفين إلى القدمين, ونلاحظ في هذا الرداء[ الطيلسان] إنسيابية الطيّات والنقش على الكميّن العريضين, والواضح هنا سلسلة الشرائط المعقودة على شكل أزرار, تقفل الرداء من الأعلى إلى الأسفل, ويظهر أنها من حرير أو إبريسم,
وتحت الرداء ظهرت الجلابية الداخلية بلون ذهبي, مع النقش المطلوب. أصل الحكاية ان أبا زيد يتظاهر بأنه لُقِنَّ في المنام (كلمات) يستطيع بموجبها أن يخفر القافلة العائدة من دمشق إلى العراق, لأنهم كانوا ينشدون مَن يقوم بهذه المهمَّة, وقد قرأها السروجي في وجوههم وسمعها منهم,
كما يروي الحارث الذي كان من بين الركّاب, وبعد نجاح الخطة, بوصول الجميع بسلام يختفي أبو زيد,
فيمضي الحارث بحثاً عنه ليجده منزوياً مع ندماء شرب في إحدى حانات عانة[ المدينة المعروفة في غرب العراق], يقبض عليه ويُشاركه في السمر وقضاء السهرة. يواصل الواسطي سرد المقامة تشكيلياً, مُتخيّلاً اللحظة التي يُباغت فيها أبا زيد ويقبض عليه, وفي تصويرةٍ ثانية يُشاركه الجلسة والشرب. التصويرة الأولى تُصوّرجلسة في فضاء شبه مفتوح, التشكيل مزدحم بالعناصر والمفردات المطلوبة في جلسة اللهو مثل قِرب النبيذ والكؤوس والأواني والآلات الموسيقية.
ظهر الشيخ بيمناه كأس النبيذ, ويمكن ملاحظة ثلاثة أرباع الكأس باللون الذهبي, لون النبيذ, بينما ظهر الجزء العلوي من الكأس باللون الأبيض, ودلالة اللقطة أن الشيخ شرب من الكأس, إلى يمين الشيخ عازفة العود, إلى جوارها تقف مغنية, وجارية ترفع كأس النبيذ, شبيه بكأس الشيخ, عامل الزمن في العلامات, الجارية الرابعة تعزف بالطبل, وجلس في المقدمة صبي بثوب أحمر يعزف بالناي.
في الجانب الأيمن من التصويرة يقف الحارث, مُتلصصاً, مذهولاً من المفاجأة.
تستوقفنا في هذا الجزء من المقامة رؤية الواسطي للمكان وللبلدة المسمّاة عانة في ذلك الزمن؛ هل هي عانة المكان الجغرافي؟ أم هي المكان الإفتراضي السردي؟ لانجزم الجواب على الفور, فالمدينة تتوسط طريق القوافل القادمة من الشام إلى بغداد, ويُفترض أن تكون محطة إستراحة في زمن كتابة المقامات, كحال الأديرة المنتشرة في العراق, لأغراض مماثلة.
وسنبحث ذلك في موضعه ووقته المناسب.
الشاب الذي رأيناه في طريق القافلة, نجده شيخاً مُطابقاً للشخص الموصوف في جميع المقامات.
التصويرة الثانية تُصوّر الحانة من الداخل, أي بعد التلاقي بين الحارث والسروجي, وقضاء السهرة معاً.
المبنى من الداخل مكوَّن من طابقين. هذا التصميم بالشكل الرمزي, يكرره الواسطي في مقامات أخرى, . وبإختصار هو فناء داخلي أرضي تعلوه [طبقة] خشبية كما هو سائد الآن في أندية و مطاعم بغداد والمحافظات. يستغل الواسطي مساحة الورقة ليملأ هذا المكان المربع منها, تاركاً بعض الحواشي للنص موضوع الرسم.
المنظور الداخلي لمعمار مبنى خشبي من طابقين, مع متممات الهياكل والمقرنصات والنقش على الخشب, وزخرفة الحواشي والأركان, مع ذلك إلتزم التشكيل بالخصائص الرمزية للمدرسة البغدادية في التصوير, فالمشهد مُصمم بمنظورين, داخلي كما وصفنا, وخارجي يُصوّر المخططات الخارجية للهياكل فتظهر السقوف وأنصاف القباب وما فوق المبنى. بينما أحاط الواسطي فضاء الورقة بسطور كتابية في أعلى الورقة وأسفلها, وسطر مُتعرِّج ينزل من الأعلى إلى الأسفل.
الحارث وأبو زيد يتوسطان الطابق الأرضي[ مكان التشريف] إلى يمين الشيخ جارية تعزف العود, إلى يسار الحارث جارية تنقر بالدف, تقابلها جارية سوداء ترقص؟, وزبائن يشربون, وجواري يُقدمنَ المشروبات. يكتنز التشكيل بالتفاصيل المؤثثة للمكان و الضامنة لتبيان وظيفة المكان وطابعه الترفيهي؛ آنية الشرب, من قِرَب وزجاجيات وكؤوس, ونلاحظ إجتماع الرجال والنساء في المشهد, ويلفت الإنتباه تلوين الملابس, فالجميع, رجالاً ونساءً يرتدون الثياب المزركشة المُشجّرة المُذهَّبة, ولا أثر لتقييد في الإختلاط, ولا أثر للثياب السود ولا الحجاب أو النقاب؛ جميع التفاصيل تتحرّك بإيقاع موسيقى داخلية, نسمعها بالرؤية.
في الزاوية مشهد يتواصل مع الفضاء الصاخب بالحركة والمجون؛ جارية ترفع قربة الشراب إلى زميلتها في الطابق الأعلى, لتخدم به إثنين يشغلان هذا المكان.
نلاقي مشهداً شبيهاً لجلسة القرية البريَّة, وذلك في التصويرة المرسومة للمقامة النحويَّة [القطيعية]؛ المكان قرية ريفية, يؤكِّد الواسطي على ذلك بتفصيل العناصر, فهنا أشجار وأعشاب وفي خلفية المشهد شخص يرفع عصا على ثورين يدوران حول ناعور لسقي المزروعات. الجلسة ترفيهية تتحوّل إلى مُناظرة في النحو. حشد من الندماء من الجنسين. وسط الجلسة مائدة, وجارية تعزف العود, وخليط لوجوه نسائية وغلمان ورجال بلحى بيض بينما الشيخ يقف في الزاوية قبل المشاركة في الجلسة.
والحضور أكثر عدداً مما ظهر في المقامة الدمشقية, ويمكن حساب العدد الكلي للشخصيات بأربع عشرة شخصيّة بما فيهم الشيخ. أشرك الواسطي جملة من العناصر الطبيعية, كالأغصان وفروع الأشجار والنباتات العشبية, بالتناغم مع حركة الأشخاص وحشد المجموعات الملوَّنة, كما أن الجزء العلوي من التصويرة خُصص لموضوع سقي المزروعات, فأظهر الرجل بيده عصا وأظهر الثور الأبيض بقرنين ينتصبان كالهلال إلى الأعلى, وعلى رقبة الثورعقدة الحبال, وبرز مقطع جانبي لرأس الثور الثاني, من خلف دوّامة الناعور السوداء.
يعطينا الواسطي كشفاً تفصيلياً عن عالم المرأة في العصر العبّاسي في مجموعة تصاوير تؤكِّد حضور النساء في المناقشات والمناظرات الثقافية والسياسية, فضلاً عن الجلسات الترفيهية المُختلطة في الأندية المُغلقة منها أو المكشوفة في البر. للواسطي رؤيته الفكرية لطبيعة العلاقات في زمنه أو زمن كتابة المقامات. فالمقامة تُشير إلى جلسة لأدباء في الطبيعة, وهي إشارة لا تحديد فيها لعدد وجنس بشكل مطلق, من ذلك المقامتين الدمشقية والنحوية, مع ذلك يُصوّر الواسطي مجمل الجلسات التي رسمها بنقل الواقع كما هو, ونستنتج منه حضور النساء في كل المناسبات مع الرجال.
في المقامة الدينارية وموضوعها الدينار الذي ربح فيه أبو زيد مرتين, مرّة بمدح الدينار ومرّة بذمّه, نرى في التصويرة أربعة رجال تتوسطهم إمرأة, بينما وقف أبو زيد في جهة اليمين من المجموعة, في اللحظة التي فاجأ الحاضرين بتطفله عليهم.
في التصويرة تمييز إستثنائي للمرأة, أظهرها الواسطي في مركز التكوين, وبشكل واضح, وبثياب رقيقة, تجمع مابين البياض والتطريز الذهبي, تمييزاً لها عن أزياء الرجال مختلفة الألوان. وجوه الجميع تلتفت صوب السروجي الذي باغتهم بتطفله.
أظهرت بعض التصاوير مشاركة النساء في المناظرات والخطب في دور الإمارة.
في المقامة الرازيّة يحضر الحارث إلى ديوان الإمارة, مدفوعا مع الجماهير لرؤية الواعظ المُتكلِّم, يقول الحارث( حتى أفضينا إلى نادٍ حَشَد النبيه والمغمور. وفي هالته, ووسط أهلَّته شيخٌ قد تقوَّس, وإقعنسسَ, وتقلنَسَ وتطلَّسَ..), هو أبو زيد السروجي, وكان الوالي حاضراً الجلسة, و الديوان مُكتظ بالجمهور, من كل الطبقات والأجناس, كما توضِّح ذلك التصويرة,؟
تناول الواسطي وقائع الجلسة من زوايا مُختلفة, في عدّة لقطات,
التصويرة المميَّزة لهذه المقامة, تلك التي تشغل صفحتين, تُظهر الصفحة الأولى مشهداً يظهر فيه الأمير جالساً في الطابق المشرف على الفناء مُحاطاً بحرسه ومرافقية. هذا الجزء العلوي, صممه الواسطي بشكل رمزي, شبيه بالمقصورة الخاصَّة بالوالي أو مَن يحضر معه.
وفي القسم الأسف من التصويرة نشاهد الحشد الجماهيري, جلوساً ووقوفاً, وبعض الفرسان, تتجه أنظارهم إلى جهة اليمين ليستمعوا إلى خطبة الواعظ السروجي. نستطيع أن نُميِّز الوجوه بين رجال وفتيان ونساء. ونستقرئ الصمت المُذهل في الوجوه, ولذلك صلة بالخطبة والخطيب, فالرجل مُتكلِّم وجريء وقد إعتاد الناس على سماع مواعظه البليغة.
الصفحة الثانية لهذه التصويرة أكثر تفصيلاً وتقريباً للمشهد.
في القسم العلوي من المكان [مقصورة] يشغلها صف من سبع نساء جلسن على الأرضية بوجوه مكشوفة وأزياء باذخة في ألوانها وزخرفتها, ودلالة ذلك الطبقة الإجتماعية من المجتمع, فالنسوَة من سيدات القصر.
على النسوة ما يشبه المُلاءات الملوّنة المُزركشة المُطرّزة بالذهب, تتهدل من أعلى الرؤوس إلى باقي الجسم.
تهمنا تفاصيل هذا التكوين الأفقي للمجموعة النسائية؛ السيدة الأولى من اليمين جلست على دكّة خلف المجموعة وبحجم أضيَّق في الساحة دلالةً على مرتبتها الإجتماعية الثانوية, فقد تكون خادمة أو قهرمانة, كما وضعت على وجهها نصف نقاب شفاف كالزجاج يغطي الجبهة والعينين. السيدة الثانية بالزي الأحمر المُشجَّر؛ يغطي أعلى الرأس وباقي الجسم, وعلى الجبهة والعينين نصف نقاب شفاف, السيدة الثالثة بثوب مشابه بلون فاتح مع التشجير, بدون نقاب, السيدة الرابعة بثوب بنفسجي مُشجَّر, ونصف نقاب يُغطي النصف الأسفل من الوجه؛ ويمكن الإعتقاد بأن هذه سيدة القصر لتوسطها الجلسة. النسوّة أخفيَّن أيديهنَّ تحت الملاءات. السيدة الخامسة تميَّزت بالملاءة الذهبية المشجَّرة, وعلى رأسها مايشبه القلنسوة الذهبية, وظهرت بحركة إنتباه للخطيب, وهي تسند وجهها بيدها اليسرى, كاشفةً وجهها بدون نقاب. وقد تكون إبنة السيدة السابقة, بحكم جلستها إلى يمينها, وفخامة الزي الذي ترتديه.
السيدتان السادسة والسابعة ظهرتا بنفس المواصفات للأزياء, وبوجوه مكشوفة. ويمكن ملاحظة أن مميزات الجمال وبياض البشرة, والمكياج, شمل النسوة جميعاً, وظهرت الفتيات الخامسة والسادسة والسابعة أحدث سنّاً من الأخريات؛ فهنَّ بنات القصر.
في القسم الأرضي حشد من الرجال والنساء جلوساً على الأرض, فيما جلس ثلاثة رجال على مسطبة. الجميع يستمع لآبي زيد الذي جلس على مُدَّرج المنبر مؤشراً بيده اليمنى, وبسبابته كعادة الخطباء في توظيف لغة الإشارة مع الكلام.
الملاحظ هنا أن أبا زيد ظهر بلحيةٍ سوداء, على غير المواصفات التي أنف ذكرها, أو التصاوير المرسومة له.
لغة الزخرفة والنقش تنطق في هذه المنمنمة وبشكل خاص أزياء النساء, وزخرفة الزجاج على مدرجات المنبر. – يتبع-
*- فنان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟