أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)















المزيد.....


[ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


– شاكر حمد -*

في شكل اليد الإنسانية وحركتها, أبجدية علاماتية مرئيَّة تحمل الرسائل التخاطبية بين البشر, تبدأ من التعبير عن القلق الداخلي وتنتهي بمقابلة صورة الموت. يتجلِّى في المباني الشعرية, لمحمود البريكان, إنشغال خاص في توظيف لُغة الإشارة للتخاطب والبوح الذاتي, والوصف الإستعاري, الأمر الذي يُذكِّرنا بمؤثرات التقنية المونتاجية في نقل الصورة الشاملة, للحقيقة والواقع, عبر اللقطات الجزئية, فحقيقة الموت راسخة لاتقبل الجدل, الدّال فيها صورة أيدي حفَّاري القبور, والمدلول السطحي هو الموت, أما المدلول العميق فهو الحياة, الممثلة بالسلسلة التفاعلية من النشاطات اليومية, الحرفية والتشكيلية والموسيقية, والمواهب العقلية للكائن الإنساني, وهكذا تصبح الصورة الظاهرية ناقلاً للكمونات العقلية والظواهر الوجودية.

تأثرت نصوص البريكان بالتقطيع السينمائي في اللقطات المُنفردة لصورة اليد, وكما رسمها الرسامون من العصر الوسيط إلى فان كوخ وسلفادور دالي. فالتركيز على شكل اليد وحركتها, يُفسِّر أجناس الشخصيات وأعمارها وأوضاعها الإقتصادية؛ أي كمون المعاني العميقة المُشار إليها آنفاً. والمقصود أنها علامات تروي وتسرد وتشعر, وهذا الإعتقاد يُقرِّبنا من التفسير البنيوي للعلامة, وتحديداً مقترحات غريماس حول سيميوطيقيا العلامة.
صنَّف غريماس العلامات إلى ما يربو على ستين علامة سيميوطيقية, إنطلاقاً من تقنيات التعبير وصولاً إلى الوظائف, فهناك سيميوطيقيا الشعر, وسيميوطيقيا الأدب, وسيميوطيقيا السينما, وسيميوطيقيا الإعلام... إلى آخره. ومع الإعتراف أن بعض الفلاسفة إعترضوا على منهج غريماس (الذي إعتبر الإنسان علامة), إلاَّ أن إخضاع الصوَّر الشعريّة- في شعر البريكان تحديداً- يتوائم مع منهج غريماس. إن تحليل الشكل البنائي للمفردة والجملة والنص الجزئي, بنيوياً يقترب في الغايات والأهداف من التحليل الماركسي, فالصورة التجريديَّة, لابد أن تنشأ من أصل إجتماعي وإقتصادي وفلسفي, وتعكس جانباً من ديالكتيك الوجود, ومن التأريخ والمُجتمع.(بالنسبة إلى الفلسفة الماركسية في النظرية, يعتبر غريماس إن ذلك يتعلَّق أولاً ب" نسق مرجعي" يُحدد من خلاله الباحث وضعيته, فهي إطار إبستيمي لايمكن تأريخياً تجاوزه, لذلك فإن "الأفكار" الماركسية التي يُمكن أن " تتلاقى" داخل السيميوطيقا تُفسَّر, أساساً, في إطار الديالكتيك الإبستيمي, ولا شكَّ أن غريماس تحدَّث عن الممارسة "الجدلية" وغيرها من المفاهيم.. " النفي".. "التناقض".)- عبد المجيد نوسي- ترجمة وتقديم لكتاب غريماس: سيمياء السرد- ص 21-

للصورة الشعريَّة أغراض, بما فيها الصوَر التجريدية والميتافيزيقية والسريالية. فالأغراض من مظاهر البنيات الفوقية للصراعات الإجتماعية في كل عصر, ولكل عصر أغراضه وأشكاله الموائِمة لتركيبة المُجتمع. فالشعر الملحمي مثَّل صورةً شاملة لعصر الأساطير اليونانية القديمة ولفلسفات ذلك الزمن (جدل المثاليات). ولا نحتاج إلى تكرار شعر القبائل العربية, في مراحل صعوده وهبوطه كما هي معروفة. هبطت الأغراض القبائلية في العصر العبّاسي, وتوالت التغييرات في الشكل الفني وصولاً إلى التجريد. يُجمع المستشرقون وفلاسفة الشرق والغرب على أن الحداثة بدأت في القرن الرابع الهجري في بغداد والبصرة والكوفة والأندلس. , بصعود النثر على حساب الشعر, وكان ذلك الأصل التمهيدي لقصيدة النثر في عصر التناقضات الإمبريالية.

البريكان من شعراء المرحلة الإنتقالية, من الرومانسيَّة التشاؤمية (رثائيات داحس والغبراء) إلى التجريد التشاؤمي (أفلام هيتشكوك وسرياليات سلفادور دالي). إعتمد في لمساته التصويرية على اللونين الأبيض والأسود, وعلى المرئيات الضبابية من خلف الحواجز والسطوح الزجاجية المُعتمة, والمرايا غير الصافية, وقد شرحنا ذلك تفصيلاً في أبواب أخرى. يضع البريكان يد على القلم وعين على الواقع. وفي المراوحة بين الفكرة و التجلّي تتسرَّب موجات التأثير من السينما والفنون التشكيلية. جدلية النشوء والإرتقاء ثمّ التلاشي والإندثار, تنسحب على سيرته الشعرية بكاملها, من القصائد السياسية إلى قصائد الكون والفيزياء والتفاعلات الكيميائية.
إبتدع البريكان نظام النص المُفكك إلى نصوص قصيرة, والصورة الشاملة كالفلم السينمائي إلى لقطات مُختلفة الزوايا, من المنظور البعيد, البانورامي, إلى التقريب المجهري. إن هذه التقنيَّة تتطلَّب البحث في خيارات تفضيل وإختيار. في السينما قد تستغرق لقطة مئات المرات من الإعادة وصولاً إلى الإختيار الأمثل. أزعم أن البريكان لم يفلت من متاعب هذه المُعاناة, بل أعتقد أنها أهم أسباب إنطوائهِ على سيرة مُحددة من الإنجاز الشعري, إضافةً إلى أسباب أخرى.
نعود إلى منظومة الشاعر في إختيار نظام السلسلة المونتاجية. القصيدة كيان من التفاعلات المرئية والمحسوسة والمُدركة عقلياً. المرئي تنظيم تعاقبي من العلامات, كما مرّ بنا, فقد تكون العلامة مكانية, وقد تكون زمانية, او وجودية كونية, أو إستذكارية, وقد تكون ماديَّة فيزيائية كالذرّات والفقاعات والعوالم المجهريَّة, وما زلنا نعتقد بفاعليَّة الخيال العلمي فيها. هناك البؤرة المركزية للصورة, فالبؤرة منظورة من عدة زوايا ومستويات نظر, من الأمام, من الخلف, من فوق, من تحت, من السماء, من الأرض, بل من زوايا زمنيَّة؛ اللقطة اليوم, وصورتها بالأمس والأمس البعيد, وصورتها غداً؛ ولادتها, صعودها, ثمَّ إندثارها وتلاشيها. هذا التحوُّل في لغة المُصوّر, وحرفيَّة الكامرة المحمولة طبَّقه البريكان في قصيدة [الأيدي]؛ لقطات من زوايا مُختلفة لبؤرة مركزيّة واحدة, هي اليد البشريّة. في السياق لغة إشارية, مرئية, عن النشاطات الإنسانية؛ جدلية الحياة والموت, وبشكا خاص, الفن والجمال. لكن الزمن التشاؤمي يتغلغل فيها:
(تأمل الأيدي تُخبرك بالكثير.
إقرأ خطوطها العميقة عمق الزمن
راقبها كيف تنفتح وتنغلق
وتتعانق وتتباعد
وتُحب وترفض
وكيف تُلقي ظلالها
ظلال الحزن
الأيدي تقصُّ قصتها:
أيدي الشيوخ الطاعنين, المُتشبثَة بمساند المقاعد
تشبثها بالأيام الأخيرة
أيدي العجائز المُرتعشة كأنها تعرضُ تذكاراتها
وتخشى عليها السقوط
أيدي العشّاق التي تضطرب قليلاً.).
كم صورة وكم وظيفة لهذا المقطع؟
- صورة الزمن مرسومة على الأيدي.
– صورة الحياة النابضة بالحركة والحب والعشق.
– صورة الإنسان في تشبثه بالحياة, في حالة الإنسان المُسن الذي يتشبث بالأشياء القريبة منه, تشبثه في الزمن الأخير من حياته. أمّا المُضمر من الوظائف فهو ما يتخيَّله القارئ في أعمار الشخصيات وأشكالها وهواجسها من خلال تضاريس وحركات أياديها. فهنا الشيوخ من الجنسين وهنا الشباب وعلاقات الحب. في مُجمل القصيدة أنضاد من الصوَر الحركية والتشريحية والتشكيلية سبق أن قرأناها في الجزء الأ ول من هذا المقال.


نلمس المراوحة الجدلية, بين الشاعر والراوي والشخصية المُكافِئة, في إعترافيات مماثلة للشاعر محمود البريكان, حيث يستدعي الزمن المُستقبلي على يدية, والأمثلة وافية نقتطع منها هذه الصورة المنطوقة بالحوار في ختام القصيدة التي عنوانها (البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد) :
(هذا الرميمُ
متى يتحرَّك؟
هذي العروق
متى تتدفق بالدم؟
هذي اليد الذابلة
متى تتحررُ من موتها؟
متى يالإهي؟
متى؟.).

يُنمِّي التكرار لصورة اليد البشرية, منظومة علاماتية مُتعددة الأشكال (الدوال) ولكن بمعاني ودلالات مُختلفة. في الجانب التشريحي مسارات زمنية, إعترافات عن تراكمات ومشاريع وإحباطات بطول الحياة, وعلى تضاريس اليد يقرأ العرّافون ماكان ويتنبأون بالذي سيحصل.
ذات يوم إكتشف نزار قباني أسرار الحُب في حضرة (قارئة الفنجان). وشخَّصَ محمود البريكان صورة اليد لتروي إعترافاته؛ صيَّرها إستعارة عن تمدد الزمن ثلاثي الأبعاد, فهي الأنا البلاغية الشعرية وهي الآخر المُتلقي, وهي الموضوع في الإطار الزمكاني المُحدد.
ثمّة فارق بلاغي واسع بين القول (أنا أبكي) وبين (يداي تبكيان) والتثنية أبلغ من التفرّد.
تثنية المُخاطب في الشعر العربي مزدوجة التشفير, فقد تتضمَّن الضميرين الأول والثاني, وقد تشمل الضمير الثالث. وقد تعني إنشطار (الأنا) إلى شطرين كما في حالات البكاء على الأطلال (قفا نبكِ) وما بعدها. البريكان من شعراء أطلال عصر الإمبريالية, فالكارثة الكونية ذات طبيعة فيزيائية شاملة.
هناك حوار الأسئلة متى وكيف ولماذا وأين. أسئلة ومحاورات تجعل المعنى يقترب من منطقة الضوء وينحسر, فنرى المراوحة تتنقّل من منطقة الإعتراف الرومانسي إلى الفضاء التشكيلي السريالي والميتافيزيقي, وبعد ذلك عودة للمعنى الديالكتيكي للكلمة في تركيبتها القاموسية.
يصف الشاعر في قصيدة بعنوان (إحتفاءً بالأشياء الزائلة) صورة العائلة من أب وأم وطفل فيقول:
(أربعُ أيدٍ
تمتد إلى دفءِ النار معاً
وعيونٌ أربع
تتأملٌ طفلاً في مهده)
إن تحديد الأيدي بالعدد أربعة يُضفي على الصورة لمسة الغموض السحريَّة, فضلاً عن ذلك تشابك العناصر؛ الأيدي والطفل. فالتشابك يُفيد برابطة أسريّة؛ أسرة صغيرة ويتطلب إكتمال المشهد إضفاء لمستين عن الزمان والمكان, وقد أكمل الشاعر فضاء العلاقة بالزمن الليلي, وفصل الشتاء في اللقطة الجانبية لوجود الموقد. ثم أكمل الصورة بعناصر الربط المنطقي للعائلة فأضاف المائدة (من زاد الفقراء) [كُتبت القصيدة في آب 1993- بدء الحصار على العراق], وأضاف الموسيقى الهادئة, فنستذكر ثنائية الشاعر (كما هو) والكائن القرين بصفته إستعارة وضرورة شعريّة؛ هنا نلاقي ثنائية الصورة الشعريَّة والدلالة العميقة للمعنى.
يد الأم على يد الطفل, يد الشاعر تُقلِّب صفحات الكتاب, يد تطرق الباب؛ نستقرئ المعنى في نبرة الطرق على الباب, إن كانت مُعادية, أو أليفة, أو عابرة لشخص غريب. للزائر إيقاع خاص في النقر على الباب, وللشرطي إيقاعه الخاص, وللقاتل واللص والهارب والفقير والغني إيقاعاتهم في طرق الأبواب. ولكل شخص أوصاف ونوايا وقرارات وأحكام يكشفها الطرق على الباب, ولكل طارق توقيتاته الزمنية ودلالة إختيار اللحظة, وتكرار التوقيت؛ زائر الفجر معروف في بلدان شرق المتوسط وشمال أفريقيا. الزمن الليلي مُقسَّم إلى سويعات ودقائق, لكل ساعة فضاء ومعنى.
في قصيدة عنوانها (الطارق) تنمو عناصر الصورة من بواعث صوتية؛ كأصوات الرياح, وإصطفاق الأبواب, وأصوات الحشرات والزواحف, والقوارض. المهم يتنامى مُحيط كالحصار والخوف حول غرفة الشاعر ومن خارجها.
يُفسِّر الشاعر التجاوب السايكولوجي بين النقر على الباب وبين المشاعر الخفيَّة التي يُعانيها في غرفته وحيداً في الليالي الطوال.. فيقول:
(على الباب نقرٌ خفيفٌ
على الباب نقرٌ خفيضٌ ولكن شديد الوضوح
يُعاودُ ليلاً, أراقبهُ. أتوقعهُ ليلةً بعد ليلة.
أُصيخُ إليه بإيقاعهِ المُتماثل
يعلو قليلاً قليلاً
ويخفتُ
أفتحُ بابي
وليس هناك أحد.).
يُذكِّرنا هذا المشهد بقصص إدجار ألن بو وأفلام هيتشكوك, فالمُحاورات تنبثق من عالم الأصداء والصمت المُتبادل, وتولد الأسئلة عن الكائن الذي يقتحم ليل الشاعر؛ هل هو كائن حقيقي, شخص يطلب ثأراَ, بُعث من المقابر القريبة. للمقبرة إمتداد في قصائد الشاعر, وقد تكون مقبرة الزبير القريبة من سكن الشاعر في سنوات الحرب. إذن هو الخوف من عدو وذلك لأن الشاعر كان يتلقى النبرات الصوتية المُرسلة من وراء الباب, ولماذا إختار الطارق هذا التوقيت؟ وكيف أتقن لعبة المُضايقة بالتكرار؟,لا بد أن يكون على علم بوجود الشاعر وحيداً. وراء الظهور والإختفاء خطَّة تدميريّة, إرهاق وتشويش وتحطيم للذاكرة. إن كان الفاعل كياناً حقيقياً أو شبحاً فهو فاعل غير أليف, ومن الفئة المُعادية التي تمتاز بالذكاء, والقدرة على الإختيار والتوقيت. يعرف كيف يُضايق ويسرق النوم ويسلب راحة الشاعر. لايكف الشاعر من التحليل وإسترجاع ما يمكن أن يُفصح عن هوية الطارق:
( مَن الطارق المُتخفي؟ تُرى؟
شبحٌ عائدٌ من ظلام المقابر؟
ضحيَّة ماضٍ مضى وحياة خلت؟
أتت تطلبُ الثأر؟ )
الأشباح تزور الشاعر في أكثر من قصيدة, بعضها تأتي من أوهام مرئيَّة وتصوُّرات تخلقها أشكال مرسومة على الزجاج من صنف تصوّرات (ألن بو) في قصصه القصيرة, وبعضها تأتي من إنعكاسات في المرايا والمياه وحتى الصخور والسحب والذرات. وبعض الأشباح نسمعها ولا نراها. لكنَّ التساؤلات تنطوي على غموض؛ فإن كان الطارق ضحيّة ماضٍ مضى فهل يكون الشاعر مُتسبباً؟ إذن هو ضحيَّة سوء فهم, أو نتاج إختلالات في الحياة ومن ترسبات الأوهام الفكرية والتناقضات التي عاشها العراقيون في الحروب والصراعات السياسية وصراع الآيديولوجيات التي تضخَّمت في خمسة عقود من تأريخ العراق. يُبعد الشاعر هذا الإحتمال ويتخيَّل أحد زوّار المقابر؛ هذا الزائر يُعاود الزيارات ليلاً وقد يكون صديقاً وأليفاً, ومن أسلاف الشاعر. لأننا سنكتشفه في قصائد أخرى, أو قد يكون إنسان خالف الدهر ذات يوم وإرتكب جريمةً بحق الشاعر جاء يطلب الصفح والمغفرة, وهذا الكائن لاوجود له على أرض الواقع ولا حتى في مُخيَّلة الشعراء, لأننا ورثة (إذا بلغ الفطام لنا صبيٌ..) والبطولات القبائلية في الشعر:
(روحٌ على الأفق هائمةٌ أرهقتها جريمتها
أقبلت تنشد الصفح المغفرة؟)
ولا بد أن يكون الزائر المُبلِّغ بنهاية الشاعر وموعد رحيله, وقد حقق أُمنيته فيما بعد:
( رسولٌ من الغيب يحملُ لي دعوةً غامضة
ومهراً لأجل الرحيل؟) – 1984-
ويرتبط الطرق على الباب بالترقّب وتوقع وصول الزائر الغمض, المجهول, والإنتظار المصحوب بالقلق والشعور بالخوف, في قصيدة (حارس الفنار).

اليد هي العلامة السيميوطيقية, المُشفَّرة, الأكثر إستخداماً عند البشر.
يرصد الشاعر علاقات الناس عن كثب, من خلال حركات الأيدي, ويُترجم الحركات والإشارات والإيماءات من بعيد. أغلب القصائد تُبنى على الرؤية من مسافة, وغالباً تحدث الوقائع خلف السطوح الزجاجية, كالنوافذ أو السطوح الزجاجيَّة المُجرَّدة, وقد لاحظنا تكرار ظهور الأشباح خلف السطوح الزجاجية, وبذلك فالقصيدة عبارة عن مشهد موصوف عن بُعد, ويُروى من خلال حركات الأيدي والإشارات, فالغموض التشكيلي يتسيَّد الفضاء.
في قصيدة عنوانها (خلف الزجاج) يروي الشاعر مشهداً خلف الزجاج؛ مُحاورة بين رجل كبير وطفل. يقرأ المشهد من خلال حركات الأيدي, ويُقدِّر عمر الرجل فوق الخمسين فهو كهل ويُقدِّر عمر الصبي في العاشرة أو دونها, ويستنتج أن الطفل يُعاني من التوَحّد, ويشعر بالإغتراب في بيت أسرته, وربما تكون الأسرة إنتقلت إلى بيت جديد لم يألفه الطفل, فحركات الأب بيديه كانت ترسم أشكالاً هندسية وأقواس لمبنى. مع ذلك جفَل الطفل حين دنا منه الوالد ووضع يده على كتفِه .
أخيراً لابد من المقاربة بين الحالات فيما ورد أعلاه, ولكل حالة راوي ومنظور وقضيَّة محوريَّة. فاعلية صورة اليد تتجلَّى بوصفها علامة سيميوطيقية ذات كيان وفعل؛ دال ومدلول.
نحاول إعادة تطبيق النصوص أعلاه على وفق مقترحات غريماس لسيميوطيقيا العلامة:
فهو يرى المعنى العميق والوظيفة الملموسة للعلامة في النص.
وحسب غريماس إن وظائف العلامة لاحدود لها, وبذلك صنَّفَ العلامات في قائمة تربو على الستين نوع ووظيفة.
في قصيدة (الأيدي) سلسلة من العلامات, متعددة الأغراض والوظائف كما مرَّ آنفاً في الجزء الأول من هذا المقال. وكما رأينا أن السياقات الصوَرية وتفرّعاتها تلتقي في نقطة ختامية وغرض واحد هو الزمن, وما العلامات إلاّ حركة تُفسِّر ديالكتيك الوجود والعدم.

هنا سلسلة أخرى من الصوَّر والعلامات ومبانيها وأغراضها:-

العلامة الأولى:- في قصيدة (هواجس عيسى..)؛ كانت يد عيسى تعترف وتتحاور مع قواه العقليَّة وكانت تروي من زاوية منظور الآخر, المُخاطب العاقل, حامل التأريخ والثقافة وتجارب الحياة. فبينما توزعت هواجس عيسى بين المشاعر والآلام, وبين قراءة الوجود والزمان والمكان, فقد تسلَّطت أثقالها, وسرديتها الدموية على يديه.
–العلامة في هذا النص إستعارة عن القوى العقلية؛ وظيفتها آيديولوجية. في الصورة علامتان ضدّيتان, نفي ونفي النفي؛ اليد مطوَّقة بالحديد.
العلامات الفرعية, كما في الصوَر السينمائية المُقرَّبة, متعددة: مرئية بالدم النازف من المعصمين. ومحسوسة بالآلام. وناطقة بالإيحاءات. ومُستشعرة للزمن المستقبلي وللعذاب المنظور في الأُفق.

العلامة الثانية:- يد تطرق الباب, الإشارة المُرسلة من اليد صوتية وتُخاطب حاسَّة السمع لدى الشاعر المُتلقي للرسائل, فالتراسلات والتخاطبات النفسية تتم عبر الحواس من الخارج؛ الكائن الغامض, يبعث رسائله إلى الداخل ويُحاصر الشاعر بالهواجس الليلية. الدال علامة صوتية؛ الوظيفة سايكولوجية. العناصر التكميلية, كالترقب وفتح الباب مرّات وغلقه, تُصوّر التضاد المُحتدم بين هاجس الخوف و المكان المعزول, من أمرٍ غامض سيحدث الآن أو بعد ساعة من الليل. وإن لم يحدث أمرٌ ما فسيتكرر التهديد غداً وفي الليالي التالية. قد نستحضر صورة المكان؛ مكان الشاعر في تلك الليلة, ونستقرئ الزمان؛ ماذا حصل في ذلك اليوم؟ أمطار ورعود؟ أم هدير مدافع بعيدة أم قصف طائرات؟. المهم أن الكلمات إنبثقت على وقع النقر الخفيف على الباب.

العلامة الثالثة:- في قصيدة (البدوي..)؛ يداه تتمنيان الطريق البطيء نحو المستقبل, وهما صورة عن جسده السائر في المتاهة.
المنظور الذاتي نفسيّاً في إستشراف الزمن على اليدين, بصيغة التمنّي, وهو نوع الإستشراف الذي لا يتحقق. الدال الظاهري في العلامة تأمُّلي, المدلول الحقيقي تشاؤمي ومُحاط باليأس.
العلامة في النص؛ كيان حقيقي يُلخّص سيرة ذاتية؛ وظيفتها زمنية, إستشرافية تأمليّة. علامات الموت البطيء مرسومة كخطوط ذابلة على اليدين. أمَّا الحياة فهي أمنية, وإنتظار وأمل بعيد. المدلول الحقيقي لهذه الشفرة العلاماتية, الرمزية, يُفسِّر اليأس من الثورات الجذرية التي طال إنتظارها.
(الدال) بصيغة الماضي والحاضر مرسوم على اليدين.
البدوي هو الشاعر كما ذكر في مُفتتح القصيدة, في نفس الوقت هو رمز للفكر والوجود الإنساني الضائع في المتاهات, المُحاصر بالأنظمة القمعية.
ماقبل زمن التمنّي كان متاهة عقلية وجسدية في المكان والزمان.


العلامة الرابعة:- في قصيدة (خلف الزجاج). وفيها نقرأ من الخارج لُغة الأيدي عند البشر؛ منظور الرؤية خارجي, ويُقدم رسائل إشاريَّة للراوي, بينما الرسائل تحكي وقائع مبنية على خلل في علاقات الآباء والأبناء. تتضمَّن الرسائل الصورية المُشفَّرة, تباعد جيلين وحقبتين وعصرين وحضارتين. العلامة هنا, حركيَّة, تعتمد لغة الإشارة؛ وهي مُركَّبة من ثنائي شبحي, مرئي؛ وظيفتها؛ تعبيرية, لغتها سينمائية. مضمونها العميق هو الإغتراب وتفكك الروابط الإجتماعية.

العلامة الخامسة:- في قصيدة (إحتفاءً بالأشياء الزائلة) ظاهرها إستعارة, من زاوية (أربع أيدٍ) لجلسة عائلية, كما مرَّ آنفاً؛ عمقها العلاماتي مُركَّب من ثنائي إنساني, وظيفته؛ رومانسية.
فضلاً عن المعنى العلائقي للكائنات البشرية, هناك أيضاً شفرة الرسائل المُتخيَّلة عن المكان والزمان. وثمَّة ضوء ينبعث من داخل الغرفة, وحرارة موقد, تلك الإشعارات تُحدد المكان الأليف والزمن والفصل من السنة, والوقت والساعة, لأن لمسات الصورة ستتكامل مع عناصر أُخرى ذكرناها.( إن الصورة الفنّية والمكان الأليف, والذكريات المُستعارة ليست معطيات ذات أبعاد هندسية, بل مكيّفة بالخيال وأحلام اليقظة..) – غالب هلسا: مقدمة جماليات المكان لباشلار- ص 8-
فإختصار الصورة بأربعة أيدي وإضافة الطفل يُحيل المُتَخيَّل الحكائي إلى تخطيط أولي عن بنية فلميَّة إفتراضية, ونعتقد أن فلم السهرة الوارد في الحكاية, شكَّل الأساس التخييلي لفضاء القصيدة. فالزوال يبدأ من تلاشي أحداث فلم السهرة وبعدها تمتد أطراف التلاشي إلى محيط الغرفة فالسهرة فذكريات تلك الليلة.

* فنّان تشكيلي وكاتب



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد
- آرتموفسكي.. المُعلم الإستثنائي
- تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف
- [حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]
- فن السرد في مملكة محمد خضير
- السرد التشكيلي في -المملكة السوداء- لمحمد خضير
- فيصل لعيبي ....المنتمي (1)
- إحسان وفيق. بؤس السفسطة
- رحيل ساحر الافاعي
- الحركة التشكيلية في البصرة ... 3
- الحركة التشكيليه في البصره (2)
- الحركة التشكيليه في البصره
- الرمز التشكيلي في شعر محمود البريكان


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)