أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكرحمد - [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان















المزيد.....

[الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان


شاكرحمد

الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 04:29
المحور: الادب والفن
    


[ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان

– شاكر حمد -*


مارواه الشاعر محمود البريكان في مسيرته الشعريّة يُحاكي متحفاً للمجسمات والصخور والنيازك المُتساقطة من الفضاء الكوني. في كابينات هذا المتحف ألبومات من الصوَّر الفوتوغرافية الثابتة والمُتحرِّكة؛ الثابتة للجمادات, كالصخور والذرّات والمواد الصلبة والتماثيل وغيرها؛ والمُتحرِّكة مثل حركات الأيدي, والنظرات الإنسانية, والتفاعلات الكيميائية وأنواء الطبيعة وتقلباتها, وفي الباطن مضمون آيديولوجي يتعلق بالوجود الإنساني, الفلسفي, والوضع البشري الطبقي, كما يراه من قريبٍ أو بعيد.
في قصيدة (الأيدي) – نشرت عام 1983- يسترجع الشاعر ماكتبه من رحلات شعرية في قصائده القديمة؛ ولكن بصيغة اللقطات الخاطفة وعلى زوايا مُحددة؛ تركيزاً على صورة يد الإنسان حيثما ظهرت وتحرّكت وأعطت وعبَّرت؛ السرد بأداة تصويرية, وللسارد موهبة سينمائية, كما سبق في قصيدتهِ (غياب الشاشة) وقصائد غيرها تُصوَّرُ أحداثها بتقنية المونتاج السينمائي الخاطفة.
في البدء تعليق الراوي عن حركات الأيدي ودلالاتها التعبيرية والنفسية, الأمر الذي يدعونا للإفتراض أن الراوي يتخذ دور المُعلِّق بالصوت على شريط سينمائي يتحدث عن حضارات وفعّاليات إنسانية تعرضها الصوَّر المُتعاقبة للأيدي البشرية. نبرة الراوي تتسم بالهدوء المناسب لرتابة الدرس الأكاديمي حيث تتوالى الصوَر بيد الراوي:
(للأيدي
أشكال من الإيقاع والحركة
ودرجات من التوتر والذبول.
أسرار الكيان كلّها).
بعد هذا المقطع نرى فسحة زمنية بسطر أبيض, تعود للشاعر, لانعلم طولها, بعدها يُكمل الراوي جملته, فأسرار الكيان كلها:
(تندفع إلى أطراف الأصابع.
للأيدي لغة الجسد البدائية
وخفَّة الخواطر الجامحة
وسرعة الدم
وإنطفاء الحلم.).
أوّل إنتباهة يلَّمح بها الراوي تتركَّز على البؤرة الجنسية في لغة اليد الإنسانية؛
ثلاثة إنبعاثات لهذه البؤرة؛ الدم المُتدفِّق لأطراف الأصابع؛ لغة الجسد البدائية تليها اللغة الرومانسية في خفَّة الخواطرالجامحة, بعد ذلك الموجة العاصفة وسرعة الدم. بلا مواربة إرتبط شكل اليد بالحركات العاطفيّة والفعل الجنسي. وبعد ذلك إ(نطفاء الموجة وإنطفاء الحلم).
ما زال التعليق لمقدِّم البرناج عن الأيدي ولُغاتها الإشارية وعروقها ونبض الدم فيها.
تُعبِّر لُغة الأيدي عن أوامر دماغ الكائن الحي, فأولاً اللغة البدائية في القتال وفي المداعبات الجنسية(البدائية) وفي تأدية المطلوب في الحالات النفسيَّة.
(تتكلَّم الأيدي بفصاحة, وتُشير إشارات خفيَّة.
تُهاجم كوحش وتتهالك كحيوان جريح
تتصلَّب كفكرة جريحة
وتشفُّ كمحيّا نبي.).
أحياناً تكون لغة الإشارة أفصَحُ من سردية الكلمات..
تحدَّث علماء النفس عن لغة الإشارة لدى البشر, ومنهم فرويد, في دراسته عن لوحات دافنشي كالموناليزا والعشاء الأخير؛ في الأولى تنبَّه فرويد إلى يد الموناليزا اليمنى المُستَقرّة فوق اليسرى, بلطف وحنان, وفسَّر الوضع بالغريزة الأمومية (المفقودة في حياة دافنشي), وفي لوحة العشاء الأخير, عبَّر دافنشي عن مقولة المسيح (بينكم واحد سيخونني) بحركات الأصابع وتشنجها وبالإشارات, فكل تشنّج وإشارة من يد أحدهم كانت تُفسِّر موقفه ورد الفعل النفسي إزاء عبارة المسيح. وهنا أيضا ألتفت إلى عمل فني آخر هو لوحة رافائيل الجدارية المعروفة (بمدرسة أثينا) والتي رسم فيها فلاسفة اليونان منذ أفلاطون وأرسطو, فكان كل فيلسوف يُعبِّر عن فلسفتهِ بحركة يده. أرسطو يؤشر على الأرض للتعبير عن الأساس المادي لفلسفتهِ, وكان يُحاور أفلاطون الذي رفع سبابته إلى الأعلى تعبيراً عن فلسفته المثالية. وهكذا باقي الفلاسفة وكان بينهم الإسكندر الكبير والفيلسوف العربي إبن رشد, ولم يغفل رافائيل أن يرسم نفسه ضمن سلسلة الفلسفات المُتدرِّجة من الإفلاطونيات.
يطول الحديث عن الأيدي في الفن التشكيلي ونواصل مع رؤية محمود البريكان في لُغة الأيدي:
(تدور في الهواء راقصةً
وتضطرب وتنكمش إلى الداخل
وتُصلِّي الأيدي
وتجوع وتغضب
وتُجنُّ وتهدأ
وتتساءل. وتموت).
التعبير الأول يُفسِّر ما ذكرناه عن فرويد فحركات الأصابع تكتب في الهواء ما تُضمره النفس عن الفرح,و الإضطراب والإنكماش, وعن الإحباط واليأس. اليد تفكِّر[ في قصيدة ستلحق قراءتها يقول عيسى بن أزرق, قرين الشاعر: يداي تُفكران]. صلاة الأيدي تفكير و إيمان بمبدأ, الأيدي تُخاطب الرب في جميع الديانات. تُعبِّر الأيدي عن الجوع والغضب, هتافات الثوار تصحبها قبضات الأيدي, تعبيراً عن الغضب والإنفعال. إبتكر الإنسان مفردات إشارية مع الكائنات الحيَّة, إستطاع ترويض المُعادية منها. إن المخلوقات الحيَّة التي لاتملك عبقرية اليد الإنسانية, إستطاعت أن تخلق البدائل التعبيرية المُلائمة لعوالمها الخاصَّة. وهنا تكمن الفوارق إن هذه الكائنات إفتقرت إلى ما إكتسبه الإنسان من مواهب في الفنون كالموسيقى والرسم والنحت والرقص وغيرها كما سنقرأ بعد سطور.
وأخيراً يأتي التساؤل والإستسلام للموت.
يوضّح لنا الراوي ما قد يغيب عن بالنا وهو أنَّ:
(للأيدي
أطوارها ومصائرها
وطباعها وملامحها
ولها كثافتها وثقلها ودرجات إضاءتها الخاصَّة.).
هل نحتاج إلى التذكير بأن تعابير الحب في السينما تبدأ بلقطة يد تُلامس يد في جميع الأفلام وفي الحياة. المُلامسة هي نقطة التحوُّل الأساسية في العلاقات كما يراها فرويد.
بضمير المُخاطب يختفي صوت الراوي ليحلّ صوت الشاعر, مرتفعاً وإنفعالياً, صوراً مُختلفة للأيدي؛ لقطات حيَّة منظورة عن قُرب. المُخاطَب في الشعر هو الشاعر في موضع المُتلقي, ويتكرر هذا التلاقي كثيراً في شعر البريكان:
(تأمل الأيدي تُخبرك بالكثير.
إقرأ خطوطها العميقة عمق الزمن
راقبها كيف تنفتح وتنغلق
وتتعانق وتتباعد
وتُحب وترفض
وكيف تُلقي ظلالها
ظلال الحزن.).
الشعراء والروائيون يقرأون الزمن في عروق ظاهر اليد؛ قرّاء الكف, وبحكم الخبرة, يقرأون الزمن في راحة اليد. في ملمس اليد؛ النعومة والخشونة, سيرورات أزمنة, ومستويات معيشة. تتجلى متاعب الحياة في خطوط اليد. نحول الكف وإمتلائها يحملان الكثير من إسترجاعات أزمنة الطفولة والصبا؛ وفيهما دلائل على نوع المهنة وسنوات العيش؛ بما فيها الأسفار والغربة والفقر؛ يُقال ذات اليد كنايةً عن الفقر والإفلاس. الإغتراب يُقرأ في اليد كما يقول المُتنبي (غريب الوجه واليد واللسان). إنفتاح الأصابع وإنغلاقها حركات تعبيرية وإشارات عن الحب والرفض والحزن. في تعاليم المسرح يُدرِّبون الطلاّب على إتقان حركات الأيدي في الخطابة والتمثيل, فالممثل يتكلم بصوته أولاً وإذا إختفى الصوت عليه أن يُعبِّر بأجزاء جسده ومنها الأيدي. هكذا ظهر فن التمثيل الصامت (البانتوميم).تعارفت الشعوب على التفاهم بالإشارات, كالسلام باليمين, إكباراً وإعتزازاً بالشخص المُقابل.
نُلاحظ أن الشاعر تدرَّج في تفسير المرئي من الصورة الرمزية إلى التمثيل الحقيقي للوجود الإنساني عبر العلامة المميزة لصفات الإنسان:
(الأيدي تقص قصّتها:
أيدي الشيوخ الطاعنين, المُتشبثة بمساند المقاعد
تشبُثها بالأيام الأخيرة.
أيدي العجائرالمُرتعشة كأنها تعرضُ تذكاراتها
وتخشى عليها السقوط
أيدي العشّاق التي تضطرب قليلاً).
مضمون العبارة الأولى (الأيدي تقص قصّتها:) بنقطتين شارحتين, معناه أنا أقصُّ عليكم الحالات التالية من خلال ثلاث صوَر من ألبومي الخاص وفيها أستشرف ما تبقى من سنوات العمر. أمامي أنا الشاعر صورة ضبابية عن النهاية الحتميَّة التي لا بد منها:
- صورة لشيوخ طاعنين في السن لا يستطيعون الوقوف ولا المشي كالشباب.
– صور مجموعة من العجائز؛ أيدي العجائز المرتعشة مع تذكارات أزمنتها الخاصَّة, في هذه المجموعة تنفرد صورة يد عجوز, منفردة, ظهرت سابقاً في مجموعة لقطات تشكيلية بعنوان (النوافذ).
– الصورة الثالثة يجب أن تكون مُتحركة بشريط سينمائي, لتكشف أسرار علاقة؛ إرتعاشت أيدي عاشقين في تماس مُباشر.
بعد المقطع إستراحة في سطر أبيض ثمَّ تتمة المقطع:
(وترسم حلم مستقبل مُشترك.).
يأتي الحلم المشترك بعد الإرتعاشات الحميمية, والمطاردات الجنونية.
يتوجه الشاعر إلى إستعادة المجموعات ونشاطاتها وثقافاتها, من خلال حركات الأيدي المنتجة. إن ما يُميّز الإنسان عن باقي المخلوقات هو الإبداع اليدوي. الإنسان صانع حرف. بعض الحيوانات تستخدم أيديها أو مخالبها أو أسنانها من أجل الإحتماء أو البقاء. يختلف الكائن الإنساني في إستخدام يديه للخلق الجمالي؛ بل للتفكير. تتلقى يد الإنسان أوامرها من الدماغ وهكذا تم تجسيد الأوامر العقلية إلى أفعال ونشاطات سجَّلها الإنسان على الحجر والبردي والطين وورق الأشجار والأقمشة وما يجده في البيئة الطبيعية.
قد لا تدخل هذه السردية في عالم الشعر, لكننا وجدناها في صوَر شعرية إهتمَّ بها محمود البريكان في بعض تجاربه الشعريّة, بخاصةٍ تلك التجريدات والأسفار في العوالم الفيزيائية والأخيلة المُستوحاة من الكتل والجمادات ومن الذرّات والنقاط والسوائل والفقاعات. لكنَّة لا يكتفي بالصنعة التجريدية أو يترك موضوعه الإنساني:
(أيدي الأمّهات الدافئة الممدودة لإلتقاط الرضَّع
أيدي العازفين الرشيقة التي تسري دورتها الدمويّة
إلى الأوتار.
أيدي المقامرين المرتبكة التي ترتجف بالتوقعات
وتسقط على الموائد.
أيدي القتَلة الخالية من العروق الصخور*.
أيدي الجنود إذ يُطلقون النار, لحظة ينفجر الرعب
في صورة شجاعة). *[هكذا في النص]
لقطات مونتاجية مُختلفة الأداء والتصميم والشكل؛ يصح أن نُطلق عليها صفة الكولاج المعروف في الفن التشكيلي.
ترد تقنية الكولاج ومُقابلها المونتاج السينمائي, في مُعظم قصائد محمود البريكان, وهي من خصوصيات أدواته في تحديث القصيدة العربية. لنتصوَّر الكاميرة تشتغل في هذا المونتاج الذي تعاقب في الصوَر أعلاه؛ تُفسِّر اللقطات أبعاد القيَم التعبيرية المنطقية للوجود؛ رابط واحد يوّحد أفكار الصوَّر, هو تركيز اللقطات على الأيدي الفاعلة كأنشطة إنسانية. في هذه الحالة سنرى مشاهد لحركات الأيدي, ومنها نكتشف إمتداد السردية العميقة في الزمان والمكان:
- لقطة أولى لأيدي الأمهات الدافئة, مقاربتنا مع تفسير فرويد لحركة يد الموناليزا في محلِّها من تكرار الشاعر لمشاهد الأمومة والنساء الضجرات في البيوت الشرقية. إذا أحلنا المشهد إلى التصوير السينمائي فعلى المُخرج التصويري أن يتميَّز بالحذاقة المطلوبة لنقل دفء الأيدي إلى المُشاهد.
- اللقطة المونتاجية الثانية في المقطع, من صنف الكولاج؛ أيدي العازفين الرشيقة, وإشتغالها بالأوتار.
- اللقطة الثالثة البعيدة كل البعد عن اللقطتين السابقتين؛ أيدي المُقامرين, على الموائد, في هذه اللقطة إضطراب سايكولوجي؛ قلق وإرتباك وخوف وترقُّب الخسارة, أو مداهمة مُفاجِئة, وبالتأكيد لابد للمُخرِج أن ينقل سايكولوجيّة الأيدي, والأبعاد النفسية في نسيجها الدقيق.
- اللقطة الرابعة,لأيدي القتَلة لابد أن تتميَّز بالشراسة والعدوانية فهي غريبة (وخالية من العروق) وهذه إشارة سيميوطيقية على مرتبة طبقية من البشر؛ في اليد تضاريس نحتتها الأزمنة والمِهَن والصراع مع الحياة. إن إختفت التضاريس تحولت اليد إلى رمز غامض ولا يخلو من تبلّد في المشاعر والأحاسيس الإنسانية.
- الكولاج الخامس ينقل لنا أيدي الجنود يُطلقون النار( لحظة ينفجر الرعب/ في صورة شجاعة)..أي الحالتين أصدق؟ الرعب أم الشجاعة؟. الرعب أصدق وله صفة الشمولية, ويخصُّ المجموعات الواسعة من المضطهدين والمسحوقين والغرباء.
بينما الشجاعة فردية ونسبية ومرهونة بالزمن.
يواصل الراوي تقليب الصوَر..
(أيدي النحاتين وهي تُحاور الأحجار وتقدح منها التماثيل
أيدي الأطفال الذين يسألون شيئاً قبل أن يُفكروا
في البكاء.).
يتنقَّل الراوي في تصفّح ألبومات الصوَر التذكارية, التي سبق للشاعر أن سجَّلها في رحلاته اليومية, ومنها مشاغل النحت ومعارض الرسم والمسارح ودور السينما, وذكريات الطفولة.
إختار الشاعر عالم النحت لأنه اللغة البدائية التي تسلَّى بها الإنسان وتسلَّح بها. يولع الإنسان منذ طفولته بالنحت, حتى إبتكر المعتقدات والخرافات, وحفر الكهوف في الصخور, ونحت الجبال وحوَّلها إلى مساكن, النحت سلاح الإنسان العقلي واليدوي. يكشف الراوي صور العائلة التذكارية بوجود الأطفال, وصوَر أُخرى. لا نستبعد ظهور الحروب والمعارك القديمة ولا نستبعد مشاهدة حارس الفنار أو مَن ينوب عنه, ولا نستغرب ظهور صورة نصفية لعيسى بن أزرق, او الملك الآشوري, وحتى البدوي التائه في البراري والوديان, ما دمنا لانتوخى الروابط والحبكات التقليدية:-
(أيدي الفلاحين الخشنة التي قُدّت من تراب الأرض.
أيدي العمّال الواثقة الصلبة التي تفهم لُغة الآلات.
أيدي الجياع المعروقة الممتدَّة كإدانة للعالم.
أيدي اللصوص الشرعيين المُغطاة بالذهب في
القاعات الكبرى.).
أربعة كولاجات إضافية لأربع شرائح من الطبقات الإجتماعية؛ هذه المرّة يقترب الراوي من هواجسنا المُطالِبة بروابط من جنسٍ واحد, فالشرائح الطبقية الثلاث الأولى؛ فلاّحين وعمّال ومشردين تواجه الشريحة العليا من لصوص السلطة (الشرعيين.. في القاعاعات الكبرى) والقاعات الكبرى كناية سيميوطيقية عن منظومة السلطة الحاكمة في كل عصر. يقترب
الراوي من تصفّح ألبوم الصراع الطبقي, وهنا يحل المؤلف الضمني بديلاً عن الراوي المُزيَّف:
(أيدي المُشرَّدين التي تكون وساداً لرؤسهم في
الساحات العامَّة.
أيدي الممثلين المُدرَّبة كجياد السيرك.).
- الكولاج الأول ينقل أدقّ وأصدق صورة من عالم المشرّدين, حين لايجد هؤلاء وسائد لنومهم في الساحات العامَّة غير أيديهم. هذه الصورة لا تُفارق ذاكرة الشاعر, فقد وردت في قصيدته التجريدية عن الصخور, ليرى أحد المشردين يتوسد صخرةً في محطة. وقد يظهر المشردون في أماكن وأزمنة أخرى وفي أوضاع طبقية شاملة من الفقر والتردي؛ المُتسكعون والغرباء والعمّال الوافدون وسكّان الغرف الضيِّقة العزّاب, والسجناء في الليالي الشتائية, والمحكومون بالأشغال الشاقّة يظهرون تباعاً في محطات الشاعر ولا يُغادرون.
- الكولاج الثاني يسترجع صوراً من ذاكرة الشاعر عن عالم السيرك التي قرأناها قبل صفحات. [وبتقديري أن قصيدة الشاعر عن السيرك, وإشارات المُدرِّب للحيوانات, وتدريبها على تطبيق الأوامر في الحركة والجلوس والقفز وغيرها, هي التي ألهمت الشاعر في تأليف هذه القصيدة.] وكما ذكرت قبل قليل أن لانستغرب ظهور نماذج من القصائد القديمة, بصفة كولاجات مُقتطعة من إرشيف الشاعر ومنها:
( أيدي الزوجات الضجرات المشغولة دائماً بالحياكة.
أيدي مُروّضي الوحوش التي تُهدد بهدوء وتُقرقع
بالسياط.
أيدي الجرّاحين المنهمكة في غرف العمليات.
أيدي الشباب التي تُصفِّق بمرح لأبطال
المباريات الرياضية.
وأخيراً أيدي حفّاري القبور
الأيدي التي تُهيل التراب على الجميع.).(1983).
- الكولاج الأول, عن الزوجات الضجرات المشغولات بالحياكة, يتصل بما قبله من نتاج اليد الإنسانية كالموسيقى والنحت.
- الكولاج الثاني مُستعار من عالم السيرك ومروضي الحيوانات, وفي تكرار سبق ذكره.
- الكولاج الثالث يسترجع أحداث من (رحلة القرد) ومشاهد جراحية مُتفرِّقة في القصائد.
- الكولاج الرابع, لأيدي الشباب المُصفقين لأبطال الرياضة, لا يختلف عن أوضاع الجمهور في قاعة السيرك أو السينما أو عوالم السباقات التي ذُكرت في بعض القصائد.
- الكولاج الأخير لابد من حضوره الأزلي, وهو أيدي حفَّاري القبور التي تهيل التراب على الجميع. كولاج الخاتمة المتوقعة في قصائد الشاعر.هذا الكولاج بمثابة الغلاف الأخير لألبوم الأيدي, حيث تنغلق من خلاله الذكريات والصور التشريحية والجزئية التي عرضها الشريط السينمائي عن الأيدي.
- يتبع –

* فنان تشكيلي وكاتب






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]


المزيد.....




- في أربعينية ليلى شهيد.. قراءة مغربية في مسيرة -دبلوماسية الث ...
- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكرحمد - [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان