شاكرحمد
الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 01:34
المحور:
الادب والفن
شاكر حمد *
الحريري: أبو محمد القاسم بن علي بن محمد الحريري البصري المولود في البصرة سنة (446هجرية/1052 ميلادية والمتوفي سنة 516هجرية/ 1122ميلادية) في محلّة بني حرام في البصرة؛ المحلّة التي خصَّها في المقامة الثامنة والأربعين وسمَّاها (المقامة الحرامية), ومنها نشأت أول حكاية, لكنها لم تكن الأولى في التسلسل الذي رتَّبه الحريري لمقاماته.
شغل الحريري منصب صاحب الخبر(رئيس مصلحة المُخابرات) في عهد الخليفة المسترشد بإلله السلجوقي.
– له (درَّة الغوَّاص في أوهام الخواص) و(المقامات) و(ملحة الإعراب) أُرجوزة في النحو, ورسائل في الشعر, وما ورد في المقامات من شعر يعود له بإستثناء أربعة أبيات يُشير لها في مقدمته بقوله " ولم أودعه من الأشعار الأجنبية إلاّ بيتين فذّين أسست عليهما المقامة الحلوانية. وآخرَين توأمين ضمّنتهما خواتيم المقامة الكرجيّة.".
قد يعتقد مَن يقرأ المقامات؛ بأن الحريري كان فقيراً, مُعدماً, ولذلك وظَّف الكدية في أكثر مقاماته؛ لكن زوال الوهم يتأكّد بعد معرفة الحريري في حالتهِ الإجتماعية والوظيفية المُستقرَّة. (ويُضيف مترجموه بأنه كان غنياً, وإنه يملك في قرية [المشان] غير بعيدةٍ عن البصرة, ثمانية عشر ألف من النخيل. هذا يعني أنه لم يكن مُجبراً على التكسّب بقلمِهِ, وأن يجول العالم بحثاً عن حامٍ للأدب ذي العطايا المُتقطِّعة؛ ما قام به من أسفار لم يكن يتعدى بغداد, حيث كان " يصعد " من حينٍ لآخر لعرض كتاباتهِ.)- عبد الفتّاح كيليطو: المقامات – ص 148-
أنتجت الثقافة العربية, في القرن الرابع الهجري, ألواناً من النثر الفني, المُتشعب, والمُتنوِّع؛ من الواقعي التحليلي, إلى الخيالي الفنطازي, إلى الرمزي الناقد المُفَكِك للقوانين؛ تجلّى ذلك في الكم الهائل من الشعر والنثر والرسائل والنوادر والأخبار والمقامات.
المقامة صياغة فنية, عربية خالصة؛ أنتجتها ظروف الصراعات الإجتماعية والإقتصادية في عصرها؛ إنعكست فيها تلك التناقضات, الظاهرة في المجتمعات الشمولية, والنُظم الإقطاعية, ووضع الإنسان فيها, وبأساليب تجمع بين الجد والهزل؛ بين السرد والحكي والتمثيل؛ وهنا تتميَّز السرديات المقامية بإضافة عناصر جديدة للتعبير؛ لُغة الجسد, والتمثيل في الأماكن المكشوفة؛ المنتديات البريَّة, والمساجد والحدائق والحانات ودور الأمارة والمحاكم وغيرها.
حين عرض الحريري موضوع الكدية, وحيَّل المُكدين, كان يُضمِّنها مواجهات مع النظام السياسي الحاكم, وما يُمثِّله من ظلم وفوارق طبقية, وإحتقار للثقافة والفنون والآداب, والمهن الإنسانية.
كتبها الحريري بلغة عصرها, لغة النخبة الأدبية, ومن خلالها توغَّل في شبكة النخبة الثقافية, ليكشف عيوبها وزيف مظاهرها المُتعاليّة. وهكذا جعل أبطاله جميعاً من المثقفين الكلاسيكيين في الشعر والنثر والوعظ والكتابة والإنشاء والحساب والخطابة؛ يجمع النخبة المُتعالية في ميدانها الإعتباري, ثمَّ يصدمها بمحمولاتها من العيوب اللغوية, ومحفوظاتها النقليَّة الجامدة؛ هذا الجانب من الصراع يمثل المحوَر الموازي لمحورين أساسيين هما الصراع الطبقي والجنس.[سنتناول هذه المحاور في مقالات لاحقة]. المحور الآخر يتعلق بالشكل الفني للمقامة, كما هي عند الحريري, فالبنية المعمارية للمقامة تحتاج إلى ثوب جديد وعناصر جديدة في البث والتوصيل, وهكذا ظهرت شخصية الراوي وشخصية المُمَثِّل وجوقة الممثلين وفضاء المسرح المفتوح. يعترف الحريري بأفضلية الهمذاني في هذا الباب, وإنه إتَّبع خطاه, ونسج مقاماته تقليداً لمقامات الهمذاني, في الشخصيات (الراوي والبطل والمجموعات) وعدد المقامات الخمسين كما هي عند الهمذاني؛ غير أن الإعتراف يأتي من باب التواضع الأدبي وحقوق التأليف والريادة.
بعيداً عن التواضع يعتكف الحريري, على جعل مقاماته تتفوَّق على مقامات الهمذاني, ويرى بعض الكتّاب أنها أزاحتها من مكانتها وصيَّرتها على الهامش. إن مقاربة العملين تحتاج إلى قراءة تحليلية شاملة أوسع من مقال. وقد لفت إنتباهي إهمال الدكتور زكي مبارك لمقامات الحريري, ولم يذكره حتى بالإسم, في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) بينما خصص فصلاً كاملاً عن مقامات الهمذاني.
يقول الحريري في تقديمه لمقاماتهِ: " إنه جرى في بعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحُهُ وخبت مصابيحه, ذكر المقامات التي إبتدعها بديع الزمان, وعلاّمة همذان, رحمه الله تعالى, وعزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها, وإلى عيسى بن هشام روايتها, وكلاهما مجهولٌ لايُعرَف, ونكرةٌ لاتُتعرّفُ. فأشار مَن إشارتهُ حُكْم, وطاعته غُنُم, إلى أن أُنشئ مقامات أتلو فيها تِلوَ البديع, وإن لم يُدرِك الضالع شأوَ الضليع..".
يقول عبد الفتّاح كيليطو في كتابه (المقامات) حول لقب الحريري: (يُعتبر الحريري في الأدب العربي بطلاً, أي شخصيّة أنجزت مأثُرَة تسمو بها على عامَّة, وتجعل منها موضوعَ خطابٍ وإعجاب. إنّه خطاب مُسهب, مُتعدد الأشكال, يكون أحد مظاهره سرد المُنجزات التي حوَّلت شخصاً يُسمَّى القاسم بن علي بن محمد إلى كائن صقيل وبرّاق وناعم, بإختصار الحريري.) – عبد الفتّاح كيليطو: المقامات- ص 148-
يقول شارح المقامات الحريرية أبو العبَّاس الشريشي ( حكى الفندجيهي[نسبةً إلى فندجيهة, قرية من أعمال خراسان] ترجمته في هامش صفحة 19من كتابنا "مسرح المقامات") في شرحه للمقامات: إن الذي أشار عليه بها هو شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة المسترشد بإلله السلجوقي, أمره بإنشاء المقامات, وحكمَ عليه بها, وقيل أمره صاحب البصرة وواليها.) يُضيف الشريشي (لم يبلغ كتاب من كتب الأدب ما بلغته هذه المقامات – التي أبدع إنشاءها الأُستاذ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي الحريري – من نباهة الذكر, وبُعد الصيت, وإستطارة الشهرة, فإنه لم تَكد تصدر منها النسخة الأولى في بغداد حتى أقبلَ الورّاقون على كتابتها, والعلماء على قراءتها عليه من شتّى الجهات, ذكروا أنَّ الحريري وقَّعَ بخطِّهِ في شهور سنة أربع عشرة وخمسمائة على سبعمائة نسخة؛ كما أن العلماء في جميع الأقطار العربية أخذوا يتدارسونها في المدارس والمعاهد, ويقرؤونها في الأندية والمحافل, بل إن شهرتها إمتدَّت في حياتهِ إلى الأندلس, فوفَدَ فريقٌ من علمائها على الحريري ببغداد- منهم الحسن بن علي البطليوسي, والحجاج بن يوسف القضاعي, وأبو القاسم عيسى بنَ جهور- وقرأوا عليه بمنزلة هذه المقامات, ثمَّ عادوا إلى بلادهم حيث تلقاها عنهم العلماء والأدباء, وتناولوها روايةً وحفظاً ومُدارسةً وشرحاً...)- شرح المقامات للشريشي- ص 7- أمَّا توقيعه على سبعمائة نسخة فكان ذلك قبل وفاتهِ بسنتين وعلى ذلك يُعقّب الباحث عبد الفتّاح كيليطو فيقول:( وهذا يعني أنّه إستمع إلى سبعمائة قراءة لكتابه وذلك في فترةٍ تمتد على مدى إثنتي عشرة سنة.
في سنة 514هجرية/1120ميلادية, إي قبل سنتين من وفاة الحريري, قرأ المسمّى جابر بن هبة الله المقامات بحضوره وإرتكب تصحيفاً, راق هذا "التصحيف" الحريري كثيراً, غير أنه لم يكن بإمكانه الإحتفاظ بهِ, لأنه كما قال, كتَبَ خطَّه إلى هذا اليوم على سبعمائة إجازة.)- كيليطو-نفسه. تفوَّق الحريري على المُقلَّد وأزاحه جانباً, رغم إعترافه بريادته وفضله بكل تواضع وتقدير, كتقدير التلميذ للإستاذ. وهذه سنَّة الموهوبين. يزدهر تأريخ الإنسانية, في العلوم والفلسفات والآداب بأمثال العباقرة الذين أحالوا أساتذتهم على التقاعد, كمثال ليوناردو دافنشي الذي جعل أستاذه فيروكيو يترك الرسم ويتجه للنحت. (يدخل المُقلِّد في تنافس مع النموذج ويُحاول التفوُّق عليه؛ أن تُقلِّده معناه أن تُظهر تواضعاً وكبرياء في آنٍ واحد. لا أحد مثل الحريري قد توافر فيه هذا المطلب المُزدوج؛ فمع إظهارهِ لتقدير كبير نحو الهمذاني, فقد إستطاع إزاحتهِ إلى مركز ثانوي. يُلاحظ القلقشندي إن فضائل مقاماتهِ كانت عظيمة لدرجة أن تعلَّق بها الجميع, وإنّه في فورة التعلّق التي أثارتها, فإن مقامات الهمذاني أُنسيَت " وصيَّرتها كالمرفوضة" وكان للحريري بدورهِ مقلِّدون كُثر, سواءً بالعربية أو الفارسية أو السريانية أو العبرية...قد يكون من المُفيد إعتبار حالة مُقلِّد إضطرَّ لأن يكون شارحاً, يتعلق الأمر بشُمَيم الحلِّي – المتوفي عام 610للهجرة- حاول ثلاث مرَّات تقليد الحريري, غير أنَّه في كل مرَّة يجد تأليفاتهِ رديئةً فيُمزقها. فقال لنفسهِ أخيراً بأن الله ما خلقه إلاَّ لكي يُظهر فضل الحريري, فألَّفَ حينئذٍ شرحاً للمقامات.) – كيليطيو-المقامات- ص 163-
تهمنا القراءة الحديثة, التفكيكية, للمقامات؛ أن نستقرئ فيها الأوضاع الإنسانية التي سيقت على ذاكرتنا مدرسياً كما لوكانت طقوس ذهبية وأمجاد وحضارات مثالية فقط.
إمتازت سرديات القرنين الثالث والرابع الهجريين, بالكشوفات التنقيبية والحفريات في تلك الطقوس وذهبت أبعد من الشواغل الجمالية في الفنون الأدبية, إلى الفلسفة, والديالكتيك, ومحاكمة الهياكل السياسية للسلطة العباسية. ومن بين تلك الفنون الأدبية كانت المقامات. كانت مسألة العلاقة بين الحاكم والشعب تُطرق بأكثر من صيغة أو طريقة. كانت الرسائل تُمهِّد لبزوغ تطوُّر في النقد السياسي, تجلَّى في المقامات تالياً. تحفظ الذاكرة العربية موروثاً هائلاً من القصص الخرافية, وحكايات الجن, ومن ثمَّ أخبار الشخصيات الغرائبية, الفنطازية, وقد إحتشدت في تأريخ تلك الفترة, من الشخصيات التي ذكرناها في المقال السابق, هدفها إختراق الشبكة المزوَّرة لخطاب السلطة التي تتزيَّن باللغة والمظاهر الخطابية, والهدايا وتوزيع الجوائز, وإلإقطاعيات على المدَّاحين ووكلاء الحاكم. نستطيع أن نزعم أن المقامات, وبصفاتها الفنيَّة, كانت السلاح التفكيكي, بعد الرسائل, في مقاومة الظلم السياسي, والفوارق الطبقية, وعيوب المُجتمع بشكل عام. أشرنا قبل سطور إلى المحاور الثلاثة المتوازية في المقامات؛ تحديداً مقامات الحريري, السياسة والجنس والأدب,
وقد تكون إنشغالات الأخرين, تضمّنت هذه المحاور, كما هي عند الهمذاني, لكنها عند الحريري, تداخلت في نسيج المقامة الواحدة, بالإنعطافات من السياسة إلى الجنس, من الجنس إلى اللغة, وهكذا جعل الحريري صراع المحاور يتداخل في المقامة الواحدة, بوجود إنعطافات مسرحية مُفاجئة من محوَر إلى آخر. بعض المقامات تتناول ظلم الولاة للرعية, ومقامات عن الفقر, ومقامات عن العلاقات الشرعية, ومثلها عن الشذوذ الجنسي عند أُلي الأمر, لكنَّ المبنى المعماري, والآيديولوجي, لكل مقامة لابد أن تتوسطه فاصلة حدثية, مسرحية, تُحوُّل الصراع إلى قضية جديدة, تُربك صاحب القرار, الحاكم, وتضعه في زاوية هامشيَّة وتُنزله من مكانتهِ الفوقية. هناك صورة الواقع الإجتماعي؛ العادات والتقاليد في المجالس والمنتديات الثقافية والمآدب وعادات الضيافة والأكل, وطرق السفر وإحتياجات المُسافر, وأخطار السفر, ومُفاجآت الليل ونبرة الخوف التي يشعر بها المُسافر.
تنقل المقامات صورة الواقع كما عاشتها المجموعات المنبوذة من المجتمع؛ صورة الفقير كما هو في تشرّده في البوادي, والأنهار والبحار, وصورة الغريب أينما حلَّ في قريةٍ أو مدينة. في الواقع أن محوَّر الغربة والإغتراب هو العمود الفقري في مضمون المقامات, في هذا المحوَّر يتبع الحريري سلفه الهمذاني, فهذا الأخير هو الذي أنشأ مقامات الغربة وإغتراب الإنسان. هناك قراءة تأويلية, تشكيلية, أضفت على المقامات سحراً خاصَّاً, ونعني بذلك التصاوير الجميلة التي شرح بها الفنان يحيى الواسطي مقامات الحريري, في المخطوطة التي خطَّها بقلمهِ وذهَّبها وزخرف حواشيها. من خلال رسوم الواسطي نتعرَّف على جميع المطالب التي ذكرها الحريري؛ فنشاهد الأزياء الشائعة في ذلك الزمن, ونشاهد المباني المألوفة في العصر العبّاسي, ومواد البناء والواجهات والأقواس وزخرفة الجدران والأبواب والمآذن, ومازالت تُستخدم في وقتنا الحاضر.
نستطيع أن نتعرَّف, من خلال رسوم الواسطي, على عادات الناس في المآدب والمناسبات والأعياد وجلسات المساجد ووقفة الخطيب, وما يرتديه الخطيب وكيفية مُخاطبة الجمهور, والتعبير بلغة الإشارة, ولغة الجسد, ودلالات الأزياء. فقد ميَّز الواسطي بين الشخصيات حسب مراتبها الإجتماعية ووظائفها, مُراعيا فيها وضع الشخصيَّة في المقامة, من خلال الزي الموصوف من قِبل الراوي الحارث بن همَّام؛ نيابةً عن الحريري.
التفاصيل هنا كثيرة, معززة بالرسوم التي تشرح وتوثِّق روح العصر الذي كُتبت فيه المقامات, وقد نشرنا ما يربو على المائة لوحة للواسطي ضمن كتابنا "مسرح المقامات" لفائدة القارئ, ولتعريفهِ على هذا الكنز التأريخي الجميل, ولنا وقفة مع الواسطي والمخطوطة التي نسخها وزيَّنها؛ ولكننا نُفضِّل الخوض في السرديَّة المدوَّنة للمقامات أولاً.
سنقرأ هذه المتوازيات من الصراعات الفكرية والإجتماعية والجنسية والثقافية, في مقالات تالية, وقد تخدمنا المقاربات والأمثلة من سرديات تلك المرحلة.
- يتبع-
*- فنان تشكيلي وكاتب -
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟