شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 22:12
المحور:
الادب والفن
شاكر حمد -*
-التوحيدي:- أبو حيَّان علي بن محمد بن العباس التوحيدي, الأديب اللغوي, الفيلسوف, قال عنه ياقوت: فيلسوف الأُدباء, وأديب الفلاسفة, ومُحقق الكلام, ومُتكلم المُحققين, وإمام البلغاء, وفد الدنيا الذي لانظير له ذكاءَ وفطنةً, وفصاحةً ومكنةً, واسع الدراية والرواية.) – معجم البلدان - 5/380- الرسالة البغدادية: ص 14- وقال عنه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين: كان أبو حيّان مزوّداً بكفايات يكفي أهونها لبلوغ حظٍ من حياةٍ كريمةٍ, فقد كان كاتباً, أدنى مايُقال فيه أنه من طبقة إبن العميد, والصاحب, والصابي, وإبن سعدان, وعبد العزيز يوسف, وكان إماماً في النحو, وفي اللغة وفي الفقه, وفي الكلام والتصوُّف والفلسفة.) – عبود الشالجي : الرسالة البغدادية ص 12. هناك خلاف في عام مولده ووفاته, وكما يقول في الرسالة فهو بغدادي الأصل, نشأ في بغداد وهي (بلده وتربته التي لايرضى عنها بجنَّة الخلد ولو عُجِّلت له..) – نفسه – وذكره إبن خلِّكان في الوفيات إنَّ أباه كان بقّالاً يبيع التمر المسمّى التوحيد [الزهدي] وإن هذا سبب تلقيبه بالتوحيدي.
وإنه توفي عام 414 للهجرة, وكان قد تجاوز الثمانين بسنة أوسنتين, وعليه يمكن تقدير ولادته بين السنتين 332- 235[المصدر عبود الشالجي]. أمّا كتابة الرسالة فكانت عام 371بعد عودته من إصبهان خائباً إلى بغداد وإشتغاله بالنسخ.
يختصّ عنوان مقالنا بالظاهرة السردية المعروفة في الحكي العربي, في مرحلتيه, الشفاهية والمدوَّنة؛ ظاهرة إختفاء المؤلف بالأسماء المستعارة والكنى والشخصيات الوهمية, أي الأقنعة, وإنعكاسها على عمل أبي حيان التوحيدي (الرسالة البغدادية).
التقنُّع ظاهرة مُلازمة للحكي العربي الشفاهي أولاً, ومن ثمَّ إنضباط قواعد الحكي في القرنين الثالث والرابع الهجريين, وبفضل التوثيق عبر التدوين وتثبيت الكلام, دخلت الكتابة ميدان التحليل والفحص والتأويل.
يطول الحديث في سلسلة الأقنعة؛ المقصود هنا إيجاد شخصيات وهمية, وكيانات ورقيَّة, تتحدَّث بإسم المؤلف, أو تنوب عنه. ولهذه الكيانات الورقية مواصفات إستعارية, تجمع بين الرمزية والواقعية والتأريخية, أي تتوفر فيها شروط التكامل البنياني الجسدي والعقلي, إستجابةً لوعي المُتلقي بالقبول والتصديق.
إذا عدنا إلى أصل هذه الكيانات المُستعارة, نعود إلى عصر القص الشفاهي, وجمهرة القصّاصين, والموقف منهم في الحكم الراشدي. تلا ذلك تغيير المواقف لخدمة السلطة, ورد الإعتبار لهم في العصر الأموي, ولأغراض سياسية معروفة.
هناك أسباب مُختلفة لهذا الدور القناعي الذي يستخدمه الكاتب؛ فقد يتحنب التصريح بإسمهِ حين يدخل باب السياسة ونقد الحكّام تجنباً لأحكامهم الظالمة, والأمثلة شائعة على نطاقٍ واسع في المرويات العربية. الأمر الثاني يتلخَّص في توجّه أغلب كتابات ذلك العصر إلى نقد الدين بأساليب فنيَّة مُبتكرة, ولخطورة هذه الآراء وفلسفاتها إتّجه الكتّاب إلى التخفي وراء أسماء مُستعارة, كما في الرسائل الفكريَّة, وحتّى في نقل الوقائع التأريخية والأخبار, خارج منطوق السلطة وتعاليمها. وقد يختفي إسم المؤلف تماماً ونهائياً كما في حالة إخوان الصفاء ورسائلهم. وهناك أسباب إجتماعيَّة وأخلاقية حين تتخذ الرسائل صياغات تهكمية, وسرديات إباحيَّة, تمزج الجد بالهزل, والكلام الفصيح بالكلام الهابط وغير ذلك؛ مع إنتشار الحكي المُدوَّن وإتساع رقعة القراءة لتشمل مُختلف الأوساط من النُخب إلى المتوسطة إلى الأوساط الشعبية والعامَّة. وبهذا الإتساع في دائرة التلقي, وطبيعة التمازج الإجتماعي في العصر العباسي, إكتسبت اللغة العربية ألواناً من التداخل مع اللغات الأجنبية والعاميَّة, وتشرّبت بفنون الحكي الجاد والممتع. إن تقاليد المجالس التي ذكرها الجاحظ, رسَّخت العلاقة بين المُتكلم والسامع؛ ليتحوَّل النسق إلى الكاتب والقارئ.
إذ يلجأ الكاتب إلى تخويل شخصية حكائية؛ يُقوّمها بالهيئة المقبولة, وقد أشرنا إلى ذلك.
شاع في القرنين الثالث والرابع الهجريين, أدب الفكاهة والهزل وحتى البذاءة والقرف, وشمل ذلك الشعر, ومعلومٌ أن للأغراض التجارية لبيع الرسائل والكتب الساخرة أثرها, لذلك حافظ أُدباء ذلك العصر, على متانة اللغة وفصاحتها, رغم هبوط الموضوعات, فالكتابة تتوجة إلى طبقات مُتباينة في التلقّي.
كانت العلاقة بين المُتكلم والسامع, أساسية في تثبيت دعائم الشخصيات الحكائية, وأنتجت ثنائية الراوي والبطل في الحكاية, وأكثر من ذلك أوجدت عاملاً جديداً في تركيب البنية السردية في شخصيات المروي عليهم, فالحكاية تُخاطب جمهوراً حاضراً, من طبقة ثقافية مُعيَّنة, ولهذا الجمهور, دوره الفاعل المُحرِّك للسرد ونقل الخطاب من منطقة إلى أخرى, وقد قرأنا ذلك في المقامات الهمذانية والحريرية.
إن تقرير صفة الجمهور ومستواه الثقافي يدل على فضاء خاص من المشاركة مع الراوي. الجمهور الذي عيَّنه التوحيدي, مجموعة من الشخصيات المُختلطة, تلتقي في المرح, والمجون, والسخرية والضحك, فحين يُحدثهم بصيغة العتاب كيف يتسامرون, والمأساة هناك..., يُجيبه أحدهم (ياأبا القاسم ليس بيننا غير مَن يشرب و..).
ينفرد التوحيدي بإمتياز صناعة الشخصيَّة الوهميَّة؛ شخصيَّة الراوي أو شخصيَّة بطل الحكاية. من الممكن القول أنّه إمتداد لشخصيات الهمذاني والحريري في مقاماتهما. ولكنه يختلف بأمور فنيَّة؛ أوّلُها أنه لم يذكر إسمه في رسالتهِ, ولم يذكر سبباً للتأليف, ولا طلباً أو تكليفاً من وزير أو صاحب شأن كما حصل مع الحريري. فترك الرسالة عائمة في فضاء الشك والغموض والتأويل. الأمر الثاني أنه رسم شخصيته المستعارة بالمواصفات القابلة للتصديق, كشخصيَّة أدبية, تأريخية, مُكتملة التعريف والبنيان الجسدي والعقلي والنسب والحسب. هذا الأمر أضاف لبساً آخر في تعويم الرسالة, وفتح باب التأويل بشأن المؤلف الحقيقي؛ هل هو التوحيدي, أم المُطهَّر الأزدي (الراوي)؟. وإنقسَم النقّاد إلى فريقين, أحدهما يعتقد بالمطهر الأزدي (الشيخ الأديب) وينفي وجود التوحيدي, ومن أصحاب هذ الرأي الباحث عبد الفتَّاح كيليطو في كتابه المقامات, فحين يقتبس من الرسالة يُشير إلى المُطهَّر الأزدي بالقول (ذكر المُطهَّر الأزدي صاحب كتاب حكاية أبي القاسم البغدادي [أي الرسالة البغدادية]..) ومرجع هذا الرأي عائد إلى المستشرق آدم ميتز الذي عثر على الرسالة وحققها, وترجمها للألمانية, ونشرها عام 1902 في ألمانيا تحت عنوان (حكاية أبي القاسم البغدادي.. للمُطهَّر الأزدي).
فريقٌ آخر يجزم بأن الرسالة البغدادية هي من تأليف التوحيدي, ومن أصحاب هذا الرأي الدكتور مصطفى جواد, الذي كتب مقالاً بعنوان (حكاية إبي القاسم البغدادي هل هي لأبي حيان التوحيدي؟), نشره في مجلّة الأستاذ(*) أورد فيه أدلّة مُقنعة على أن مؤلفها هو أبو حيان التوحيدي, وإن المُطهَّر الأزدي ما هو إلاّ راوياً للحكاية, من صنع خيال الكاتب. ومقالة أُخرى كتبها ذنون طه بعنوان (مُجتمع بغداد من خلال حكاية أبي القاسم البغدادي.. إن الأسباب التي دفعت أبا حيَّان إلى نسبة هذه الحكاية إلى مؤلف وهمي لا تعود فقط إلى تصرّفه المُخالف للأمانة, المُباين لصدق الحكاية, الأمر الذي عِيبَ به أبو حيان في أكثر كُتبه... ولكنَّ الدافع الذي جعله يُخفي إسمه, وُنسب الحكاية إلى شخصيات وهميَّة لاوجود لها, يعود إلى محتوى الحكاية نفسها, وما جاء فيها من ألفاظ وأشعار, تجعل من الصعب على الإنسان, مهما بلغ من الخلاعة والمُجون, أن يضع إسمه عليها..)- ذنون طه- (**)- ويُشير الشالجي إلى أنه كاد أن يحذف الكثير من الرسالة, لولا تدخُّل الآخرين وحفظ الأمانة الأدبية..(إن الذي دفع التوحيدي, إلى الكناية عن إسمه, في هذه الرسالة, كثرة ما أورده فيها من ألفاظٍ وعبارات, تقرع الآذان قرعاً عنيفاً, وكنتُ على أن أُجرِّد الرسالة من تلك الألفاظ والعبارات, وأكثرها من شعر إبن الحجّاج الممتلئ بالسخف والقُذر, وأضاف لها التوحيدي من شعره الذي ينحطّ عن طبقة المتوسط, ويجمع بين الغثاثة والبرودة,..إلاَّ أن الإلتزام بنشر ما وصل إلينا كاملاً, من دون حذف, أمر واجب, صيانةً للتراث, وإلتزاماً بواجب الأمانة العلميَّة..) – الشالجي - ص 12-
في كتاب الشالجي (الرسالة البغدادية) شرح وتفسير لكل الحجج والتأويلات. فالرسالة من تأليف التوحيدي, وذكر نصوص منها وردت في الإمتاع والمؤانسة والبصائر والذخائر, وربط بين كتابة الرسالة وزمن كتابتها في الفترة التي إشتغل فيها التوحيدي بالنسخ, ونسَخَ كتاب الحيوان للجاحظ.
أن تبحث في أثر لكاتب فيجب أن تقرأ آثار الكاتب جملةً وتفصيلاً, وتقرأ سيرته ويوم ولادته ومكانها, وسيرة الأسرة وأحوالها الإقتصادية والإجتماعية. بعد ذلك ثقافة الكاتب ومؤلفاتهِ وتستقرئ أسلوبه في الكتابة, وأغراضه فيها. والأهم في كل ذلك زمن الحكاية و زمن كتابة الحكاية, وزمن الكاتب.
نقول أن الباحث عبود الشالجي توفَّرت فيه هذه المطالب حين درسَ الرسالة البغدادية.
يقودنا أُسلوب التوحيدي في الكتابة عموما, إلى مقاربة لُغته بالمبنى الشرقي؛ البيت مكوَّن من طابق أرضي وغرفة للضيوف, للإعتبارات الرسمية والعلاقات العّامة[ هذا التصميم للمبنى منذ العصر السومري], وطابق تحت الأرض ويسمّى السرداب, للقيلولة وغيرها, وهناك غرف أُخرى لها وظائف خصوصية. فكلمة بيت تشمل مجموع هذه البنيات الفرعيَّة وأغراضها. (قال جمال الدين القفطي في تأريخ الحكماء؛ ماأحسن مارأيت على ظهر نسخة من كتاب الإمتاع والمؤانسة, بخط بعض أهالي صقليَّة, قال : إبتدأ أبو حيَّان كتابه صوفيَّاً, وتوسطه مُحدِّثاً, وختمه سائلاً مُلحِفاً.) –تاريخ الحكماء ص 283- عبود الشالجي: الرسالة البغدادية ص 29-
إلتزم التوحيدي في هذه الرسالة أن تكون لُغتها صورة مُعبِّرة عن العلاقات الإجتماعية في العصر العبّاسي؛ صورة للنظام الفوقي للتناقضات؛ والمسماة باللغة (الثلاثية) الأبعاد, فهي تشمل لغة النُخب الأدبية في الفصاحة والشعر ولا تتنازل عنها, في نفس الوقت تتخللها العبارات الهجينة والكلمات العاميَّة, وكثير من الكلمات المأخوذة عن الفارسيّة. وهنا يحضر الجاحظ والهمذاني, فتأليف الرسالة, جاء بعدما فرغ أبو حيَّان من نسخه كتاب الحيوان, إستفاد من الجاحظ في النقل واللغة والسياقات السردية للحكاية, وما دأب الجاحظ على تسميته بالمُضحك المُبكي, وإشراك المُتلقي بالمُخاطبة والحوار.
الشواهد الدّالة على نسبتها للتوحيدي: - أسلوب التوحيدي ظاهرٌ واضحٌ فيها.
– أجزاء من هذه الرسالة أثبتها التوحيدي في مؤلفاته الأُخرى كالإمتاع والمؤانسة ( فإن حديثه عن المُغنيات البغداديات, قد أثبته في هذه الرسالة. ثم نقله بنصِّه وفصِّه إلى كتاب الإمتاع والمؤانسة. فإستغرق فيه فصلاً كاملاً, يقارب العشرين من الصفحات. كما أثبتَ في هذه الرسالة, وفي كتاب الإمتاع والمؤانسة, بالنص الخبر الذي ذكر فيه أنه وجماعة من أهل الكرخ, قاموا في السنة 360 بإحصاء المغنين والمغنيات بجانبي بغداد..مما يدل على أن صاحب الرسالة وصاحب الإمتاع والمؤانسة شخصٌ واحد.. وزيادةً عمّا تقدم فإن ياقوت في مُعجمه, ومن أعقبه من المؤلفين أثبتوا أن الرسالة البغدادية, من جملة مؤلفات أبي حيان التوحيدي..) – الشالجي: نفسه ص 12-
نعود إلى الأقنعة وتوظيفها عند التوحيدي, من خلال القناع المُركَّب من شخصيتين؛ هما الراوي, والبطل المحوري, ومعرفة كل منهما بتشخيص التوحيدي في مقدمة الرسالة: ( كنّى التوحيدي عن نفسه, في هذه الرسالة, بإسم أبي المُطهَّر محمد بن أحمد الأزدي, رحمة الله عليه, والمُطهَّر من الطهور, ومحمد وأحمد من الحمد, ورحمة الله تشمل الحيّ والميّت, أما الأزدي فهي نسبة إلى قبيلة الأزد اليمانية , إذ لاتعريف لها, ولا كناية فيها.) – نفسه ص 12-
هنا تستوقفنا العبارة التي يترحَّم فيها التوحيدي على المُطهَّر الأزدي, ففيها دلالة على وجود شخصيّة حقيقية في الزمن الماضي, وهي حيلة فنيَّة مُحكمة النسج, زادت من الإيهام بوجود المطهّر الأزدي. وتستوقنا ملاحظ أساسية أخرى, عن الراوي الحقيقي, فالقائل (حدثنا المُطهَّر الأزدي..) لم يكن التوحيدي, إنما هو راوي خارجي, ومروي عليه من قبل الراوي الأول المُطهَّر. وفي سياق الحكاية سلسلة روايات غير مُنتظمة في سلسلة السرد والحبك والربط. فلكل حكاية فرعية راوي, مثل (قال فلان) أو (سمعت عن بعض الأشياخ) وهي الصيغة المعروفة عند الجاحظ, وأحياناٍ ينقل الراوي عن رواة بصفة الجمع مثل (ذكروا أنَّ..) وهي الصيغة المُتَّبعة في رواية كليلة ودمنة (زعموا أنَّ..) أو (حكى بعضهم..).
يصف التوحيدي راويته بالشيخ الأديب ويُضيف ما يُكمل شخصيَّة هذا الكائن وعلى لسانه (.. هذا الذي أحصّله من أدب غيري وأقتنيه, وأتحلَّى به وأرويه.. أشعار لنفسي دوَّنتها, ورسايل سيَّرتها, ومقامات حضَّرتها. ثم أن هذه الحكاية عن رجل بغدادي, كنتُ أُعاشره برهةً من الدهر, فتفتَّق منه ألفاظ مُستحسنة ومُستخشنة, لتكون كالتذكرة في معرفة أخلاق البغداديين, على تباين طبقاتهم..) – نفسه ص44- وهكذا نلاحظ تأكيد التوحيدي على تصوير الشخصيات بالملامح الظاهرية والباطنية, كما لو كانت حقيقية. ولكي نُميِّز هذا التوصيف عن الهمذاني والحريري, نجدهما يُفضِّلان الإقرار بزيف الشخصيات الوهميَّة, لمطالب البناء الفنّي للحكاية.
إن إنحياز النص إلى بغداد والبغداديين, يدل على أن المُكنّى بأبي محمد المطهَّر الأزدي هو التوحيدي نفسه, لُغةً ومزاجاً نفسياً, فالرسالة بطولها وعرضها تُثني على بغداد وتصف حياة أهلها وتقاليدها وعادات أهلها وعمرانها وفنونها, ومجونها, وأطعمتها, وأصناف مشروباتها, وجواريها ومغنياتها, وما يصفه ( بأخلاق البغداديين على تباين طبقاتهم.).
وقفنا على الوجه الأول من قناع التوحيدي, المتمثِّل بشخصيَّة الراوي الحامل لصفاته ومواهبه الأدبية. ننتقل إلى الوجه الآخر للقناع؛ وهو الشخص المحوري الفاعل في الحكاية, ومدى تطابق مواصفاته بالتمام والكمال مع شخصيَّة التوحيدي, كما ترويها سيرته ومؤلفاته وعلاقاته مع الآخرين.
أولاً تعريف الشخصيّة بالإسم ( كان هذا الرجل (المُجلِّي), يُعرف بأبي القاسم بن علي التميمي البغدادي, شيخاً بلحيَةٍ بيضاء, تلمع في حمرة وجه يكاد يقطر منه الخمر الصرف, وله عينان كأنه ينظر بهما من زجاجٍ أخضر, تبصّان كأنهما تدوران على زئبق, عيّاراً, نعّاراً, زعّأقاً, شهّاقاً, طفيلياً...) ويواصل نثر الصفات المُشينة للشخصيّة بما يربو على ستين صفة من الذم والقدح, ويمتدحه في أربع كلمات مثل الصدّيق, ولكنه يتبعها بالزنديق. (الغرّة, الفاتك, الناسك.). يُفسّر الشالجي بنية الإسم واللقب وهي تتناقض مع صورة الوجه الموصوف, ويُستدل منها على شخص رقيع, ومُحتال, ومُتلوِّن في المواقف, وناكر للجميل, ويفيدنا الشالجي بأن التوحيدي كان يتحدث عن نفسه, فقد عُرف بالتزوير والإنتحال والتلفيق ونقل الأخبار الكاذبة ولصقها بمرجعيات تأريخية معروفة..(المُجلّي من السبق, والقاسم من القسامة أي الجمال, وأحمد من الحمد, وعلي من العلوّ, والتميمي من التمام الكامل الأوصاف, والبغدادي نسبةً إلى بغداد إذ لا تأويل فيها.).
المُلاحظ أن مواصفات؛ الوجه الوردي واللحية البيضاء وأثر الخمرة والعينين الزرقاوين, إنتقلت إلى الحريري في مقاماته, فظهر بطل حكاياته بهذا التوصيف, الأمر الذي ساعد رسام المقامات أن يستعين بها في سلسلة المصورات التي رسمها لأبي زيد السروجي. وهي الصفات الشخصيَّة التي عُرف بها التوحيدي؛ الأمر الذي جعل البعض ممن كتبوا عنه الى الإعتقاد بنسبه الفارسي.
كتب التوحيدي عن شخصيَّة مشحونة بالتناقضات الفكرية والنفسية, عاكساً ظروفاً أحاطته, فنقل صوراً مشوشة عن الواقع الحقيقي للحياة في بغداد أو غيرها, في هذه الرسالة, ونجده في كتابات أخرى يطرح ما يُناقضها, من أحوال الناس في بغداد في زمن كتابة الرسالة, وهي الفترة البويهية من العصر العبّاسي التي, كما ترويها المصادر التأريخية, من أشدّ الفترات ظلماً وفساداً في الحكم, وقهراً للطبقات الشعبية الواسعة. فقد روت المصادر التأريخية والأدبية, حالات المجون والدعارة والشذوذ في قصور الوزراء وتوابعهم, وهذه الصورة لا تخصُّ مدينة بغداد وحدها, أو الدولة البويهية فقط, بل هي تعُم أحوال المجتمع بكل أقسامهِ. وقد يستنتج القارئ من موقف التوحيدي في مدح بغداد, غرضاً أبعد من الأمانة المطلوبة في تصوير الواقع, خصوصاً وإن زمن الحكاية الداخلي هو زمن التوحيدي, لا زمن الراوي المُطهَّر الأزدي. وقد يرجع موقف التوحيدي في مدح بغداد, إلى ظروف مرَّ بها أثناء إقامته في إصبهان, لثلاث سنين, وعاد منها خالي الوفاض, فقيراً إلاَّ من الموهبة, فقد أسهبت المرويات التأريخية في تفاصيل التدهوّر الذي عاشته بغداد في تلك الفترة. ويكفي أن نستعرض ماكتبه الجاحظ من حيَّل اللصوص والمُكدين, وعن الشطّار والعيّارين. أما عن الفترة التي كُتبت فيها الرسالة, فيذكر آدم ميتز ( فقد خلت المنازل ببغداد من أهلها, وصاروا يطلبون مَن يسكن الدار بأجرة يتعطّاها ليحفظها, وقد أُغلقت عدة حمّامات ومساجد.)- ميتز: الحضارة الإسلاميّة-
فالتأريخ يُحدثنا عن ظروف تلك الحقبة المُظلمة, ويذكرها التوحيدي, نفسه, بهذا السوء في الإمتاع والمؤانسة. والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى في حالات مجون الوزراء وتفكك الدولة, وقد ذكر أبو المُحسن التّنوخي في كتابه (الفرج بعد الشدَّة) أمثلةً وافية, مرعبة, من إنتقام الوزراء, وصراعات بيوت الحكم, كسمل العيون والصلب والتعذيب ودفن الأحياء. في مُقابل تسخير الفكر والأدب والشعر لخدمة السلاطين. (فقد أثبتت كُتب التراجم بؤس كل مُفكِّر لم يتصل بأمير أو وزير, وهو ما بيَّنه أبو حيَّان في الإمتاع والمؤانسة, عندما أبرز شدّة الخصاصة التي عاناها هو وعاناها أبو سليمان السجستاني وإبن يعيش الرقِّي وغيرهم. كما أنه مع علمِه الواسع, وأدبه الفيَّاض وفلسفته وبلاغتهِ, وإتصاله بالوزراء والعلماء, وكدِّه في الحياة بالوراقة ونسخ الكتب, وتآليفه الغزيرة, يقول مُحدِّثاً عن نفسه: (ولقد إضطررتُ بينهم بعد الشهرةِ, والمعرفةِ, في أوقاتٍ كثيرةٍ, إلى أكل الخُضْر في الصحراء, وإلى التكفف الفاضح عند الخاصَّة والعامَّة, وإلى بيع الدين والمروءة, وإلى تعاطي الرياء بالسُّمعةِ والنفاق, وإلى ما لا يُحسَنُ بالحرِّ أن يرسمه بالقلمِ, ويطرحُ في قلبِ صاحبهِ الألم.)- الإمتاع والمؤانسة-
ويبدو أن أسلوب الرياء والنفاق تسرَّب إلى تلافيف نسيج الرسالة. فكل المديح والإعجاب لبغداد, وذم إصبهان, ينقلب في آخر الرسالة, فيتحوَّل إلى مدح لإصبهان وذم لبغداد, فيقول عن الأولى واصفاً هواءها شعراً(صيفها كشتاء بغداد..). الواقع أن أبا حيان التوحيدي كتب الرسالة البغدادية تحت وطأة ضغوط إقتصادية ونفسية, تعرَّض بسببها للإهانة والإذلال, خصوصاً في علاقته مع الوزير الصاحب بن عبّاد, ولهذا الموضوع بحث آخر, كتب فيه أبو حيان تفصيلاً, في كتابه (مثالب الوزيرين)[الصاحب وإبن العميد] و(الصداقة والصديق) و(البصائر والذخائر), وكثرت الدراسات عن تلك الفترة من التأريخ الإسلامي.
هامش: - (*) و(**) بحث للكاتب مهدي عابدي جزيني عن الإمتاع والمؤانسة- مجلّة إضاءات نقدية.
– يتبع-
*- فنان تشكيلي وكاتب-
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟