أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - مقامات الهمذاني - شاكر حمد –















المزيد.....

مقامات الهمذاني - شاكر حمد –


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


مقامات الهمذاني

– شاكر حمد – *

الهمذاني:

- أبا الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني المتوفي عام 398 للهجرة المعروف ببديع الزمان.. يقول عنه الشيخ محمد عبدة في شرحه لمقاماته ( قد طبَّقَ الآفاق ذكره. وسار مثلاً بين الناس نظمهُ ونثره. فله الرسائل الرائقة, والمقامات الفائقة, والقصائد المؤنقة, وله المعاني العالية. في العبارات الحالية. والأساليب الساحرة. في الألفاظ الباهرة. وما أجدره بقول نفسه في وصف زهير " يُذيبُ الشعرَ والشعرُ يُذيبه. ويدعو القول والسحرُ يُجيبه. ولا حاجة للإطالة فيما ظهرَ حتى بهَرَ. وبلغ شهرة الشمس والقمر. ومن أشرف ما إمتاز بهِ كلامه أنّه يُباهي به كلام أهل الوبر رصانةً ورفعةً. ويمتزج بطباع أهل الحضر رقّةً ورواء صنعة. فبينما يُخيَّل لسامعهِ أنه بين الأخبية والخيام. إذ يتراءى له إنه بين الأبنية والآكام.) –محمد عبدة : شرح مقامات الهمذاني- ص 3-
فيما وصفه الحصري القيرواني ( ت 453) في صفحة من كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب) بالنص التالي ( وهذا إسمٌ وافقَ مُسمَّاه, ولفظٌ طابقَ معناه, وكلامٌ غض المكاسر أنيق الجواهر, يكاد الهواء يسرقُهُ لطفاً, والهوى يعشقه ظرفا..).
يستدل الحُصري في هذه الصفحة على أن الهمذاني سايَرَ في مقاماته على خُطى أبي بكر إبن دريد(ولد في البصرة وتوفي عام 321للهجرة), في أحاديثه التي أوردها أبو علي القالي في كتابهِ (الأمالي) وإستند الدكتور زكي مُبارك على هذه الصفحة, ولا يوجد مرجع آخر يُسندها, وسنعود إلى بحث هذه الحجج في مقالات قادمة.

تناول العديد من الكُتّاب والأُدباء شرح المقامات, ومنها شرح مقامات الهمذاني للشيخ محمد عبدة, التي إعتمدناها في هذه الدراسة, وفيها ما يفي بغرض البحث, من الجوانب اللغوية, نحواً وصرفاً وسياقاً. وممن شرحوا مقامات الهمذاني الباحث محمد محمود الرافعي, ونكتفي بنسخة الشيخ محمد عبدة.
إعتمد الشيخ محمد عبدة, في شرحه على أكثر من نسخة وطابق بينها, ليتوصل إلى المفردة الأصلية إذا وجد إختلافاً لها في نسخةٍ أخرى. في نفس الوقت أعاد الكلمات إلى أصولها النحوية وتعدد معانيها وإعرابها, وجذورها في السرد العربي القديم. وقد أضاف للقارئ موسوعة لغوية تُفسِّر المعاني المطلوبة لفهم لغة المقامات الهمذانية الكلاسيكية. وهي لغة النخبة في عصرها, دون أن يتوسع في الإستطراد الفائض عن ضرورة المعنى. أما بخصوص مقامات الحريري فقد حظيَّت بالعدد الوافر من الشروح, وأهمُّها شرح أبي العبّاس القيسي الشريشي البغدادي. الذي قام بجهد كبير, في خمسة أجزاء, إتَّخذ منها ميداناً للإستطراد في المرويات العربية والأخبار والأشعار, إنطلاقاً من المفردة, إسماً كانت أو فعلاً.
أمّا القراءات التحليلية والدراسات النفسية والإجتماعية فقد ظهرت في العصر الحديث. ومازالت الدراسات والبحوث تتوالى في ميدانها.
إن السبب الذي دفع الحصري إلى الإعتقاد بأسبقية إبن دريد على الهمذاني يعود لإعتبارين؛ الأول هو الفارق الزمني بين المؤلفيَن والعملين (توفي إبن دريد سنة 321ه وتوفي الهمذاني سنة 398ه ) والثاني وهو الأهمّ أن مقياس الحصري للمقامة يندرج في باب الحكاية الخبرية, فقد جاءت حكايات إبن دريد ضمن هذا المعيار, وهنا يكمن الفارق الكبير بينه وبين الهمذاني, فالأخير لم يكتب حكايات وأخبار كما يعتقد الحصري, بل كتب نوعاً جديداً من التأليف, يقوم على عناصر جديدة لم تألفها الحكاية العربية, إلاّ إذا إستثنينا الجاحظ في بعض مُحاججاته حول البخل ورسائله. وربما يكون الهمذاني قد تأثر من بعض الوجوه بحكايات أبي بكر بن دريد, ففي مكان آخر يعترف الهمذاني أنه تأثَّر في مقامته (الشاميّة) بأشعار إبن الحجّاج (أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد الحجّاج النيلي البغدادي توفي سنة 391هجرية), شاعر السخف والإبتذال؛ المقامة التي مرَّ ذكرها. والتأثر غير التقليد, والتقليد غير السرقة مع شرط الإعتراف بفضل المُقلَّد كما إعترف الحريري بفضل الهمذاني. وفي الحالتين, التأثر والتقليد, لابدَّ من إضافة نوعيّة على إستراتيجية النص ومبناه ونسيجه بالشكل الذي يتقدَّم فيه الجديد على القديم, وهنا يتقدَّم الهمذاني في إبتكار الشكل الجديد للحكاية؛ موضوعاً وبناءً وأسلوباً.
الجديد الذي نحته الهمذاني يتمثَّل في تجسيد الخطاب بشخصيتين؛ شخصيَّة الراوي, وشخصيّة بطل الحكاية, وأسلوب الخطاب؛ التصريح بصوتين مُتقابلين, بعد ذلك إذا جمعنا الصوتين وجدنا المؤلف حاضراً في كل حركة وخطاب وموقف. هذه العناصر لم تتوفر في أحاديث إبن دريد, ويمكن مُقاربتها بأحاديث أبي حيان التوحيدي في ( الإمتاع والمؤانسة), وأحاديث المُحسِّن التّنوخي في (الفرج بعد الشدّة) و(نشوار المُحاضرة) ونوادر أبي علي القالي في كتابه (الأمالي) و(ذيل الأمالي),فالهمذاني تقدَّم على هؤلاء جميعاً بخطوة أساسية. ثمَّ يعقبه الحريري بالخطوة التالية حيث يتكامل معمار المقامة من جميع الوجوه. ويمكن أيضاً إعتبار السرديات العربية السابقة للقرن الرابع الهجري أساساً في التأصيل والتجذير لبذور المقامات, وبشكل خاص ماكتبه الجاحظ من موضوعات إرتكزت عليها المقامات فيما بعد. وقد تطرّق لهذا الجانب العديد من الباحثين في أصل المقامات, وعصر المقامة والنثر العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
في مقامات الهمذاني شخصيتان, ممثِّلان [ بالمعنى المسرحي]؛ الراوي عيسى بن هشام ينوب عن الهمذاني في دور مُزدوَج؛ الراوي والمروي له, ينقل فصاحة الهمذاني وطاقته الشعرية, وينوب عن الجمهور بوصفه المُتلقي المُفترض.
ثمَّ يأتي دور البطل في الحكاية, أبو الفتح الإسكندري ليؤدي الشطر الثاني من خطاب الهمذاني المؤَلف. الأول مُطالَب بخلق المناخ السردي والأفعال المسرحية, وله دور مُخرج العمل المسرحي, الثاني هو الهمذاني الموهوب في اللغة والحفظ والجدل والتمييز بين الأسماء المعروفة وغير ذلك. إن رسم الشخصيات ونحتها وبث الروح فيها, أمر لابد منه في السرد العربي القديم, وتثبيتاً لموثوقيّة الرواية, أن تكون منقولة من قبل شخصية ذات مكانة إعتبارية في المُجتمع العربي, كالإسم واللقب والشهرة, والمكانة القبلية وغيرها. فالمُتلقي العربي يُصدِّق الروايات, بمقدار مكانة القاص الإعتبارية, بما فيها الخرافية, كحكايات الجن والمُعجزات الخارقة. في نفس الوقت يُبالغ في تطوير الشخصيات الحقيقية وتخريفها[من خرافة]. وللحكي العربي أغراض, حسب الظروف الزمانية والمكانية ونوع الجمهور المُتلقي, فقد تكون الشجاعة والفروسية والقيَّم القبائلية والكرم والغدر والخيانة من بين وظائف الحكي العربي.
وفي الأدب العالمي تجربة رائدة من فلسفة الوظائف, إكتشفها الباحث الروسي بروب في وظائف الحكايات الشعبية الروسيَّة. ومهَّد بذلك إلى مشاريع إنقلابية في قراءة النصوص بنيوياُ. وعلى نفس المسار أجرى غريماس تجربه مُشابهة في تحليل الحكايات الشعبية اللتوانية.
للحكي العربي جذور تعود لجلسات الليالي, الغرض الأساس هو الإمتاع والمؤانسة, وكان ذلك قبل التدوين كحرفة إنتاجية, وما لحقها من أغراض تجارية إمتهنها الورَّاقون في نسخ الكتب والرسائل, وتقييمها حسب الرواج في السوق. وقد أشار محمد عبدة إلى هذا التدخّل والتشويه من قِبل النُّساخ.
إلتزم الهمذاني بالجانب التشخيصي المطلوب في الحكاية؛ فقد تكون شخصيات تأريخية, أو حقيقية (تضع إيهاماً كبيراً بواقعيتها, أي بكونها شخصيات من دم ولحم؛ وذلك إن مؤَلف الهمذاني قد أدخل في نسيجه بعض الشخصيات ذات الوجود التأريخي, مثل ذي الرمَّة, وأبي العنبس الصيمري, وأبي داوود المُتكلِّم وغيرهم, إضافةً إلى أن الشخصيات الخيالية الأخرى تُمثِّل أنماطاً يُمكن تصوّر وجودها على مستوى فترة تأليف النص..) – أيمن بكر- السرد ففي مقامات الهمذاني- ص 79.
سنرى تالياً أن الحريري في مقاماته خرقَ هذا التقليد, ولم يُدخل أيَّة شخصية تأريخية أو من شخصيات عصره, وحرر مقاماته من الروابط والمسؤوليات التأريخية والسياسية والإعتبارية. جاعلاً شخصياتهِ, وبشكل خاص بطله السروجي, كياناً فنيَّا, بمواصفات الممثل المُقتدر على تأدية جميع الأدوار المُمثِّلة لجميع الشخصيات بما فيها الشخصيات النمطية. ويمكن تقدير عمل الحريري بإنَّه إنزياح نحو الرمزية في إستهداف قيَّم وتقاليد وعادات سائدة في عصره.
من هذه الإعتبارات, ظهرت النصوص الطافحة بالغرائب والإثارة, وخرجت من قوانين السياق التأريخي؛ أحياناً زج أسماء تأريخية ضمن حوادث بعيدة عن عصرها. وقد لاحظنا بعضها في مقامة أو مقامتين, أشار لهما محمد عبدة. أو تحويل الشخصيات الحكائية التي تصنعها المُخيَّلة الشعبية, ومن ثمَّ تصديقها وإعتبارها شخصيات حقيقية, كما في حكاية (بطولة) بشر بن عوامة الذي صرع الأسد وقضى على الثعبان الفتّاك, وهذه القصَّة تكررت في المرويات العربية..إلخ.

وقد تخدم الورَّاق القصص الجنسية, بما فيها تجاوز الحدود المطلوبة للذائقة الأدبية. من هذا الجانب, ومراعاةً لذائقة القارئ الأديب لجأ محمد عبدة إلى حذف المقامة (الشاميَّة) وبعض عبارات من المقامة (الرصافية), وعلل ذلك بأن لكل زمانٍ مقال, ولم ينتقص من الهمذاني.
لذلك فالعدد الكُلي لمقامات الهمذاني هو إثنتان وخمسون مقامة بما فيها (الشاميَّة).
إحتلّ الشعر والشعراء المرتبة الأولى في محاور المقامات. وجرى العرض والنقد بطريقةٍ مسرحيَّة, حواريَّة, بين عيسى الراوي والإسكندري. وقد لاحظنا إن شخصيَّة عيسى بن هشام أكثر فاعليةً وحضوراً, بالرغم من إعتناء الهمذاني بالطابع المسرحي, الكوميدي, لشخصية الإسكندري. ولاحظنا عدم ظهور الإسكندري في عدد من المقامات, وقصر أحداثها على مُصادفات تواجه عيسى, ولدينا أمثلة سنعرضها في مقالات قادمة. وسنقارب بين شخصيات المقامات في السرد عموماً. قد يكون من المُفيد قراءة الهمذانيات من زاوية موضوعاتية عبر السياقات الفنيَّة التي جسَّدتها؛ فالغالب عليها الطابع المسرحي, وإنتقاء الحوادث اليومية, وإستخراج التناقضات منها وجعلها محاور صراعات كوميدية سوداء. الأمر الذي يتطلَّب من المؤلف تأهيل الشخصيات (الراوي والبطل) بالمواهب الحركية والصوتية والبلاغية وخلق الفضاء المسرحي المطلوب. تحقق هذا المطلب في (المقامة الموصلية) التي إحتال فيها أبو الفتح على جمهور المُصلين في مسجد, مُتخذاً دور خطيب المسجد, ثم يتبعها بحيلة أخرى على جثة رجل ميِّت. زاعماً أن الرجل مازال حيَّاً ويقوم بأفعال مسرحية لايمكن تطبيقها على الجثَّة حتى في مسرح العبث في زمننا الحاضر. وللكوميديا السوداء إمتدادات على مقامات أخرى, وبمُختلف الوسائل, الخطابية واللغوية, وحتى إختراق المحظورات ونثر الكلام الشائن, كما أشرنا.

في المقامة (الأسدية) يُصوَّر الوادي الجميل وهم في حال الخطر والجوع والعطش؛ ثمَّ يُلاقيهم غلام فيتحوَّل الوصف نحو جمال الغلام, يقول أيمن بكر:( فإن الغلام أيضاً يوصف بما يُحرِّك شهوة عيسى ورفقته.. يقول عيسى " وقد حارت البصائر فيه. ورقدت الأبصار عليه..".) [ في بحثنا " مسرح المقامات" حذفنا تتمة العبارة, كما حذفها الشارحان محمد عبدة ومحمد محمود الرافعي من نسختيهما.].
يتردد في مقامات الهمذاني سياق من الهذيان المسرحي. يمكن إعتباره سياقاً ميتافيزيقياً, شكليّاً, مُتمماً لعناصر البنية المقامية, نظراً لتكراره وتعدد صياغاته. لايمكن إدراج الهذيان في القصَّة والرواية, بما فيها الخيالية, حتى سرد الأحلام لابد أن يُصاغ ضمن نسيج المشاعر والأحاسيس المُنسجمة مع موضوع القصَّة وإنفعالات الشخصية المأزومة نفسياً فيها؛ لكنَّ خطاب الهذيان ممكن, وفعّال في المسرح, بشكل خاص في المسرح الكوميدي [ دور يونس شلبي في مدرسة المشاغبين].
في المقامة (الحلوانية) يوصف الحجَّام (أبو الفتح الإسكندري) بأنه جميل كالدمية, وعندما يُسلِّم ويتكلم يكون خطابه كالهذيان [يُناسب السريالية في عصرنا] ويبرر الحاضرون حالته بأنه ( من بلاد الإسكندرية لم يوافقه هذا الماء. فغلبت عليه السوداء وهو طول النهار يهذي كما ترى ووراءه فضلٌ كثير..) – المقامة الحلوانية- الهمذانية.
أحياناً تتخذ المُخاطبات بين الناس بعض سياق الهذيان. خصوصاً إذا غابت الروابط الحقيقية بين المُتخاطبين. أشار الناقد الروسي ميخائيل باختين إلى هذه الظاهرة سمّاها الحوارات الإسترجاعية, ومنها أن يتكلم الشخص مع نفسه, أو يُخاطب آخر غير موجود. إستحوذَ خطاب الهذيان على مقامتين هما (النهيديَّة) و(المضيرية) وفيها إستخدم الهمذاني أُسلوب التواتر السريع للعبارات وبدون توّقف, ليجعل ضيفه يبحث عن وسيلةٍ للهرب, ثمَّ يهرب تاركاً بيت المُضيِّف الثرثار, والمضيرية التي دُعي لأكلها. ثم يجد نفسه في ورطة قانونية يُسجن بسببها. ثمَّ يُقسم الاَّ يأكل هذه الأكلة ولا يحضر مأدبةً تُقدَّم فيها. الموضوع مسرحي بإمتياز.

أدرج الهمذاني سياق الألغاز في مقاماته, حول الأدوات المُستعملة في البيت, كالمشط والمهفّة, وأدخل المباريات الشعريَّة. وتلك كانت من سمات الجلسات الليلية في أوساط النُخب الثقافية. فضلاً عن المُناظرات حول الشعر والنحو والكتابة والحساب وغيرها. وقد سبق للهمذاني دخول هذا الميدان في المُناظرة الشهيرة بينه وبين أبي بكر الخوارزمي, المعروفة بإسم (مناظرة الهمذاني والخوارزمي) (جرت هذه المناظرة في نيسابور, وتُعد نموذجاً رفيعاً للمطارحات الأدبية, وقد أظهرت علو كعب الهمذاني على شيخ الأدباء أبي بكر الخوارزمي.) – منتصر يوسف – موقع: أسواق المربد-

في المقامة الأولى (القريضيَّة) تقع أحداثها في مدينة جرجان في بلاد فارس, وكان عيسى بن هشام قصدها تاجراً, ويعلل سببية عمله التجاري, حول ضيعةٍ يبيعها ويشتري دارا يسكنها في الليل وحانوت يشغله في النهار.
الغرض من هذا المُفتتح, تهيئة المكان لمجلس صغير يضمُّ مجموعة أدباء يتناظرون في الشعر, وعلى جانب يرصدون شابَّاٍ يُنصت للمحاورات وكأنه يرغب في المُشاركة, (يُنصت وكأنه لايفهم, ويسكت وكأنه لايعلم.). هذا الشاب هو أبو الفتح الإسكندري, حامل موهبة الهمذاني كما سنرى.
نلاحظ في هذه المقامة غرضاً واحداً يتمثَّل في موهبة الهمذاني في نقد الشعر والشعراء وقول الشعر, فحين يتقدم الإسكندري للمشاركة تسأله المجموعة عن تقييمه لشعراء معروفين, وبعدما يُبيِّن رأيه بكل شاعر سُئل عنه, يسألونه أن يُعرّفهم بنفسه وبموهبته الشعريَّة..
( حتى إذا قالَ الكلامُ بنا قَيلهُ. وجرَّ الجِفالُ بنا ذيله... فدنا وقال: سلوني أُجبكُم. وإسمعوأ أُعجبكُم. فقلنا: ماتقول في أمرئِ القيس؟ قال: هوَ أوَّلُ مَن وقف بالديار وعرصاتها. وإغتدى والطيرُ في وُكناتها. ووصَفَ الخيلَ بصِفاتها. ولم يقُل الشعرَ كاسباً. ولم يُجِد القولَ راغباً. فَفَضَلَ مَن تَفتَّقَ للحيلةِ لسانَهُ. قلنا: فما تقول في النابغة؟ قال: يثلبُ إذا حَنِقَ. ويمدحُ إذا رغبَ. ويعتذر إذا رُهِبَ. قلنا: فما تقول في زُهيرٍ؟ قال: يُذيبُ الشعرَ والشعرُ يُذيبُهُ. ويدعو القولَ والسحرُ يُجيبُهُ. قلنا: فما تقولُ في طَرفَةَ؟ قال: هو ماء الأشعارِ وطينَتُها. وكنزُ القوافي ومدينَتُها. مات ولم تظهر أسرارُ دفائنهِ. ولم تُفتَح أغلاقُ خزائِنهِ. قلنا: فما تقولُ في جريرٍ والفرزدق وأيُّهما أسبقُ؟ فقال: جريرُ أرقُّ شعراً. وأغزرُ غزراً. والفرزدقُ أمتنُ صخراً. وأكثرُ فخراً. وجريرُ أوجعُ هجواً. وأشرفُ يوماً. والفرزدقُ أكثرُ رَوماً. واَكرمُ قوماً. وجريرُ إذا نَسَبَ أشجى. وإذا ثَلَبَ أرمى. وإذا مدَحَ أسنى. والفرزدق إذا إفتخَرَ أجزى. وإذا إحتقرَ أزرى. وإذا وَصَفَ أوفى. قلنا: فما تقول في المُحدَثين من الشعراء والمُتقدمين منهم؟ قال: المُتقدمونَ أشرفُ لفظاً. وأكثرُ من المعانيَ حظاً. والمُتأخرون ألطفُ صُنعاً وأرقُّ نسجاً. قلنا فلو أريتَ من أشعارِكَ. ورويتَ لنا من أخباركَ. قال: خُذهما في معرضٍ واحد.) وأنشد شعراً. فمن هو هذا الإسكندري إن لم يكن الهمذاني الذي فاقَ الخوارزمي في المناظرة التي ذكرناها.
يرد موضوع الشعر والشعراء, ولكل شاعر شيطان مُلهم, في المقامة الثانية والثلاثين (الإبليسية). القصَّة كما يرويها عيسى بن هشام في يوم ( أظلّلَتُ إبلاً لي فخرجتُ في طلبها, فحللتُ بوادٍ خضرٍ, فإذا أنهارٌ مصرودةٌ وأشجارٌ باسقةٌ, وأزهارٌ وأنماطٌ مبسوطةٌ وإذا شيخٌ جالسٌ, فراعني منه مايروع الوحيد من مِثلِه... وسألني عن حالي.. هل تروي من أشعار العرب شيئاٍ؟ فقلت: نعم. فأنشدتُ لإمرئ القيس وعُبيد ولبيد وطرفة, فلم يطرب لشيءٍ من ذلك. وقال أُنشِدكَ من شعري.. فأنشد:
بانَ الخليطُ ولو طوَّعتُ مابانا وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا.

حتى أتى على القصيدة كُلِّها. فقلت ياشيخ هذه القصيدة لجرير, قد حفظتها الصبيان. وعرفها النسوان. وولجت الأخبية ووردت الأندية.) يرد الشيخ:- أنا أمليتها عليه.
في المقامة إنعطافة سردية نحو الألغاز حول الأدوات البيتية وغيرها, وفي ختامها يُلاقي عيسى أبا الفتح الإسكندري يقول عيسى فأخبرته بأمر الشيخ إبليس فأومأ إلى عمامته وقال (هذه ثمرة بِرّهِ. فقلت: ياأبا الفتح شَحَذتَ على إبليس إنَّكَ لشحّاذٌ.).
يقول د - زكي مبارك أن هذه المقامة هي التي ألهمت كلاً من المعرّي وإبن شُهيد الأندلسي في كتابة رسالتيهما. ويُفهم من رأي الدكتور مبارك؛ الوصف العام لفضاء الحكاية, حيث يصف عيسى الوادي الخَضر, كأنه يصف الجنَّة. والطبيعة الغرائبية لمجرى الأحداث, وفي مقامات الهمذاني طقوس غرائبية مُشابهة, كالتي جرت في المقامة الثالثة (الأسديَّة).
– يتبع -

* فنان تشكيلي وكاتب



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد
- آرتموفسكي.. المُعلم الإستثنائي
- تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف
- [حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]
- فن السرد في مملكة محمد خضير
- السرد التشكيلي في -المملكة السوداء- لمحمد خضير
- فيصل لعيبي ....المنتمي (1)
- إحسان وفيق. بؤس السفسطة
- رحيل ساحر الافاعي
- الحركة التشكيلية في البصرة ... 3
- الحركة التشكيليه في البصره (2)


المزيد.....




- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - مقامات الهمذاني - شاكر حمد –