أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي















المزيد.....


تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 00:14
المحور: الادب والفن
    


شاكر حمد -*

نواصل في هذا المقال, موضوع العلاقة بين الكاتب والراوي والشخصيات.
المُطهَّر الأزدي, هو الراوي الأول في الحكاية, دور راوي( ألف ليلة وليلة) الذي يفتتح السرد بقوله ( قالت شهرزاد) ويختمه بالفاصلة الزمنية (وأدرك شهرزاد الصباح). فهو الراصد, البانورامي, المُبئِر, لفعّاليات السرد. يحل الراوي, من الدرجة الثانية, أبو القاسم البغدادي, الشبيه بدور شهرزاد القائلة (بلغني أيها الملك السعيد..). يُقابله صوت أبي القاسم, حين يوجه الكلام لصاحب الدار (ياسيدي..).

الراويان يتبادلان أوصاف التوحيدي وتقلباته النفسية, وتكوينه الشخصي. يستدعي التوحيدي أصوات أُخرى, بمستويات مُتباينة لمواصلة الحكاية, في إستعادة حكايات وقصص داخلية, من بينها القطب الثالث في تركيب الحكاية. هذا الصوت مُتعدد الصفات, ودرجات الظهور. يتوارى خلف إنفعالات صوت التوحيدي, ويظهر في لحظات يتصاعد فيها الإستطراد, في تنضيد الأنواع والتسميات والصفات والموصوفات.
نلمح هذا الصوت بين الجمهور, بضمائر مُتعددة. أولها ضمير المُخاطب, في تقاطبية الكلام؛ مُتكلِّم وسامع, وبصيغتي المفرد والجمع (أنتَ ومَن تكون.. وأنتم لم أرَ عندكم كذا وكذا؟) وثانيها الشخص المستتر خلف الضمير الثالث, ويشمل الجميع, الحاضر والغائب, القريب والبعيد؛ صوت من بين الحاضرين يقول (حدثنا يا أبا القاسم..) أو (وما قصة هذه الجارية يا أبا القاسم.)
وثالثها الشخص المُضمر خلف الأسماء المستعارة, والأفعال والقصص ودلالاتها المُختلفة. تارةً يرويها أبو القاسم بقوله (شاهدتُ) وتارةً يقول (سمعتُ) وتارة يروي قصص من ذخيرة التوحيدي, المنقولة من السرد العربي القديم ومن ثقافة المجالس التي تكلَّم فيها, ودوَّنها في مؤلفات أُخرى, مثل البصائر والذخائر, والإمتاع والمؤانسة فيما بعد. ومن بين حلقات السلسلة تنفرد إحدى الشخصيات لتعرض نفسها بضمير المُتكلِّم, سرداً وشعراً. الشعر سرد خيالي, مصحوب بالموسيقى الداخلية, مهما تعددت الضمائر فيه, فهو ذات ناطقة.

قرر التوحيدي لهذا القطب أن يكون فاعلاً رئيسياً في مبنى حكايته, فاعل في الحضور؛ مُتلقّي ومستمع إيجابي, ومُشارك في الحوارات, ومُنتج للأسئلة والأجوبة. لم يكن وضع الجمهور, داحل الحكاية, مُبتكراً, فقد سبقه الهمذاني في مقاماته. أمَّا أصل الفكرة, فيرجع إلى المجالس العربية, والمسامرات الليلية, وإلى التقليد الذي ذكره الجاحظ عن مسجد البصرة, وجماعات الأُدباء والمفكرين, الذين سمّاهم الجاحظ (المسجديين) وكتب عن الموضوعات التي كانوا يتناولونها في جلساتهم, حيث كانوا يطرقون كل فن من الفلسفة إلى الأدب, واللغة والنحو وغير ذلك. ويمكننا تقدير أعداد الحاضرين في هذه المجالس, بحدود المكان, أي مساحة المسجد, ونوع الحضور مِمَّن تعنيهم الموضوعات الفكريَّة بشكل مُباشر. ومن هذه المجالس, وما سبقها من تقاليد, ترسَّخ تقليد الرواية المكوَّنة من مُتكلِّم وسامع. إنعكس التقليد في المقامات. (يتكوَّن المجلس, ليلياً كان أو نهارياً, خاصّاً أو عامّاً, علنياً أو سريّاً, من ثلاثة مكونات أساسيّة: هي المُتكلم والسامع والكلام.. المُتكلِّم يتكلَّف بالكلام" بغض النظر عن جنسه أوأنواعه ", ويكتفي السامع بإستقبال الكلام والإنفعال به " الضحك, البكاء, التعجّب.. وقد يظل هذا الإنفعال ضمنيّاً أو مُتجسّداً) – سعيد يقطين: السرد العربي ص 153-
مجالس البصرة كانت للخاصة, جمهور من النخبة الأدبية,
نستنتج فيه سمات التميّز والذكاء, والمشاركة في المناظرات الفكريّة, بحكم الموضوعات المطروحة فيها. ويشمل ذلك أعمار الشخصيات, من شيوخ الأدب واللغة والشعر والنقد وغيرها. وهناك المجالس الترفيهية, كمجالس الأندية المُغلقة والمفتوحة, والبيوت الخاصَّة.

شهدت مجالس البصرة أنواعاً من المناظرات والأحاديث. ( كان أبو عمر محمد بن عبد الواحد, اللغوي المعروف بغلام ثعلب, يجعل كلامه بحسب أسئلة الحاضرين, فمثلاً يسأله بعضهم: أيها الشيخ ما القنطرة عند العرب؟..) – المنتظم ص 185- عن آدم ميتز-
وقد أورد كل من الهمذاني والحريري في مقاماتهما أمثال هذه المُخاطبات المبنيَّة على السؤال والجواب, وبذلك كانت الموضوعات تتنوَّع بين الجد والهزل. سار التوحيدي على هذا التقليد في ترتيب عناصر حكايته؛ أن يُشرِك جميع العناصر المتشابكة في نسيج الحكاية, بعد رسم الشخصيات, بما فيها الجانبية والهامشية, وشخصنتها بالعلامات الجسمانية والعقلية, كما يراها, وحدد المقطع الأول من الحكاية لهذه الوظيفة, إبتداءً من مكان الأحداث, وزمان حدوثها, مُحدداً بالساعات..

إشترطَ كتّاب المقامات, وجود الراوي, الذي يمنح الحكاية سماتها الواقعية, حيث يقرأ الوجوه الحاضرة, ويستنطقها, ومن ثمَّ يسترسل في الحكي, جاعلاً من الشخص الجالس أمامه صورةً تسترجع صوراً من أزمنةٍ ماضية, أو يكتشف في الوجه المُقابل سيمياء حالة نفسية أو أخلاقية معروفة في المُجتمع أو في منظومة الحكم, أو سلالات الملوك. هنا حشد التوحيدي جمهوره في مكان واحد؛ دار أحد الأشخاص في إصفهان. ولم يُحدد العدد, كما فعل الحريري صراحةً في بعض مقاماته, وكذلك الهمذاني, ضمناً. لكننا نستطيع تقدير عدد الحاضرين بعدما يُخاطبهم الواحد بعد الآخر, بمن فيهم صاحب الدار, وخادمه الذي يخدم المجلس, نكتشف أن العدد الإجمالي كان عشرة رجال.
يدخل أبو القاسم الدار, يخترق الفضاء الداخلي بالخشوع وتصنّع الوقار, وبعد السلام على صاحب الدار, يقرأ من سورة النور (رجالٌ لاتلهيهم تجارة عن ذكر الله..), إلى أن يلحظ واحداً من القوم مُبتسماً فيعاتبه على قساوة قلبه, بينما المأساة هناك في كربلاء, ويواصل مديح أهل البيت, وذم مَن يُعاديهم, شعراً. إلى أن ينتبه إلى آخر أصلَّف من الأول في جوابه, فينهال عليهم بالشتم وكيل الألفاظ مثل (كشاخنة, صفاعنة, أولاد العناق والحشايا.. ثمَّ يُقبل على صاحب المجلس فيقول: ياسيدنا من هذا؟ مإسمه؟ أمتعني الله بفقده. فيقول: هذا رجلٌ فاضلٌ أديب, يُعرفُ بأبي بُشر. فيقول: عبسَ وتولّى, لا إله إلاّ الله, ثقيلٌ كنيته أبو الهوا, سماديٌ إسمه شمامة... وذا الآخر من هو؟ فيقال هذا الكاتب) التلميح هنا عن عبد الحميد الكاتب, وينال هذا حظّه من القذع واللفظ البذيء. ( وأيش هذا القايم على رأسه؟ فيقال: خادمه. (ياسيدنا وهذا الآخر أيش هو؟ قد كبَّر عمامته, ونقشَ جُبَّته, ونفشَ بفعل مشطٍ لحيه, وما أكبر عمامته المسوَّمة, كأنه حمَّلٌ على رأسه رُزمة... وذا الآخر من هو؟ وما باله ساكت لاينطق, أتراه يُفكّر بالخلافة إلى مَن تصير, أليس سيدنا مُهتم بسيف كسرى إلى مَن وقع, قد غرقَ زورقه في الداوودية, مسكين أبو العقلين.. ويحكم مَن هو؟ فيقال: إنسان يُداخل الكبار, ويُعاشر الرؤساء. فيقول: نديم محطي, يأخذ ولا يعطي...) فيذمّه باللفظ الحقير ويعتبره طفيلياً..(وذا الآخر من هو؟ زيادة الحمّى في دُمَّل, كأنه أمرد لا يُغنِّي ولا يدخل, كأنه طنبور قد تقطَّت أوتاره.. خبّروني من هو؟ فيقال: هو بعينه طنبوري. فيقول: فذا طبلٌ لابد أن نسمع صوته... بإلله لايصلح لكم إلاّ مثله.. وذا الواقف غلامه...وينظر إلى رجل في المجلس, وهو يخدم الداخلين, ويُكرم الناس فيقول: ياسادة, وهذا أيضاً أيش هو؟ أراه يشوي سمكته في الوسط, أراه قد نضجَ فضلاً, أخاف أن يحترق, أخبروني من هو؟ فيقولون: هذا وكيل صاحب الدار, ويتصرَّف بين يديه, ويحضِّر ما يحتاج إليه من الطعام, والشراب, والقيان..فيقول: زه ثمَّ زه, هذا حمامة نوح, هذا صاحب الدلالة, وحامل الرسالة, هذا الذي يجمع بين الرأسين, ويؤلف القلبين.) – الرسالة – ص 77-
جميع هذه الكنايات تعني قوَّاد. ثم يتبعها شعراً. وينظر إلى أمرد في المجلس, ويقول: ذا من هو؟ ذا كمن يبيع الطلوس, ويبيع الفواحش في الذين فسقوا..) بعد ذلك يتبعه بكنايات من قبيل الألغاز وجميعها تعني الذكَر. (ثمَّ يقول: الساعة عرفت, أصناف أخياف بستان كلُّه كرفَس سواسيةً كأسنان الحمار. فيقول صاحب الدار: يا أبا القاسم, ما بقي في المجلس أحداً لم تذكره غيري, فيقول : ياسيدنا, وما عسى أن أقول فيكَ, إلاَّ كما قال النبي (ص): المرءُ على دينِ خليلهِ, فلينظر أحدكم مَن يُخالل.. ويحدّق النظر إلى إثنين منهم, وهما صديقان, فيقول: لا إله إلاّ الله, ينضاف الشوم على الشوم, كما ينضاف البصل على الثوم..) – الرسالة ص 82-

يواصل الكلام بصيغة الأسئلة وجميعها تتضمن إشارات على وقائع تأريخية كهدم الكعبة بالمنجنيق, أو الإشارة إلى ما حصل لجعفر بن أبي طالب في معركة مؤتة, أو ما فعلته هند زوجة أبي سفيان, أم معاوية, في معركة أحد..إلخ. والمُلاحظ أن التوحيدي أورَدَ جميع هذه الجُمل في كتابه (أخلاق الوزيرين ص 493). (قال: ثمَّ يُقبل على ساكت في المجلس, ويقول له: وأنت يابهيمة الله, لمَ لاتتكلم؟
أخوكَ مثلَ المحمومِ مُلتهبٌ وأنت مثل المفلوج مبرودُ.
يايبروح صنمي, مالكَ لاتنطق؟ ياصورةً في حائط, أنت منَ الجماد أم الحيوان؟. ويحكم ياسادة, أنبهوه, هو نايم, أليس سيدنا هنا.... ويحكم أنظروا إليه, وإلى شخوص عينيه, ويبوس شفتيه... فيقول أحدهم: دعونا من أبي القاسم, وحديثه, الجو اليوم طيِّب, والهواء صافٍ..) فتكون هذه الإشارة عن الجو, نقطة تحوُّل في الخطاب من جنس الكلام التعريفي بالأشخاص إلى الحديث عن هواء بغداد ومافيها, مُقارنةً بأصفهان, وفيها سردية طويلة تواكب الرسالة إلى ختامها.
المدخل التعريفي مطوَّل وفيه ألفاظ شائنة, نثراً وشعراً, حذفناها. غايتنا أن نتعرَّف على عدد الحاضرين في المجلس, والواضح أن عدد الذين خاطبهم أبو القاسم, أو أشار عليهم بالوصف, كان عشرة أشخاص, وهذ العدد يتقارب عند الهمذاني, ويتكرر في أغلب مقامات الحريري. والملاحظ أيضاً أن التوحيدي أكَّدَ على سمات الشخصيات, وما تحمله من علامات, وما تتركه من إنطباعات, من خلال أشكالها, وملامح وجوهها. وقد لاحظنا أن الحريري سار على هذا الأسلوب في بعض مقاماته, وبشكل خاص (المقامة الحلبية) والتي يظهر فيها أبو زيد السروجي, مدرّساً للصبيان, ويُخاطبهم بنفس الطريقة التي إتّبعها التوحيدي, ولكن بدون اللفظ الشائن والشعر القبيح. كذلك لم يذهب الحريري بعيداً في الإيحاء بالتأريخ القديم, من خلال أوصاف الشخصيات.
هنا يجدر القول ان سرديات القرن الرابع الهجري, عكست الظواهر الفوقية من الصراع الإجتماعي. فقد تميَّزت تلك الفترة (قرنين من الزمن حتى وقت كتابة الرسالة) بشتى صنوف الشخصيات النمطيَّة, وأنواع اللغات, وتداخلها مع العربية, بشكل خاص دخول كلمات فارسية في الإستعمال اليومي, وما زالت إلى الان, وقد وظَّفها الشعراء في أشعار تلك المرحلة. إن الشخصيات المنبوذة, والشاذّة, والغريبة, والمُغتربة, كانت تملأ الفضاء الحكائي اليومي. تكشف لغة الخطاب, وعي المُخاطَب. إعتمد التوحيدي, في رسالته, مزج العربية الفصحى بالعاميَّة الدارجة, في المُخاطبة مع المجموعة, التي بيَّن صفاتها وهجاها, فهم مجموعة من السفهاء والباحثين عن اللهو. في نفس الوقت يستهويهم سماع هذا المُتكلِّم الفصيح.

لابد أن يكون خلف النص غرض أو أغراض. فالموقف من الشخصيات التي عاش معها التوحيدي, ورافقها في الدواوين كان واضحاً. وكان ماثلاً في الرسالة نقد الأسماء الأدبية, مثل عبد الحميد الكاتب. (ياكاتباً عبده الذي لانشكُّ فيه عبد الحميد.) ونهمل البيت الذي يليه لقبح اللفظ فيه.
(عبد الحميد بن يحيى بن سعد, كان يكتب لمروان بن محمد, آخر الخلفاء الأمويين, وقُتل معه في السنة 132, وكان آيةً في الكتابة, حتى قيلَ: أنَّ الكتابة بدأت بعبد الحميد, وخُتمت بإبن العميد.) – الشالجي – هامش 1 ص 59-
وفي جانب آخر يتجلّى في النص, أو جانبه السوقي المُقرف, غرضاً سوقياً تجارياً, أو تدميرياً للذائقة المُتلقيَّة, خصوصاً إذا قٌرأت الرسالة بصوت مرتفع للسماع, ولا شك ستكون مصحوبةً بموجات من الضحك, في مجالس السمر والشرب, وبالتالي فهي تُخاطب جيل الشباب, أو المجموعات الباحثة عن أدب التسلية, كندماء الوزير المُهلَّبي الذين يسكرون في بيته ليلتين في الأسبوع, وكانت صورةً من صوَر الخلاعة كما وصفها الجاحظ في أكثر من مصدر, وثبَّتها المُحسن التنوخي في نشوار المحاضرة وأخبار الذاكرة.
كما تتجلّى شخصية المروي عليه, الحقيقي؛ المستمع؛ القارئ الضمني, الحاضر في سرديات تلك الفترة, المولع بالكتب الخارقة للقيَم والإعتبارات الأخلاقية. يقال أن ديوان الشاعر إبن الحجّاج [ شاعر القذارات], كان يُباع بخمسين دينار في حياتهِ. وكان لهذه الجلسات الماجنة أثرها في تشكيل الحكاية العربية, لما يدور فيها من قصص, ولغات وألفاظ, وحكايات عن الجنس والحب, والسب والشتم, والسفاهة, والتمثيل. وقد سبق لنا, في مكان آخر, التطرُّق إلى أنواع من هذه الرسائل, عن الحب والغرام والجنس وغيرها.

إستخدم التوحيدي ثلاثة أنواع من أسلحة التدمير:
- سلاح الضحك: وشمل أسماء وكنيات وأوصاف بشكل مُباشر أو تضميني, بالإيحاء أو الإشارة, بإظهار العلامة الدلَّة على إسم من ذاكرة التأريخ. أو الحديث عن مهنة, والحط من قيمتها في المُجتمع, وغرض السخرية فيها إسم لشخص أو منطق أو بلد إشتهرت فيه.

- سلاح الشتم: وتقريض الأسماء بشكل مباشر؛ كثرت هذه النقائص في كتبه الأخرى (أخلاق الوزيرين/ البصائر والذخائر/ الصداقة والصديق).

– سلاح الغمز: بالتكنية والإستعارة, والشعر القذر, وفيه تكثر الإساءات, بشكل خاص إستعاراته من إبن الحجَّاج, وكان مُعاصراً للتوحيدي. إن بيت من هذا الشاعر كفيل بتحطيم صورة إعتبارية لشخصٍ ما. ولا ننسى أن إضافات التوحيدي من الشعر القذر, فاق إبن الحجَّاج في الإنحطاط.
أشار مُحقق الرسالة وشارحها عبود الشالجي إلى البون الشاسع بين الهجاء المعروف في الشعر العربي وبين التسقيط اللفظي, ومثل ذلك أشار إلى التكسّب الوضيع الذي عِيب فيه التوحيدي, في مُقابل شعر المديح لنيل المساعدة.

يمكن إعادة هذا الصوت إلى المُكنّى أبي القاسم البغدادي, الذي يُشغل نصف الحكاية, ويمكن إعتبار شخصيته صورة لسنوات من المتاعب الماديَّة والمعنوية عاشها التوحيدي.

لكننا سنرى, تالياً, إن هذا الصوت يتلاشى بعد ما تبلغ الحكاية نصف الرسالة, ليحل بدلاً عنه صوت التوحيدي, في النثر الجميل والشعر الرقيق, وكأن المجلس يتحوَّل إلى ديوان الوزير الأديب إبن سعدان. ولو إفترضنا أن التوحيدي, إبتدأ رسالته, من الصفحة200 لكان قد وضع إسمه على صدرها وأهداها لصديقٍ قريب, مثلما أهدى الأمتاع والمؤانسة, إلى صديقه أبي الوفاء المهندس.
في المنعطف السردي الجديد, حوَّل التوحيدي خطابه من التداعي النفسي, إلى التأمل الجاد في المرويات التأريخية والأدبية, وأحوال بغداد وفنونها, من خلال سلاسل الأسماء؛ الجواري الحِسان الموهوبات بالحسن والجمال والثقافة والغناء؛ مع تضمين الإسم سردية عميقة الجذور مثل حكايات قصص الحب, أو النوادر, أو الصعود والهبوط في الدنيا.
ومن خلال هذه العروض, يكشف التوحيدي, آراءه في الشخصيات ومواقفه منها. وهي في الغالب شخصيات من المغنين والمُغنيات, ويقرن ذلك بهجاء مُغنيات أصفهان. ولمَّا ينتقل إلى وصف جمال الغلام البغدادي, يستخدم ضمير المُتكلِّم للغلام وهو يصف نفسه ويعرض خدماته لمن كان حاضراً. ويمكن القول أنها لغة التوحيدي نفسه في بلاغتها ورشاقة لفظها, وطراوة نبرتها, وكأنه يُصوِّر مفاتن الغلام كما لوكان تمثالاً رومانياً من تماثيل الحُب. ثمَّ ينعطف على ذم غلمان أصفهان بأبشع الصفات, ونعتقد أن التوحيدي كان مُبالغاً, في الحالتين, وبعيداً عن الصدق والواقعية.
من ظواهر ذلك العصر, إنتشار الجواري والغلمان, في عموم البلدان الإسلامية, التي لم تكن تعرف الحدود الجغرافيّة, كما هي في عصرنا الحاضر. ولكن موجات الغزو, حملت الآلاف المؤلَّفة من الأسرى, من النساء الجميلات, والصبيان من البلدان المُحتلَّة, خصوصاً بلدان الشرق, والشمال الأوربي, فأصبح بيع البشر في الأسواق, مألوفاً, منذ ظهرت الحروب القبلية وما بعدها. وكان بيع وشراء الجواري والغلمان يجري بحسابات البيع والشراء للسلع, فكان التسعير حسب مواصفات الجمال, أو مواهب أُخرى, تُضاف على السعر.
[ترك لنا الفنان الواسطي, أجمل تصويرتين عن سوق النخاسة ضمن تصاويره لمقامات الحريري,إحداهما تصوّر عملية وزن الذهب لشراء غلام في المقامة الحجازية, وقد ظهر الغلام بملامح أنثوية وثوب نسائي مُشجَّر. والثانية للمقامة الزبيدية, وتُظهر صاحب الدكان يزن الذهب, وفي أسفل اللوحة صبيان وعبيد مع مالكيهم, ينتظرون أدوارهم في عملية البيع والشراء.]- شاكر حمد: مسرح المقامات ص 132/133- طبعة دار سطور 2025-
وفيهما توثيق دقيق لعمليات بيع وشراء العبيد والغلمان. فعمليات البيع والشراء تشمل العبيد ذوي البشرة السوداء, والغلمان من الصبيان البيض.
هل يُعقل أن يكون التوحيدي بعيداً عن قراءة هذا التأريخ, وهو العالم الفيلسوف كما تصفه المراجع الأدبية الكبرى؟.
تصل الرواية إلى ذكر جواري بغداد, فيسأله أحد الحاضرين ( لو زدتنا ياأبا القاسم ) فيبدأ بوصف زادمهر جاريَّة إبن جمهور. [أبي علي بن جمهور- ترجمته في ص 229للشالجي], وتكون مناسبة لإستعراض سيرة هذه الجارية,[ وهي فارسيّة, عُرفت بالجمال والأدب..] نستنتج فيها المُبالغات, ومنها الحكاية التي تطلب فيها ثمناُ لمتعة مع صاحبها, الذي بعث لها رسالة.
يقول الشالجي (لا يُعقل أن جارية مثل زادمهر في أدبها وترفعها, أن تبعث مثل هذه الرسالة "ضع مع الرسالة دينارين, حتى أأتيك بنفسي", ولكنَّ التوحيدي, يتخيَّل ثم يخال, ويزوّر الكلام في صدره, ثم يُثبّته على القرطاس.) – الشالجي – هامش 2 – ص 233-
تشغل حكاية زادمهر قرابة عشر صفحات من الرسالة. وفيها الكثير من التلفيق والتزوير.

لتنضيد الأنواع, في السرد العربي, أغراض يهدف الكاتب إلى تحقيقها, أهمُّها تلبية رغبة القارئ, إن كان صاحب طلب خاص, أو قارئ يقتني الكتاب, وهنا تنسحب رغبات القراءة على موضوعات الكتابة. وقد شهد السرد العربي ألواناً من الموضوعات, تبدأ من التأريخ, ولا تتوقف. جمع التوحيدي كتابه الأمتاع والمؤانسة, بطلب شخصي من صديقه أبي الوفاء المهندس, كما سبق القول. ولمّا وصل إصفهان ودخل دار الصاحب بن عبَّاد, كلّفه هذا بنسخ رسائله. إستاء التوحيدي من الطلب, ومهنة النسخ التي هجرها في بغداد. ثمَّ إنصاع للطلب مُرغماً, وكانت تلك الواقعة, سبباً في القطيعة مع الصاحب.
إنَّ كل طلَب لابد أن يستجيب لمشيئة صاحب الطلَب. وكان الكُتّاب يقرأون أهواء أصحاب الدواوين, وشروط الكتابة. إعترف الحريري أنه كتب مقاماته تلبيةً لطلب صاحب شأن.
وكان ذلك تقليد, كتب فيه الجاحظ, مُعتبراً مهنة الكتابة من المهن الوضيعة في الوظائف الإجتماعية.

في حديث الجواري, تنفتح قريحة التوحيدي, الرومانسي, فيأتي بسلسلة من أسماء الجواري, ويقرنها مع شخصيات غير مُعاصرة لها, وتكثر أمثال هذه الشطحات. خصوصاً وإن التوحيدي يذكرها, مع التغيير أو التصحيف, في الإمتاع والمؤانسة. وهنا ينسى التوحيدي, راويا حكايته الأول, والثاني, فيروي بصوت المؤلف, كما سارت الحكايات العربية القديمة؛ إعادة تكرار القصص مع التحريف, أو اللجوء إلى مصادر أُخرى, وهنا يدخل الشعر الغزلي لتطعيم الحكاية بالزخرفة الرومانسية؛ لنرى أن نسيج السرد كان يتمدد أُفقياً في الحقول الترفيهية. وبعد سلسلة طويلة من قصص الجواري والمُغنيات البغداديات, ينتبه التوحيدي, فيسلِّم المهمَّة الخطابية لأبي القاسم, الذي يواجه الحاضرين ( ليت شعري, مع هذه الأحوال, كيف كنتم تكونون, لو عاشرتم ظِراف بغداد, وملوكها, وسمعتم أغاني جواريها المُحسنات, اللاَّتي يختلسنَ العقول, ويخلبنَ القلوب..) – الرسالة ص 245-

– يتبع

*– فنان تشكيلي وكاتب



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد
- آرتموفسكي.. المُعلم الإستثنائي
- تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف
- [حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]
- فن السرد في مملكة محمد خضير
- السرد التشكيلي في -المملكة السوداء- لمحمد خضير
- فيصل لعيبي ....المنتمي (1)
- إحسان وفيق. بؤس السفسطة
- رحيل ساحر الافاعي


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...
- الجهةُ التي بكى فيها الله
- محمد بنيس: جحافل الزمن الرقمي تقودنا للنسيان ولا بديل عن الق ...
- هيفاء وهبي في الريفييرا الفرنسية تستحضر أيقونات السينما بوشا ...
- كريستن ستيورات تكسر-بأحذيتها- قواعد مهرجان كان السينمائي
- ثقافة تخدم الاقتصاد.. كيف أضحت الصناعة الثقافية أفقا للتنمية ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي