شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:19
المحور:
الادب والفن
شاكر حمد
يواصل إبن القارح جولته بين الجنَّة والنار باحثاً عن معارفهِ ومن سمع بهم أو قرأ عنهم من الشعراء.. وستلاقينا أخبار الشعراء في حياتهم.
يروي أبو العلاء حكايات وأخبار هؤلاء بالطريقة الحوارية المُسليَّة للقارئ, في نفس الوقت نواجه الغرائب الفنطازيَّة (المعجزات الإلهية) في حالتي الشخصيات والزمن..
( وينصرف عن أهل النار إلى قصره المُشيَّد [في الجنَّة] فإذا صار على ميلٍ أو ميلين, ذكرَ أنَّه ما سأل عن مُهلهل التغلبي, ولا عن المُرقِّشين, وأنَّه أغفل الشنفري, وتأبط شرّاَ, فيرجع على أدراجه, فيقف بذلك الموقف يُنادي:
أينَ عدي بنَ ربيعة؟
فيُقال: زد في البيان. فيقول: الذي يستشهد النحويّون بقوله:
( ضربت صدرها إليَّ وقالت... يا عدياًّ لقد وقتكَ الأواقي.), فيُقال: لا معرفة عندنا بهِ, ما النحويّون؟ وما الإستشهاد؟ وما هذا الهذينا؟ نحنُ خَزنة النار, فبيِّن غرَضَك تُجَب إليه.) – 105-
سبق أن مررنا على خبر المهلهل, بإختصار, في الجزء الأول من هذا المقال, ولا بأس من العودة إليه بلا إسفاف؛ هو عدي بن ربيعة المعروف بالمهلهل التغلبي, أخوه كليب وائل, الذي كان يُضرب به المثل..(فيقال هاهو ذا يسمع حواركَ, فقل ما تشاء فيقول: ياعدي بن ربيعة, أعززَ عليَّ ولوجكَ هذا المؤلَج! لو لم آسف عليكَ إلاَّ لأجل قصيدتكَ التي أوَّلها:.... لكانت تُطيل الأسف عليكَ.. وقد كنتُ إذا أنشدتكَ أبياتكَ في إبنتكَ المُزوَّجة في جنبٍ تغرورق عيناي بالدموع.)
وهنا يُشعرنا المعرّي بالعطف على الشاعر المحكوم بالعذاب, أسوةً بالمعذّبين الذين ذكرناهم من قبل. وكما علمنا يسأل عن لقبه وكيف إنتشر, وهل معناه (أنَّك هلهلت الشعر, أي رققته؟.. فيقول المهلهل: إنَّ الكذب لكثير, وإنما كان لي أخٌ يُقال له أمرؤ القيس, فأغار علينا زهير بنَ جناب الكلبيُّ, فتبعه أخي في زرافةٍ من قومهِ, فقال في ذلك:
(لمّا توَّقَّل في الكراع هجينهم... هلهلت آثار مالكاً أو صنبلا.)- 105-
(هلهلت: أي قاربت.. ويقال: توقفت. يعني بالهجين زهير بن جناب, فسمّيَ مُهلهلاً, فلما هلكَ شُبِّهتُ به, فقيل لي: مهلهل.) – 105-
ويُدخل إبن القارح في مُحاججة مع المهلهل حول بيت آخر قاله في الدار الفانية, وطرح عليه رأي الأصمعي (أنّه لايقال أرعدَ وأبرقَ في الوعيد, ولا في السحاب.).
يحضر المعرّي في هذه المحاورات , ليُصحح معلومة إنتشرت وشاعت, وفي رسالته نقد وتشريح وتعديل وتصحيح للسردية الأدبية, وإنعكاساتها في الأوساط الأدبية والمجتمع.
تفتح الرسالة ثلاثة أبواب:
- باب الرواية الميتافيزيقية؛ في تصوِّره للعالم الآخر.
– باب نقد الأحكام الدينية, وتتضمَّن النصوص القرآنية, والتعرُّض للحركات المُنشقَّة عن الإسلام؛ كالزندقة والإلحاد وإدّعاء الربوبية, والنبوَّة والحلولية والتناسخيّة, والمانويّة وغيرها؛ ودعاة هذه الحركات ومصائرهم.
– وباب نقد الشعر وأخبار الشعراء ورأيه فيهم؛ وفي هذا الباب يسير الشعر موازياً للسرد, مُصاحباً للبلاغة, والنحو والتفسير, فإذا مرَّ السارد على واقعة بلون خاص من الشعور, حضر النص الشعري, مُطابقاً لذلك الشعور.
ويمكن القول أنها من شروط البلاغة العُليا في أدبيات ذلك العصر؛ أن تسند الحجة بالبيت الشعري, والقصَّة بالقصيدة. هذه الخاصيّة البلاغيَّة تميَّز بها أبو العلاء في جميع مؤلفاتهِ.
تنفتح هذه الأبواب على ثلاثة دروب متوازية يسلكها بطل الرواية علي بن منصور إبن القارح, كما سنرى.
( ويسأل عن المُرقِّش الأكبر, فإذا هو في أطباق العذاب, فيقول: خفف الله عنكَ أيها الشاب المُغتَصَب, فلم أزل في الدار العاجلةِ حزيناً لما أصابكَ به الرجلُ الغُفليُّ أحد بني غُفيلةَ بنَ قاسط, فعليه بهلة الله..) – 106 –
وفي ذكر المُرقِّش أخبار فيها تحريف مثل ما تعرَّض غيره من الشعراء لهذا التحريف والكذب. ويسأله عن إسم هند (... فهل صحيحٌ ما حُكي عنكَ؟ فيقول: لقد قُلبتْ أشياءٌ كثيرةٌ منها...ولعلَّكَ تذكر أنَّها في هند, وإنَّ صاحبتي أسماء, فلا تنفر من ذلكَ, فقد ينتقل المُشبب من الإسم إلى الإسم, ويكون في بعض عمرهِ مستهتراً بشخصٍ من الناس, ثمَّ ينصرف إلى شخصٍ آخر.) – 106-107-
ورود أسماء الفتيات, وخصوصاً في مطالع القصائد العربية القديمة, إنما هو تقنية حسّيَّة, كالمقدمة الموسيقية في أغاني عصرنا, وغاية الشاعر أن يفتح نافذة عطريَّة, كمن يُبَّخِّر الهواء أو يرش العطر قبل الدخول في الموضوع المحوري, إن كان فخراً أو مدحاً أو تشبيباً, والمعروف أن الإسم الحقيقي للحبيبة, يظلُّ سرّاً عند الحبيب, فلا يذكره, وذكر إسم الحبيبة في الشعر تشهير تستنكره القبائل العربية والشرقية والإسلامية إلى اليوم.
يطرح المعرّي هذه المُحاورة لعرض الظاهرة السائدة من زاويتين: الرمزية العاطفية المرتبطة بالشعر ودلالة الإسم المؤنث في السياق الشعري؛ وزاوية التزييف في تداول نقل الأخبار, وخصوصاً في أخبار المُحبين والعشَّاق, وقد أفصح المُرقِّش عن حقيقة ما عناه في قصيدته التي سأله عنها.
(وينعطف إلى المُرقِّش الأصغر فيسأله عن شأنه مع بنت المنذر, وبنت عجلان فيجده غيرَ خبير, قد نسيَ لترادف الأحقاب.. ألا تذكر ما صنَعَ بك جناب؟ فلم يجد عنده طائلاً. تركه وسأل عن الشَّنفري الأزدي فألفاه قليل التشكّي والتألم لما هو فيه فيقول: إنّي لا أراكَ قلقاً مثل قلق أصحابك!
فيقول: أجل أني قلت بيتاً في الدار الخادعةِ فأنا أتأدبُ به حيريَّ الدهر... ) – 107-
(وإذا هو قرين تأبطَ شرّاًكما كان في الدار الغرّارة, فيقول: أصحيحٌ ما روي عنكَ من نكاح الغيلان؟ فيقول: لقد كنَّا في الجاهليّة نتقوَّل ونتخرَّص, فما جاءكَ عنّا مما ينكره المعقول, فإنها من الأكاذيب, والزمن كلّه على سجيَّةٍ واحدة, فيقول: نُقلت إلينا أبياتٌ تُنسبُ إليكَ: أنا الذي نكح الغيلان في بلدٍ... ما طلَّ فيه سماكيٌّ ولا جاد.)- 107-
ويقرأ عليه ما سمعه من شعره, فلا يُجيبه تأبط شرّاً. وأغفل إبن القارح سؤال تأبط شرّاً عن ذنوبه وعقوبته, ونزعم أنه قرأ حالته في صمتهِ.
كان لقاء تأبط شرّاً هو المحطة الأخيرة في منطقة العذاب, فلم يجد لدى هؤلاء (أهل النار) ما يُفيده فيتركهم في الشقاء السرمد.. ويتجّه إلى جنان الخلد.
هنا يدخل الراوي الميتافيزيقي, فإلى جانب الشعراء المشمولين بهذا العالم وذكر أبياتهم التي أنقذتهم؛ يطوف الراوي في العالم الغريب؛ الأشكال الغريبة؛ والكائنات المُتحوِّلة من زواحف وطيور إلى بشر ومن ثمَّ تنقلب وتعود لأحوالها السابقة.
يجب أن نُضيف هنا تميّز رسالة أبي العلاء بهذا التأليف السريالي للعوالم الغريبة, فقد سبق للهمذاني, أن قصَر عمله على تصوير عالم الشياطين والجن وأدخل الحيوانات كما هي في أحوالها الطبيعية, وتلاه إبن شُهيد على المسار ذاته مع توسّع في الرؤية والفانتازيا الساخرة, ولم يذهب الحريري في مقاماته إلى العالم الاخر إطلاقاً وإكتفى ببطولة الشعر والأدب في سياق الطلب والإرتزاق بالوسائل البشريّة الوضيعة.
توَّغل أبو العلاء في العوالم الميتافيزيقية والسريالية, مُتخطياً حدود الروابط الدينية والأحكام, وبهذا الإختراق يطرح الأسئلة الضمنية حول حقيقة الوجود والعدم, ويترك القارئ يهيم في فضاء الغموض مع الكائنات الجديدة؛ ما سمعه عن حور العين يجده مُختلفاً بطريقةٍ ما عن الصورة التي صوَّرتها السردية الدينية؛ فالعقل الفلسفي جمع السرديتين: الخيالية الروائية, والفقهية الدينية, فالسردية الدينية كانت في الأصل سردية روائية, ولذلك لم ترتكز على صورة ثابتة قابلة للتصوُّر المطلق والنهائي.
نظر أبو العلاء إلى عالم الموت, نظرة المُتشائم, المُتخيِّل لمصيره في ذلك العالم, ونظر إلى الجنَّة من زاويتين؛ الأولى مبنيَّة على الوصف القرآني لفضاء الجنَّة وجغرافيتها الماديَّة (أنهار العسل وأنهار الخمر..), والزاوية الثانية تخرج من الإطار الديني, وتذهب بعيداً في الفضاء السريالي؛ حيث يكون الخوف من الموت باعثاً على خلق الحكايات المُخيفة. كل سطر في الرسالة مشحون بالهاجس السايكولوجي المُنبعث من الكلمات. كما أن التراكم اللفظي المُثقل بالغثاثة لايُخفف عن القارئ مُعاناة الخوض في التراجيديا الإلهية. فالرسالة حُلم عاشَه شيخ لايرى الحياة إلاّ بوصفها الخطوة التالية للموت. هل نستطيع أن نُحصي كلمات الموت والآخرة والعذاب, وقبلها مفردات الندم والإستسلام والإعتذار؟
في هذه الحالة نلجأ إلى شرح المفردات وتأويلها بنيوياً وسايكولوجياً, ونحتاج إلى خمسةِ أجزاء على غرار شرح أبي العبّاس الشريشي لمقامات الحريري.
يلتقي إبن القارح بالشخصيات الأساسية في الجنَّة.
في مدخل الرسالة أعلما أبو العلاء بالشخصيات الوسيطة بين العالمين الأرضي والآخر, وذكر أسماء الأولياء المُشرفين [كالموظفين الإداريين] ودورهم في مساعدته في الخلاص من العذاب,
وفي آليّة السرد المسرحي مايُضمر الكوميديا السوداء, بشكل خاص في عبور الصراط المستقيم, محمولاً على ظهر جارية من جواري الجنَّة؛ ثمَّ تُلحق بهِ كزوجة شرعيّة.
في هذه الآليّة تماهى أبو العلاء في صناعة الحبكة السريالية. ويجدر أن ننتبه إلى اللغة التي يُقدِّم بها شخصيات الجنَّة, فهي لغة رجل مؤمن بالدين والرسالات والنصوص القرآنية, فلا يرد إسم النبي محمد إلاَّ يتبعه بالصلاة والسلام عليه, وكذلك إسم علي بن أبي طالب وذرَّيته فيقول دائماً عليهم السلام.
لكنَّ الخرق , يظهر خفياً في جمع المفارقات العقلية والثوابت القرآنية في نسيج مسرحية من صنف الكوميديا السوداء.
الآن هو في أعماق النعيم وسيكون آدم أول إنسان يُلاقيه ( فيلقى آدم عليه السلام فيقول: يا أبانا صلى الله عليكَ, قد روي لنا عنكَ شعر منه قولكَ: نحنُ بنو الأرض وسكّانها... منها خُلقنا وإليها نعود..
فيقول: هذا قولُ حقٌ, ما نطقَ به إلاّ بعض الحكماء, لكنِّي لم أسمع بهِ حتّى الساعة.) – 108-
(فيقول: لعلَّكَ يا أبانا قلته ثمَّ نسيت, فقد علمتُ أن النسيانَ مُتسرِّعٌ إليكَ, وحسبكَ شهيداً على ذلكَ الآية المتلوَّة في فرقان مُحمد (صلى الله عليه وسلَّم) " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسيَ ولم نجد له عزماً.". وقد زعمَ البعض أنَّكَ سُميّت إنساناً لنسيانك.) – 108-109-
يحتج آدم على تفسير كلمة إنسان, وقد رويَ عن إبن عبّاس ما يؤيدُ هذا الزعم, وأورد المعرّي شعراً للطائي حول كلمة إنسان. ويتلو على آدم تصريفات البصريين لكلمة إنسان في التصغير والجمع وما هو شاذ في بعضها.
فيقول آدم: ( أبيتم إلاّ عقوقاً وأذيَّةً, إنما كنتُ أتكلم العربيّة وأنا في الجنَّة, فلمّا هبطتُ إلى الأرض نُقلَ لساني إلى السريانية, فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكتُ..), فآدم لم ينفِ قول الشعر فحسب, بل نفى الكلام بالعربية بعدما أُنزلَ إلى الأرض. وفي هذا الموقف يطرح المعرّي مثالاً للشك وتفنيد الكثير من الروايات المُزيَّفة التي يصطنعها أدعياء الفقه الديني.
فيقول إبن القارح (أن رجلاً من بعض ولدك يُعرف بإبن دريد أنشد شعراً في قابيل وهابيل.) – 110-
جعلَ المعرّي محاوراته حول الشعر والنحو, ولكنَّ الرسالة لا تقوم على هذا الباب بدون المرور بالأبواب الأخرى, كالمواقف الميتافيزيقية التي تواجه الراوي والشخصيات, فقد إقتصر الحوار مع آدم حول الكلمات العربية, وأغفل إبن القارح, المعضلات الكبرى المُتعلقة بالوجود, والخلق والطرد من الجنَّة, ودور إبليس ودور حوّاء, وتلك التفاصيل الشاغلة لسلسلة الأديان والعقائد من التوراة إلى الإسلام.
(ويضرب سائراً في الفردوس فإذا هو بروضةٍ مؤنقةٍ, وإذا بحيّات يلعبنَّ ويتمالقنَ, يتخالفنَ, ويتثاقلنَ فيقول: لا إله إلاّ الله, وما تصنعُ حيَّةٌ في الجنَّة..).
لا نستغرب هذا الوجود الغرائبي, فالحيّات في الجنَّة, بعواطف رقيقة وتتكلم العربيّة وتحفظ الشعر, والمحاورة ممتعة ونستغني عن نقلها بكاملها ونكتفي بما قرأته إحدى الحيّات من قصيدة النابغة الذبياني :
(أكبَّ على فأسٍ يحدُّ غرابها... مُذكّرةً من المعاولِ باترة.
وقامَ على جُحرٍ لها فوق صخرةٍ... ليقتلها أو تُخطئُ الكفُّ بادرة.
فلمّا وقاها الله ضربة فأسهِ... ولله عينٌ لا تُغمِّضُ ناظرة.)
تتمة القصيدة في الصفحات -110 – 111-
للنابغة الذبياني ,كما يُشتشف من شعرهِ, موقف سايكولوجي من الأفعى؛ خوف طفولي من شكلها وحركتها والجحر الذي تختبئ فيه, والسم الذي تحمله في أنيابها. لكنَّ الصورة التي رسمها النابغة تعكس وجهة نظر الأفعى, المُطاردة من الإنسان المتوحِّش.
وللأفعى بهذه المواصفات دلالة رمزية تحمل وجهين: الوجه الظاهري البرّاق, المُزخرف, وقد يُخدع الإنسان بهذا الشكل فيأمن لها.
والوجه الآخر المُضمر؛ وهو الغدر, وغدرها قاتل لامفرَّ منه, ولذلك تذكرها النابغة في أعتذاريته الشهيرة:
(فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةُ... من الرُّقشِ في أنيابها السمُّ ناقعُ.).
خوف المعرّي من الموت يشبه خوف النابغة من الأفعى؛ كلاهما يُكرر صورة الخطر, ويترقَّب الهلاك.
سؤال إبن القارح مشروع: كيف لهذا المخلوق أن يدخل الجنَّة؟
نحنُ في الوادي السريالي من الرواية العربية.
وتقولُ حيّةٌ أخرى أنها كانت في دار الحسن البصري وسمعته يقرأ القرآن بقراءة حمزة.. وحفظت القرآن على هذه القراءة, ولمّا توفيَّ إنتقلت إلى جدار في بيت أبي عمر بن العلاء, وحفظت قراءته, فلمّا توفي أبو عمر كرهت المقام, فإنتقلت إلى الكوفة وتُضيف: (فأقمتُ في جوار حمزة بن حبيب, فسمعتهُ يقرأ أشياء ينكرهُ عليه أصحاب العربية.)- 112-
[في المُحاورة أمثلة عن الهمزة والفتح والكسر والضم والشواهد من الآيات القرآنية.]
هناك مُراوحة في السرد بين الرواة الضمنيين الثلاث: الراوي الأول الشاعر اللغوي وهو المعرّي بلسان جميع المخلوقات, والراوي الثاني المُصوِّر للعالم الميتافيزيقي؛ يسير على منوال التصوُّرات الخيالية المطروحة في المقامات والمرجعين الكبيرين كليلة ودمنة, وألف ليلة وليلة.
والراوي الثالث؛ الفيلسوف الساخر من الكيفيّات والطرائق التي جُمعت بموجبها المخلوقات وتناقضاتها؛ فلسفته لا تنفصل عن جهود فلاسفة عصره العقلانيين, والذين نشروا الشك بالعقائد النقليَّة, وأحلّوا محلها التحليلات العقلية؛ ففي هذا العصر[القرون الثلاثة الأولى] شهدت الفلسفة صعوداً سريعاً مُتأثرةً بالفلسفة اليونانية وفلسفات الشرق, بعدما إقتحم الإسلام تلك البلدان.
بنا أبو العلاء المعرّي رسالة الغفران على سؤالين يحتويان فلسفته حول الدين:( بمَ غُفر لكَ؟ ولماذا لم يُغفر لكً؟).
( أطلقَ هذا الإسم – الغفران- على رسالته وقت إجابتهِ على رسالة إبن القارح, لأن الفكرة الرئيسية فيها مناقشة مَن فازوا بالمغفرة ومَن حُرموها في الدار الآخرة. ومما يسترعي إنتباهك فيها أنه كان يُكثر من سؤال مَن يُصادفه في الجنّة " بمَ غُفرَ لكَ؟", ويُكثر سؤال مَن يُصافه في النار " لم يغفر لكَ قولكَ..) – كامل كيالي: تحقيق رسالة الغفران – ص 16-
كما شهد الفكر الديني موجات من الأسئلة التفكيكية حول الأُصول والفروع, وبشكل خاص مسألة الحياة والموت, تلا ذلك الموقف من القرآن, وكتابتهِ واللغة التي كُتب بها وإستقرَّ عليها. وإذا شئنا التدقيق في المُحاورات التي تناولت النصوص القرآنية, نستنتج أسئلة الشك حول السببيات والكيفيّات والأحكام, وبطرائق مُراوغة مثل تأكيد الراوي على تقديس النص الديني والإستشاد به في وقائع مسرحيّة, فمشهد الحيّات في الجنَّة يُفسِّر براءة هذه المخلوقات الطبيعية, مقابل وحشية الإنسان, والأبيات التي قرأتها الحيّة من قصيدة النابغة الذبياني دليلاً على ما تقول, ومفادها أن الله وقف معها ضد الذي إستعدَّ لقتلها, وشحذ فأسه ولحقها إلى جحرها. وهذا الموقف يسترجع النص الذي قرأناه في مقالٍ سابق عن ندوة الحيوانات, يمثلون بلدانهم, وما دار فيها من حوارات حول مواقف البشر من الحيوانات, كما ورد في رسالة كاتب مجهول من إخوان الصفا؛ في ذلك الحوار كانت الأفعى تُمثِّل العراق, نيابةً عن أبناء جنسها, وكانت تُحاجج ضد البشر مستعينةً بالآيات القرآنية.
الرواة الثلاثة يسيرون معاً ولهم أدواتهم, وتوقيتات ظهورهم أثناء جريان السلسلة الحكائية.
حدد أبو العلاء مسار روايته لتشمل الحكي الخرافي والفلسفة والنقد الأدبي في عملٍ واحد, ونجد أن ثقافة القرن الرابع الهجري مُتغلغلةً في عملهِ, فالمحاورات الفلسفية على لسان الحيوان قرأناها في كليلة ودمنة وبعض رسائل إخوان الصفا, وأحاديث إبن دريد ونوادر أبي علي القالي, ومقامات الهمذاني, وسبق للهمذاني والحريري أن وضعا النقد الأدبي والشعر محوراً في مقاماتهما. ومن أبرز ظواهر روايات هذا العصر, إسناد الرواية إلى شخصية ذات قيمة معنويَّة, ومرتبة عالية في المجتمع الإسلامي؛ أن يكون الراوي شخص وإسم علم وقد مرّ توضيح هذه الفقرة في مقالاتنا السابقة؛ وكلّما كان الشخص مُجسَّداً بالصورة الواقعية, إقتربت الرواية من الإقناع, فالقارئ العربي لا يتقبّل الرواية إلاّ من طرفٍ موثوق بمكانته الأدبية والعلميّة والإجتماعيّة.
وهكذا جرى تثبيت شخصيَّة الراوي بوصفها الركن الأساس في الرواية, حتّى أنّ بعض النُّقاد خيِّل له حقيقة وجود هؤلاء الرواة وإعتبرهم مؤلفين يُنقل عنهم الحديث.
نعود إلى وقفة إبن القارح مع الحيّات في الجنَّة, وبعد المحاورة مع الحيَّة (تستطرد الحيَّة بالأمثلة وتذكر شعراً لأمرئ القيس وتقول:( وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يحفلون بطرق الإعراب) – 113-
وقد لاحظنا تكرار هذه الملاحظة عن شعر القدماء في حديثٍ آخر مع إمرئ القيس.
( ويهكر, أزلفه الله من الأبرار المُتَّقين, لما سمعَ من تلكَ الحيَّة, فتقول هيَ: ألا تُقيم معنا برهةً من الدَّهر؟ فإني إذا شئت إنتفضتُ من إهابي فصرتُ مثل أحسن غواني الجنَّة, لو ترشَّفت رضابي لعلمتَ أنّه أفضل من الدرياقة التي ذكرها إبن مُقبل في قولهِ:
( سقتني بصهباء درياقةٍ... متى ما تُليِّن عظامي تلين.) -114-
ثمَّ تستطرد الحيَّة ما ورد عن الحيّات من الشعر وتُضيف:
( ولو أقمتَ عندنا إلى أن تخبر ودَّنا وإنصافنا, لندمتَ إن كنتَ في الدار العاجلةِ قتلتَ حيّةً أو ..) – 114-
ويترك الحيَّة تواصل شعر الغزل ويذهب مهرولاً في الجنّة ( ويقول في نفسهِ: كيف يُركن إلى حيَّةٍ شرفها السمُّ, ولها بالفتكةِ همّ؟)
- يتبع -
فنان تشكيلي وكاتب -
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟