أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع















المزيد.....

المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع

شاكر حمد -*


تمهيد:
سُميَّت بهذا العنوان نسبةً إلى بطل الحكاية الأديب البصري محُمّد بن إسحاق بن إبراهيم, صاحب الكتب والنوادر, المعروف بأبي العنبس الصيمري.
والصيمرة؛ يلفظها البصريون بالسين والتذكير, فهي [السيمر], المحلّة المعروفة بهذا الإسم, التي تتوسط البصرة .
وفي تفسير الشيخ محمد عبدة ما يؤيد ذلك فيقول هي ناحية على فم نهر معقل,[والمقصود نهر العشّار] وفيها فروع وأطراف, ولكنه يضع مكاناً لقرية في الشام بهذا الإسم, وبلدة في خوزستان, وهذا التفسير بعيد عن الواقع؛ ذلك أن أحداث الحكاية فيها تدور في جغرافية البصرة وبغداد, حيث يتنقَّل [السيمري]بحكم علاقاته بين هذه المدن إضافةً إلى بلدان أخرى في فصل من حكايته.
وقد وجدت أقاويل وعبارات ونوادر نقلها التوحيدي عن أبي العنبس, في البصائر والذخائر, وأحياناً يذكره التوحيدي بالإسم (محمد بن إسحاق بن إبراهيم ) لا بالكنية المعروفة ولا باللقب. والصيمري هو الكاتب المعروف بالهزل والفكاهة, مات سنة خمسٌ وسبعون ومائتين للهجرة, وله علاقات مع أعيان بغداد ووجهائها وأُدبائها, وما يرويه الهمذاني في هذه المقامة, عبارة عن عِظة تَعلّمها الصيمري من صحبة الأصدقاء ونذالتهم.
إن إحالة النص الأدبي إلى عالم المسرح يستلزم جملة من الشروط البنائية أهمُّها:
- وجود شخصيات رئيسية بعدد محدود, إضافةً إلى الشخصيات الثانوية.
– يقوم جوهر النص على الصراع حول قضيَّة أساسها التناقض.
– تتطوَّر الأحداث بواسطة الحوار, الصائت والصامت[البانتوميم]. وبذلك فمن شروط بناء الشخصية المسرحية أن تكون الشخصيّات مُتكلمة أو تُعبِّر عن مواقفها بالإشارات والحركات.
- الحركة شرط أساسي من شروط بناء الشخصية المسرحية.
– عوامل أخرى كالأزياء والإكسسوارات قد تُدرج في النص أو يستقرؤها مُخرج العمل من ظروف مُجتمع النص.
المحوّر في صلب الحكاية أنها مسرحيّة, كُتبت في الزمن الذي لم يكن المسرح معروفاً بعناصره التركيبية والمعمارية المعروفة في العالم وخارج المحيط العربي في القرن الرابع الهجري.
وقبل قراءة البنية المسرحية للمقامة, نشير إلى موضوع المقامة, والغرض من تعيين الحكمة وجعلها هدفاً, ففي كل مقامة من مقامات الهمذاني؛ توجد الموعظة والحكمة, وهناك مقامات للنوادر والفوازير, جرياً على تقاليد التأليف في تلك الفترة؛ فالنص يكون ثقيلاً على القارئ إذا كان جادّاً من أوله إلى آخره, ويكون سخيفاً إذا كان هزلياً بالكامل. ونضيف ملاحظة ذكرها الهمذاني في ختام المقامة يقول فيها, وبلسان أبي العنبس (وإنما ذكرت هذا ونبّهت عليه ليؤخذ الحذر من أبناء الزمن, ويُترك الثقة بالأخوان الأنذال السَّفل " وبفلان الورَّاق النمّام الزرّاف الذي يُنكر حق الأدباء ويستخف بهم, ويستعير كتبهم لايردّها عليهم, والله المستعان, وعليه التُّكلان.." )
[ مابين المزدوجين مرويٌ في بعض النسخ لا في كلّها/ الزرّاف: الكذّاب].

تُصور المقامة جانباً من علاقات الطبقة الوسطى في زمن كتابة النص, تلك الشريحة المرتبطة بالسلطة, من قضاة ووكلاء وكتّاب وحُجّاب وتجّار, وأُدباء وطفيليين, أي طبقة الأثرياء المعروفة بالنفاق والرياء والإنتهازية, وما زالت هذه الطبقة وقيَمِها المٌنحطّة راسخةً في المجتمع إلى الآن وما بقي الزمن.
في عالم المسرح أن الأفكار لاتُقدَّم عاريةً في الخطاب اللغوي فقط, بل من خلال تضافر مجموعة من العناصر المسرحية؛ مثل الشخصيات الناطقة, الصراع حول قضية شائكة, التمثيل, العناصر التكميلية كالمكياج والأزياء والأثاث وغيرها. وإذا وضعنا المقامة على طاولة النقد المسرحي نجدها مؤّلفة من العناصر المذكورة. ولا ننسى أن توزيع العناصر مقسَّم على إثنين:
- مؤلف النص أولاً الذي يُعيِّن الأفكار والأهداف وفلسفة الحكاية.
– ثمَّ يأتي دور مُخرج العمل الذي يُجِّسد الأفكار والأزمنة والأمكنة في الشخصيات, وحركتها ومكملاتها. قد تكون الفكرة الأولية لهذه المقامة نادرة من نوادر ابي العنبس, لنقل أنها عبارة عن [سكيج] لمسرحية؛ طوَّرها فيما بعد بديع الزمان الهمذاني, أدخل فيها عناصر جديدة, لخدمة الغرض المشار إليه قبل سطور. وبتقديرنا أن إضافات الهمذاني تتعلّق بالجوانب الفنيّة التي نعتبرها في وقتنا أشكالاً مسرحية, وبشكل خاص في المشاهد الهزليّة منها في فصلها الأخير. وإذا قرأنا البنية الكاملة لنص المقامة, وعلى وفق الأحداث, نجدها موّزّعة على ثلاثة فصول, من حيث التطوّرات والمسافات الزمنية بين حدث وآخر.

يعرض المقطع الأول رحلة أبي العنبس من الصيمرة [السيمر] في البصرة, إلى مدينة السلام بغداد, ويُطلعنا على الصحبة التي إنتخبها وإختارها لتكون عوناً له في الشدائد, ونلاحظ أنه لايأمن أحد, وإنه إحتاط من غدر الأيام, فذهب متأهباً بالمال ومعدات السكن وغيرها.

(حدثنا عيسى بن هشام قال: قال محمد بن إسحاق المعروف بأبي العنبس الصيمري, إنّ مما نزل بي من أُخواني الذين إصطفيتهم وإنتخبتهم وإدَّخرتهم للشدائد ما فيه عِظَةٌ وعبرةٌ وأدبٌ لمن إعتبر وإتَّعظَ وتأدبَ, وذلك إني قدمت من الصيمرة إلى مدينة السلام, ومعي جراب دنانير, ومن الخُرثي[الأثاث] والآلة [ما يلزم للأعمال المنزلية], وغيرُ ذلك مالا أحتاج معه إلى أحد, فصحبتُ من أهل البيوتات والكتّاب والتجّار, ووجوه الثناء من أهل الثروة واليسار, والخبرة والعقار, جماعةً إخترتهم للصحبة, وإدّخرتهم للنكبة, فلم نزل في صُبوحٍ وغبوقٍ نتغذّى بالجدايا..) في هذا المقطع يصبح الراوي هو الهمذاني, حين يصف أنواع المأكولات, كما عهدناه في مقامات أُخرى.

ثمَّ يصف الجلسات والسهرات وأنواع المأكولات والمشروبات والزينة والمطيبات والعطور, وذلك من ماله الخاص الذي حمله معه. فكان بينهم أكرم من فلان وأظرف من فلان وأدهى من فلان ( وأعذب من ماء الفرات, وأطيَّب من العافية لبذلي ومروءتي, وإتلاف ذخيرتي, فلمّا خفَّ المتاع, وإنحطَّ الشِّراعُ, وفرغ الجراب, تبادر القوم إلى الباب, لمّا أحسّوا بالقصّة, وصارت في قلوبهم غُصَّة, ودّعوني برُصَة.. وقد أورثوني الحسرّة, وإشتملت منهم عليَّ العبرةَ, لا أوساوي بعرة, وحيداً فريداً كالبوم, الموسوم بالشوم..وكنُت أبا العنبس[أصلها من الأسد] فصرتُ أبا عفلَّسَ, وأبا فقعَس..).

إلى هنا نستطيع أن نُعيد هذا الفصل بصيغة الحلقات التلفازيّة, في سلسلة مشاهد من الجلسات والسهرات الماجنة والخطابات المُنافقة, ومديح صاحب الدعوة ورب الولائم والكرم والشهامة وما إلى ذلك. يليه بعد ذلك فصل إنسحاب المجموعة الواحد تلوَ الآخر, لنرى أبا العنبس وحيداً فريداً يُكابد الفقر والعزلة وإحتقار أقرب الأصدقاء. فيبدأ فصل الضياع بين البلدان.

يُغادر بغداد ويهيم في البلدان, بين مدن إيران إلى الجزيرة العربية فعمان, ونجد وغيرها.
لوإفترضنا المقامة عملاً مسرحياٌ أو مسلسلاً تلفازياً؛ نقول أن الحلقة الأولى للمسلسل تُصوِّر أبا العنبس في رحلتهِ إلى بغداد, ثمَّ تتوالى حلقات الولائم والكلام المُنافق, والإطراء الذي ذكره, وللمخرج الفذ أن يُصوِّر بدء إضمحلال البذخ ومن ثمَّ تلاشيه, وصولاً إلى الحلقات التالية التي تنتصف المسلسل, وتمثل أبا العنبس, تائهاً في البراري والمدن, وربما يجري إختصار هذه المدّة الزمنية وعبورها, وصولاً إلى عودته إلى بغداد غنياً, مُعافى. وهنا نعود إلى وجهته وأسباب إستعادته لعافيتة وصحته وثروته.
أبو العنبس هنا هو الشخص الحقيقي, وهو حامل موهبته المعروف بها, زائداً موهبة الهمذاني..
( فجمعتُ من النوادر والأخبار والأسماء, والفوائد والآثار,, وأشعار المُتظرفين, وسُخف المتكلمين, وأسماء المُتيمين, وأحكام المُتفلسفين..) تطول القائمة وكأني به يؤلف عملاً شبيهاً بالبصائر والذخائر للتوحيدي, أو كتاب الحيوان للجاحظ, أو الأمالي لأبي علي القالي, أو نشوار المحاظرة للقاضي التنوخي, أو أدب الكاتب لإبن قتيبة, أو الكامل للمبرِّد. (فإسترفدتُ وإجتديتُ, وتوسلتُ وتكديتُ, ومدحتُ وهاجيتُ, حتى كسبتُ ثروةً من المال..).

تبدأ حلقات الجزء الثاني في بغداد وعودة الأصدقاء القدماء [أصدقاء السوء], وبوجوه جديدة, قديمة من النفاق والرياء.
(فلما قدمت بغداد, ووجد القوم خبري, وما رُزقته في سفري, سُرّوا بمقدمي, وصاروا بأجمعهم إليَّ, يشكون ما عندهم من الوحشة لفقدي, وما نالهم لبعدي, وشكوا شدّة الشوق, ورُزء التَّوق, وجعل كلُّ واحدٍ منهم يعتذر مما فعلَ, ويُظهر الندم على ما صنع, فطابت نفوسهم, وسكنت جوارحهم, وإنصرفوا عن ذلك. )

لكنَّ درس الغدر القديم لم يُفارق ذاكرة الرجل الأديب, فقرر أن يصنع عملاً إنتقامياً, ولكن بلا ضجيج, بل إستثمار الواقع الجديد, وحضور الجميع, وعودة الولائم والسهرات الليلية والمجون, جاعلاً الشخصيات البارزة في المجتمع تقع في الفخ المنصوب لهم. (فعادوا في اليوم الثاني..)

في اليوم الثاني فحسب بدأ أبو العنبس تنفيذ خطته أثناء حضور الخمس عشرة شخصية, فأعدَّ لهم وليمة, بمساعدة غلامه وطبّاخته, التي إتّخذت عشرين لوناً من القلايا, وجرى كل شيء وبعد العشاء الفخم إنتقل الجميع إلى مجلس الشراب, وشربوا حتى الثمالة, وبحضور المغنيات [يالروعة هذه الحلقة الماجنة] ويتواصل عمل الغلمان بالعطور والتبخير, وإستأجر لكل واحد منهم حمّالاً سيوصله إلى منزلهِ بعدما يغرق الجميع في غيبوبة السكر, وأبعد من ذلك, وهنا يأتي الفعل المسرحي الصادم حين يقول: (ووجهتُ إلى بلال المُزيِّن فأحضرته وقدّمت إليه طعاماً فأكل وسقيته من الشراب القُطرُبلّي فشربَ حتى ثملَ وجعلت في فيهِ دينارين أحمرين وقلتُ شأنكَ القوم, فحلقَ في ساعةٍ واحدةٍ خمس عشرة لحية فصار القوم جُرداً مُرداً كأهل الجنّة..), وجعل لحية كل واحد منهم في صرّةٍ دسّها في ثيابه مع رقعةٍ مكتوبٌ فيها ( مَن أضمر لصديقه الغدر وترك الوفاء, كان هذا مُكافأته والجزاء.) وحملهم الحمّالون إلى منازلهم (فلمّا أصبحوا رأوا في نفوسهم همّاً عظيماً, لايخرج منهم تاجر إلى دكانه, ولا كاتب إلى ديوانهِ, ولا يظهرُ لإخوانهِ..).
بعد ذلك تنهال على أبي عنبس الشتائم من ذوي هؤلاء ومن الناس, وينتشر خبرهم في مدينة السلام, ولم تنتهِ الحكاية عند هذا الحد, فقد وصلت إلى الوزير أبي القاسم بن عبيد الله الذي طلب كاتبه فلم يحضر ولمّا سأل عن سبب غيابه أُعلِم بالقصَّة فضحك كالمجنون (حتى كاد أن يبول في سراويله أو بالَ, والله أعلم.. ثمَّ قال: لقد أصابَ وما أخطأ فيما فعل, دَروه فإنه أعلمُ الناس بهم, ثمَّ وجه إليَّ خلعةً سنيَّةً, وقاد فرساً بمركب وحمل إلي خمسين ألف درهم لإستحسانه فعلي, ومكثت في منزلي شهرين أُنفق وآكل وأشرب,. ثمَّ ظهرت بعد الإستتار, فصالحني بعضهم, وحلفَ بعضهم بالطلاق الثلاث, وبعتق غلمانه وجواريه أنه لايكلمني من رأسه أبداُ.).

لم يظهر الإسكندري في هذه المقامة, ولم نجد البطل المُحتال, أو الشخص النمطي المعروف بالتسوّل, والمكر والدهاء؛ هنا إنقلبت الآية فالمجتمع هو الشخص المُحتال, والصورة واضحة عن طبيعة العلاقات الإجتماعية والطبقية في ذلك الزمن. كذلك لم يظهر عيسى بغير الجملة الإفتتاحية التي قال فيها أن أبا العنبس قال.. وهكذا تكون الحكاية بأكملها مرويَّة من قِبل الصيمري بما فيها كلمة الختام, ولكنَّ الهمذاني أضاف العبارة الوعظية الأخيرة عن فلان الورّاق, الأمر الذي يجعلنا نستعيد الغرض الحقيقي في كتابة المقامة.
في النص مؤلف ضمني يُخبرنا عن حقائق مثل عدد الشخصيات بعدما يذكر عدد اللحى الحليقة, وقد يُضمر هذا المؤلف غرضاً وعظياً أراده الهمذاني من تقريع فئة مُعيَّنة من هذه الطبقة في زمانه, وهناك حضور للهمذاني؛ الذي يقفز إلى السطح كلما حضرت الموائد, فيكون الوصف مُثيراً لشهية الطعام.
لم يذكر الهمذاني إسماً من بين الشخصيات, كما إعتاد أن يفعل ذلك في مقامات غير هذه المقامة. ولكنه يُلمِّح إلى إسم من الأسماء, وهذا ينسحب على آخرين في زمن وقوع الأحداث؛ فحينما ذكر إسم الوزير أبا القاسم, وإفتقاده لكاتبه, يكون قد أعلمنا بإسم هذا الكاتب ضمناً, فأسماء الكُتّاب معروفة تأريخياً, وقد إختار الهمذاني أن يكشف عيوب الكتّاب في النفاق والدجل, ومثلهم الورّاقين الذين إستحوذوا على مواهب الأدباء وسرقوا حقوقهم. ولم يذكر غير هذا الصنف من المشاركين في بيت الصيمري, وهم خليط من الموظفين والتجّار وأصحاب الدواوين.
في التأريخ روايات عن أمثال هذه الوقائع, كتب عنها الجاحظ وذكرنا بعضاً منها في مكانٍ آخر, ومنها ما كان مرويّاً عن جلسات المجون في بيت الوزير المُهلَّبي.
هذه الأرضية الإجتماعية, إستخدمها الهمذاني في مقاماته كمادّة حكائية من ضمن سياق نوادر ذلك الزمن. لكننا ومن وجهة نظر عصرنا, نراها موضوعات مسرحيّة, قابلة للتنفيذ على المسارح الحديثة, وعلى شاشة التلفاز بشكل حلقات مسلسلة, لعرض التفاصيل والأسماء والوجوه والزمان والمكان فيها.
كل مقامة تخوض في بحر, وتُقدِّم الجد بالهزل؛ الفلسفة بالنكتة؛ الموعظة بالسلوك المُشين؛ القضاء بالشذوذ.
ما ساد في عصر المقامات ما زال سارياً إلى الآن, مع تبدّل وظائف الدولة وحراشفها, ومازالت أسباب التفكك كامنةً, تُستنهض مع مراحل التأريخ.
يستوطن الفساد في نسيج الدولة في حالتين شهدهما المُجتمع الإسلامي في العصر العباسي:
- حين تمتعت سلطة الدولة بالثراء وتكديس الأموال, وهنا تتصاعد سلطة الحاكم الفرد ومن حوله بكيفية الإستمتاع بهذا الثراء, وللطبقة الوسطى أدوارها التأريخية في الإستعلاء, فتظهر الشخصيات الهامشية التي تُكرر صورة المستبد الأول. ذَكرت الروايات العربية, أجواء الإستقرار والهدوء المصحوب بحالات المجون في مجالس الوزاء وعمّال الخلفاء, وكانت تكشف التناقض الصارخ بين طبقتين في المُجتمع الإسلامي؛ طبقة عليا مُنافقة تحت سقف الخليفة, وطبقة لايذكرها التأريخ العربي بالقدر الذي منحه للطبقة الأولى. وما أكثر مرويات التأريخ الإسلامي عن الصراعات في هذه الأوساط.
وينتشر الفساد أيضاً في الحالة التأريخية المُعاكسة؛ حين تقل موارد السلطة, لظروف الطبيعة والحروب, والأمراض والمجاعات, فيتم إلقاء النتائج على الطبقات الفقيرة من المُجتمع, ويعم الفساد في دوائر الدولة, بالتزوير والتلفيق, مع إنتشار الشعارات المُخففة لمآسي الملايين.
شغل الصراع في المجتمعات الإنسانية أهمّ المحاور المسرحية في كل العصور, وأعظمها مسرحيات شكسبير وستانسلافسكي وبريخت. تناول شكسبير موضوعات التأريخ وصراعات السلطة؛ كالغدر والمؤامرات, والمقالب والخيانات. ان أمثلتنا من المقامات العربية تناولت هذه الموضوعات بالشكل الذي أنتجه تأريخ نشوئها, وطبييعة مجتمعاتها.
تتأسس الفكرة المركزية في العمل المسرحي على التناقض الصارخ, وأن يتجلَّى التطوّر من خلال السلسلة التصاعدية للأزمة, تؤديها المنظومة التركيبية من العناصر؛ الشخصيات, ومن يؤديها من الممثلين؛ في مقامتنا شخصيات تمثيلية, وذكرنا آنفاً أن الشخصيات قاموا بأدوار تمثيلية مزدوجة: دور النفاق في التقرّب والصداقة, وأدّوا هذا الدور مرتين, ثمَّ دور الإعتذار المنافق والعودة إلى لعبة الصداقة المنافقة. كانوا يُمثلون حين تقتضي مصالحهم وجوب التمثيل.
بطل الحكاية وراويها الحقيقي أبو العنبس الصيمري, لجأ إلى التمثيل حين أقدمَ على فبركة الخطة الكوميدية للإنتقام من صحبة المنافقين؛ تظاهر بالكرم الزائد قبل ان يحبسهم في الدار ويُسكرهم وتنجح خطته.
تتخذ الحبكة المسرحية ثلاثة مسارات, تشكّل هرماً من التطوُّر:
- نمو الفكرة وصعودها للأعلى, وقرأنا هذا الصعود ومن ثمَّ الهبوط في الحضور ومن ثم التفرّق وترك البطل وحيداُ مفلساً. وكان ذلك المسار الأول في الحكاية.
– قمّة الهرم في الإفلاس وتشرّد البطل والإبتعاد عن بغداد, ولهذه الفاصلة مدّة زمنية طويلة حُذفت بحكم الصياغة الفنية للحكاية, وفي المسرح تؤدى بلمحة سريعة على الممثل والزي الذي يرتدية. وقد تجلَّى الفعل الدرامي الكوميدي بتخدير الجماعة وحلق لحاهم وحملهم في أصنان [أكياس] الباذنجان إلى بيوتهم على ظهور البغال يقودها الغلمان.

– بعد قمّة الفعل الدرامي, تهبط الأحداث إلى حل المعضلة والنهاية. وكان ذلك في المشهد الأخير بعد ظهور شخصية الوزير, وشكره وإمتنانه لأبي العنبس على ما فعل بحاشية الدولة.

في الحبكة المسرحية لايوجد عنصر زائد عن الضرورة, ويجب أن يكون له دور.
إن وصف المأكولات بما يُثير شهيّة الأكل, من ضرورات العمل في هذه المقامة, ذلك أن الشخصيات تحضر يومياً لهذه الموائد الطيبة والمشربات الرائقة, والتسلية, ولم ينسَ المؤلف إحظار المغنيات والغلمان لخدمة الضيوف.
من شروط العمل المسرحي, إختصار الأعداد والتعبير عن الزمان والمكان بالعلامات والإشارات والحركات, وهي السمات الأساسية في المقامات؛ فالمؤلف حدد مساحة الفضاء الورقي بثلاث صفحات وقد تزيد قليلاً في بعضها, كما جعل لغة المقامة مبنيّة على الكثافة اللغوية والنبرة الإيقاعية, والموسيقى الداخلية؛ لأن المقامات كُتبت لقارئ من النُخبة المثقَّفة, وحتى مقامات الهزل واللفظ الشائن, كانت تُلامس ذائقة الجلسات الترفيهية السائدة في الأوساط الأدبية في زمنها, وكما يقول الشارحون (لكل زمانٍ مقال ولكل خيالٍ مجال.)
وقد حدد المؤلف هذه العناصر بالمجمل والوضوح الذي يُمهِّد لمُخرج العمل أن يُنجزه على المسرح أو الشاشة بكل مايقتضيه من حرفيَّةٍ وأمانةٍ للأصل التأريخي, بل يمكن إقتباس العمل لتطويره إلى أشكال مسرحية جديدة.

*- فنان تشكيلي وكاتب



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة بين الهمذاني والحريري
- الواسطي السارد التشكيلي للمقامات
- لذَّة النَص في الهامش
- تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد
- آرتموفسكي.. المُعلم الإستثنائي
- تشكيل النص في شعر حسين عبد اللطيف
- [حسين عبد اللطيف.. ألأنا.. بالأسود والأبيض.. ]
- فن السرد في مملكة محمد خضير


المزيد.....




- -مينيونز والوحوش-.. رسالة في حب السينما الصامتة
- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-
- ناشط يطالب النيابة العامة بالتحقيق مع مديرة متحف بوشكين السا ...
- الجمعية العراقية العلمية للفنون تبحث تأثير السينما في الثقاف ...
- فضل شاكر يستعد لمغادرة لبنان إلى الدوحة بعد رفع منع السفر عن ...
- موسكو تستضيف أسبوعها الدولي للسينما في أغسطس
- -مصر الروسية-.. معرض في موسكو يستكشف حضور الثقافة الروسية في ...
- مسابقة -موسيقى الفخر- تسجل رقما قياسيا في عدد المشاركات
- أخبار الفن: تأثير سياسة الحكومة على صناعة السينما والتلفزيون ...


المزيد.....

- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع