شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 00:47
المحور:
الادب والفن
شاكر حمد -*
المقامة الحرزيّة للهمذاني والعمانية للحريري.
يفترض هذا المقال مقاربة ثنائية التوازي لنصّين متقاربين في الشكل والمضمون, لمغامرتين سرديتين, تأثرت الثانية بالأولى, وفي الرحلتين إنزاياحات وإفتراقات, مابين التخطيط الأولي للرحلتين وبين خاتمتيهما المتباعدتين.
نرى وجوب إلتزام القراءة بالمسار المتوازي للمقاطع:
- الحافز المشترك.
- بدء الرحلتين, في التوقيت والهدف.
– وصف الفضاء الطبيعي في الرحلتين.
– الشخصيات الفاعلة والثانوية.
– الأحداث المتوقعة في أجواء البحر.
– حبكة السحر والفعل النفسي في المقامتين.
– ختام الرحلة في الهمذانية.
– تطوُّر الأحداث وولادة حكايات جديدة في الحريرية.
– مصائر الشخصيات في النهايتين.
يُمثِّل الحرز أو التعويذة, حافزاً مُشتركاً في المقامتين, وهو أساس فكرة التأليف. وما يتبع ذلك وضع الفكرة على خارطة الفضاء الورقي وتنظيمها بالحبكة الثلاثية الكلاسيكية:
- بداية وتمهيد.
- عقدة في الوسط.
- حلّ العقدة وخاتمة منطقية.
الإستهلال : دوافع السفر وإختيار البحر في المقامة الحرزيّة للهمذاني.
(حدّثَ عيسى بن هشام قال: لمّا بلغت بي الغربة باب الأبواب. ورضيتُ من الغنيمة بالإياب. ودونه من البحرِ وثّابٌ بغاربهِ. ومن السفنِ عسّافٌ براكبهِ. إستخرتُ الله في القفول. وقعدتُ من الفلك. بمثابة الهلك.).
في مفتتح العمانية الحريرية, يتحدث الحارث بن همّام عن موقف مُشابه في متاهة الغربة, ولكن بشعور الراغب في ركوب البحر بعدما سئم التشرّد في الصحاري, وخبر أسرارها ومجاهلها..
(فلمّا مللت الإصحارَ. وقد سنحَ لي أربٌ بصُحارَ. مِلتُ إلى إجتياز التيارِ. وإختيار الفلك السيّارِ. فنقلتُ إليه أساوِدي. وإستصحبتُ زادي ومزاودي, ثمَّ ركبتُ ركوبَ حاذرٍ ناذرٍ, عاذرٍ لنفسهٍ عاذرٍ.).
تصوير الفضاء في الإفتتاحيتين:
يقول عيسى: (ولمّا ملكنا البحر. وجُنَّ علينا الليل. غشيتنا سحابة تمدُّ من الأمطار حبالاً. وتحوذ من الغيم جبالاً. بريحٍ تُرسل الأمواج أزواجاً. والأمطار أفواجاً. ).
تُنذر الأنواء بكارثة قادمة, ويستولي القلق على ركّاب السفينة.
يتواصل القلق حد البكاء والدعاء, إلى أن ينتبه الركّاب إلى رجلٍ (لايخضلُّ جفنه. ولا تبتلُّ عينه... فعجبنا والله كل العجب.)
مع وصف العاصفة, يُعلن الراوي عن ظهور الشخصيّة الفاعلة ودورها المستقبلي؛ وهذا الشخص هو أبو الفتح الإسكندري.
إذا إنتقلنا إلى وصف الحارث للموقف المشابه في العمانية, وصورة الفضاء, نجده يُمهِّد أولاً بظهور الشخصيّة الفاعلة؛ رجل مُشرَّد على شاطئ المرسى, ينتظر مَن يحمله في الرحلة البحريَّة.
وكما يقول الحارث:
( فلمّا شرعنا في القُلعَة. ورفعنا الشُّرَعَ للسرعة. سمعنا من شاطئ المرسى. حينَ دجا الليلُ وأغسى. هاتفاً يقول: ياأهل ذا الفلك القويم. المُزجَّى في البحر العظيم. بتقدير العزيز العليم. هل أدلُّكم على تجارةٍ تُنجيكم من عذاب اليمّ؟ فقلنا أقبِسنا نارك.).
يطلب صحبتهم, ولا يحتاج غير ركوب السفينة, (فزاده معه وظلّه غير ثقيل.). ثمَّ تبدأ الأفعال السحريَّة؛ ونشاط القوى العقليّة التي يشتغل بها المُحتالون, دهاقنة الإحتيال.
الشخص الأول, في الحرزيّة, كما عرفناه هو أبو الفتح الإسكندري.. يُضيف عيسى بن هشام: ( فقلنا له ما الذي أمَّنك من العطب؟ فقال حرزٌ لا يغرق صاحبه..)
يكتب الحرز ويوزِّع عليهم قصاصات منه مع شرط دينار مقدم يدفعه الراكب ودينار بعد الوصول بسلام. تنتهي الحكاية بوصول الجميع إلى البر, ودفع القسط الثاني من الوعد, ولكنَّ الإسكندري يعفي عيسى من الدفع, وفي الأمر معرفة قديمة لم يتذكرها عيسى ( فنقدوه وإنتهى الأمر إليَّ فقال: دعوه. فقلت: لكَ ذلك بعد أن تُعلمني سرّ حالكَ. قال أنا من بلاد الإسكندرية, فقلت: كيف نصرَكَ الصبر وخذَلنا؟ فأنشأ يقول شعراً[ عن فن الصبر والكسب].
نعود إلى الحارث وروايته عن الراكب الغريب, وهو يُمهِّد لحيلة الحرز, مُقدماُ النصائح للركّاب..(وعندي لكم نصيحة. هي والله صحيحة... فقلنا: ماهيَ؟ قال: هي والله حرز السفر.. وبها إستعصم نوح من الطوفان. ونجا ومن معه من الحيوان. ثم قرأ بعض أساطير تلاها. فقلت له بالذي سخّر البحر اللُّجّي. ألست السروجي؟ فقال: وهل يُخفى إبنُ جلا.).
ومن هنا تبدأ رحلة البحر والفضاء والأنواء الجويَّة. يصف الحريري فضاء الرحلة في حالتين من الأنواء, من الهدوء الطبيعي والطقس الجميل, ثمَّ هبوب العاصفة. (ولم نزل نسير والبحرُ رهوٌ. والجوّ صحو. والعيش صفو. والزمان لهو... إلى أن عصفت الجَنُوب[الريح الجنوبية]. وعسفت الجُنُوب [مالت صوب السفينة].. وجاء الموج من كل مكان.. فمِلنا لهذا الحدثِ السائر. إلى إحدى الجزائر. لنُريح ونستريح. ريثما تواني الريح.). هنا يأتي دور أبي زيد وموهبته في الإحتيال بحيلة الحرز التي أنبأهم بها.
الحرز يحتاج إلى مهارة وتهيئة نفسية, وعناصر تمثيلية. يقترح أبو زيد على الركّاب الصعود إلى الجزيرة, فالحرز لايعمل بالقعود بل بالصعود.( فقال لي أبو زيد إنه لن يُحرز جني العود بالقعود. فهل لكَ في إستشارة السعود بالصعود.. فنهدنا إلى الجزيرة على ضعف المريرة, لنركض في إمتراء الميرةِ, وكلانا [الحارث والسروجي] لايملك فتيلاً, ولا يهتدي فيها سبيلاً, فأقبلنا نجوس خلالها, ونتفيأ ظلالها..).
تمضي الأحداث مع إنحسار موجة العاصفة, وسلامة الركّاب في الجزيرة حيث ينتشرون, لتبدأ حكاية ثانية. فالحرز أوصل السفينة وركّابها إلى برّ الأمان. لم يذكر الحارث شيئاً يُدفع لأبي زيد, كدفع الدنانير في الحرزية الهمذانية, فهو لم يطلب غير الإقالة معهم في السفينة.
الحكاية التالية لها علاقة بالحرز وفاعليته في حلِّ المعضلات المستعصيات. بعد إنتشارهم في الجزيرة فوجِئوا بمناخ من القلق والخوف على سكّان الجزيرة, وهم أمام قصرٍ عظيم له بابُ من حديد ( ودونه زمرةٌ من عبيد... فناسمناهم لنتخذهم سلَّماً إلى الإرتقاء؛ فألفينا كلاًّ منهم كئيباً حسيراً..).
يعتذر أحد الخدم عن هذا الحزن الذي حلَّ بهم. (فقال له أبو زيد: نفِّس خفاق البث. وإنفث إن قدرتَ على النَفث. فإنك ستجد عندي عرّافاً كافياً. ووصّافاً شافياً.).
إستطلع أبو زيد من الخادم أن زوجة السلطان في ساعة مخاض عسير, وذلك سبب الحزن في الجزيرة؛ فتطوَّع أبو زيد لهذه المهمّة, بقدراته في التأثير النفسي والروحي في حلّ مشكلات من هذا النوع. (فإستحضرَ قلماً مبريّاً, وزبداً بحريَّاً, وزعفراناً قد دِيفَ, في ماء وردٍ نظيف.. ثمَّ أخذ القلم وإسحنفَرَ[شمَّرَ للكتابة] وكتب على الزند بالزبد المُزعفَر[أبيات من الشعر] ثمَّ أنه طمسَ المكتوب على غفلةٍ, وتفلَ عليه مائة تفلة, وشدَّ الزند في خرقة حرير, بعدما ضمَّخها بعبير, وأمر بتعليقها على فخذ الماخض, وألاَّ تعلق بها يد حائض... حتى إندلق الولد, لخصيصي الزبد, بقدرة الواحد الصمَد.).
تنهال التبريكات على أبي زيد, ويُقرّبه السلطان من حاشيته, ويوعز إلى ضمِّه لخزانته وأن تُطلق يده في خِزانتهِ.
توجب المقاربة بين المقامتين الحرزية والعمانية؛ مراجعة العناصر التركيبية المؤلِفة للنصّين:
– الراوي عيسى متوجهاً إلى السفر بالبحر؛ لاهدف في السفر غير إختيار البحر بعد طول متاعب الإسفار على اليابسة.
– طقس وأنواء جوّية عاصفة.
– قلق نفسي ومخاطر كارثة قادمة.
– نكتشف بطل الحكاية, الإسكندري, بين المسافرين أثناء هبوب العاصفة, يدلنا على شخصه عدم إكتراثه بالعاصفة, لأنه يملك مفتاح الحل لهذه المعضلة.
– يقترح الحرز مقابل ثمن كما أسلفنا.
في العمانية الحريرية:
- تختلف البداية ودوافع الرحلة في البحر.
– البطل السروجي على شاطئ المرسى ينتظر مَن يُصعده إلى السفينة. ويقدِّم خدمته بالحرز.
– الأنواء الجوّيَة متشابهة مع فارق كثافة الوصف الهمذاني, وتمدد الصورة الوصفية الحريرية بإغتناء المؤثرات النفسيَّة.
يصف الهمذاني فضاء الرحلة من زاوية المكان الضيِّق [الحيِّز الذي لايتحرّك فيه الإنسان], وقد إختصر الهمذاني موجة الفضاء النفسي, بإستجابة الركَّاب للعاصفة؛ بالدعاء والبكاء.
بينما يصف الحريري ثلاثة أنواع من الأفضية المطلوبة في الحكاية:
- فضاء السفينة المُغلق [ وقد رسم الواسطي هذا المقطع بدقّة].
– فضاء البحر في حالتي الهدوء الشاعري, وحالة الإنقلاب الكارثي.
– الفضاء النفسي في الجزيرة, والفضاء النفسي داخل القصر.
إن صورة الجزيرة في المقامة تُعبِّر عن العزلة الأبدية, ويرمز الباب الحديدي للقصر على هيمنة الخوف من العالم الخارجي.
- تأثر الحريري بفكرة الحرز, في الهمذانية, وطقوس الصنعة, ومؤثراتها النفسية.
في الحرزية يقول عيسى عن الإسكندري (وآبت يده إلى جيبهِ فأخرج قطعة ديباج فيها حُقّة عاج, قد ضمَّنَ صدرها رقاعاً, وحَذَفَ [رمى] كلَّ واحدٍ منَّا بواحدةٍ منها.).
يذكر الحريري أن أبا زيد كتب الحرز في السفينة, ولم يذكر التفاصيل, سوى أن الحرز لايعمل في السفينة إنما في الصعود إلى الجزيرة. في الحرز الثاني طوَّر الحريري هذه العملية الإجرائية التحضيرية, كما مرّ في السطور أعلاه, بما يُضفي على المناخ النفسي للجميع إيهاماً بتصديق سلطته الروحية.
– في خاتمة الحرزيةّ يُخاطب عيسى أبا الفتح (كيف نصرك الصبر وخذلنا؟).
إعتمد الحريري على هذه العبارة ونسج حكاية بفارق زمني طويل بين الحارث والسروجي. فالذي عرفناه أنّ السروجي ناله كرم السلطان وأصبح ضمن حاشيته, الأمر الذي باعد بينه وبين الحارث, صديقه ورفيق دربه.
وبعد طول غياب, يعود الحارث لمعاودته لكنّه يُفاجأ بتغيِّر أحواله وطباعه, من الفقر والتشرُّد إلى الغنى والجاه, والتغيّر الذي إكتشفه الحارث كان طبقياً..( قال الحارث بن همّام: فلمّا رأيته قد مال[تغيَّر بسبب المال], إلى حيث يُكتسب المال, أنحيتُ عليه بالتعنيف, وهجَّنت عليه مفارقة المألف والأليف, فقال إليكَ عنّي وإسمع منّي:[الأبيات], ثمّ يعتذر من الحارث ويفترقان, ويأسف الحارث لهذا الإفتراق, كما في خواتيم بعض المقامات.
المكان في المقامتين:
الإشارة الأولية التي يُرسلها الهمذاني عن المكان نستقرؤها في أول السطر (لمَّا بلغت بي الغربة باب الأبواب.)
[باب الأبواب ثغر من ثغور بحر الخزر في الشمال الغربي من بلاد فارس على حدودها ويُعرف بدربند أيضاً وهو اليوم في بلاد داغستان في حوزة الروس, وإنما سمّي باب الأبواب للأبواب الحديدية التي كانت في أسواره.]-شرح مقامات الهمذاني- الشيخ محمد عبدة .
فالرحلة كانت في بحر الخزر المعروف بالتيارات الهوائية والعواصف والهيجان. وفي ختام الرحلة يصلون إلى المدينة ولم يُحدد إسم المدينة. هذا هو المكان الشامل للحكاية. بعدها يرد المكان الضيِّق أي السفينة, وهو المكان الذي يصبح فيه الإنسان كالبضاعة الرخوة القابلة للإنصهار أو الغرق. ولم نجد علامات مكانية أبعد من ذلك.
في العمانية الحريرية:
إشارات واضحة عن أماكن الأحداث, بعضها مُضمر, من خلال وجهة الرحلة ونوايا الرحيل, أو من خلال طبيعة الأنواء الجويَّة. فالعلامة المكانية الأولى نعلمها من قول الحارث (سنَحَ لي أربُ بصُحار)[ صُحار بلدة أو مدينة في عمان.] ومنها سمّى الحريري مقامته العمانية. وبهذا تكون بداية الرحلة من أحد شواطئ شط العرب في البصرة, حيث كان أبو زيد واقفاً على المرسى.
المكان الثاني هو الجزيرة العمانيّة, وفي الصورة مكان خُرافي, ميتافيزيقي, أكثر مما هو مكان جغرافي. ثم ندخل المكان النفسي ممثلاً بقصر السلطان.
أمامنا ثلاثة أنساق من الأماكن في المقامة العمانية, ولكل مكان حكاية وزمن:
- المرسى؛ ويساوي بداية المكان الحكائي, ومضمونه الغربة والتشرّد.
– بطن السفينة. وفيه أكثر من دلالة. فهو مكان للهروب من الضياع. وهو الحيِّز, المكان الموضوعي الجامع للغرباء والمشرّدين. فهو مكان مُغلق وأليف في نفس الوقت, كالخانات الجامعة للغرباء, وردهات السجون والمستشفيات. وهو المنفى الإضطراري نحو المجهول.
– الجزيرة الغامضة المعزولة عن العالم؛ في المقامة نتخيّلها من جزر ألف ليلة وليلة, فهي مكان خرافي مجهول المعالم, ونعتقد أن الحريري كان مُتأثراً بقصص الليالي وحكايات الجن في هذه المقامة. الأمر الذي جعل الرسام الواسطي يتبعه في هذا الإتجاه, فيرسم مجموعة رسوم للمقامة, بينها واحدة تختلف كليّاً عن أسلوبه في التشخيصات الواقعية, فرسم طيوراً بوجوه آدمية, وأجواء غرائبية.
– القصر المُحكم ذو الباب الحديدي, وهنا نزعم أن الحريري إستلهم صورة الباب من باب الأبواب المذكور في الحرزية الهمذانية.
الزمن في المقامتين:
تعددت حالات الزمن في الحرزية والعمانية على النحو التالي:
- الزمن التأريخي.
– زمن المؤلف وزمن تأليف النص.
– زمن الحكاية.
– زمن الراوي وزمن الشخصيّة.
- الزمن النفسي.
يُهيمن الزمن التأريخي على جميع المقامات التي كُتبت في القرن الرابع الهجري. وقد نلاقي بعض الأسماء والملامح والشواخص التأريخية عند الهمذاني بشكل مباشر, أو في تضمين الحكاية رموزاً تأريخية مُحددة. أما الحريري فقد تجنَّب ذكر التأريخ مباشرةً, وقدّمه مُضمراً أو مرموزاً, أو عبر الإشارات والإلماحات. وإعتقد بعض الكتّاب أن الحريري تجنَّب مواجهة الحكّام بشكل مباشر, ولهذا الموضوع بحث خاص بحثناه في مكان آخر. حين نقول أن المقامات كُتبت في القرن الرابع الهجري؛ نقصد أنها خلاصة ما وصلت إليه التطورات السياسية والإجتماعية والأدبية في ذلك العصر؛ فاللغة التي كُتبت بها هي لُغة النخبة الأدبية, حيث ساد في عصرها نمط المباريات الأدبية, والشعريّة, والألغاز, والنوادر, والنقد الظاهر والباطن للأوضاع السياسية وأساليب الحكم وسوء الإدارة وفساد القضاء.
ونقرأ التأريخ في المباني النحوية للعبارات, وصياغاتها الفنيّة, كالطباق والجناس, وتطعيم النصوص النثرية بالشعر, وتلك خاصيّة الرواية العربية. ومن مواصفاتها إمتلاك المؤلف موهبتي الإنشاء النثري, وقول الشعر, نظماً وحفظاً. الهمذاني والحريري من أُدباء ذلك العصر, سبق الهمذاني الحريري [توفي الهمذاني عام 398- توفي الحريري عام 516هجرية].
يقول الحريري أن الهمذاني هو الرائد المتبوع وأنا التابع (وإن لمُ يدرك الضالع شأو الضليع.).
وسنعرض باقي التنويعات الزمنية مع الأمثلة.
يستهل عيسى روايته بالقول (لمّا بلغت بي الغربة باب الأبواب, ورضيت من الغنيمة بالإياب..) واضعاً الحكاية بين زمنين؛ ماضي بعيد نستطيع أن نُقدّره بعمر عيسى في شبابه وحتى فاصلة الحكي, وفي هذا الماضي سلسلة غير معلومة من الضياع في مجاهل الغربة. ثم ينتقل مباشرةً إلى لحظة وقوع الأحداث داخل السفينة وبدء الرحلة مع حلول الظلام بقوله (ولمَّا ملكنا البحر, وجنَّ علينا الليل, غشيتنا سحابةٌ..) في النص ثلاث قفزات زمنية متتالية, إختصرها الهمذاني بوصف العاصفة وإضطراب البحر. ثمَّ تتوالى حركة الزمن على وجوه المسافرين وأحوالهم النفسية بالبكاء والدعاء, (وبقينا في يدِ الحَين, بينَ البحرينِ, لانملكُ عدّةً غير الدعاء, ولا حيلةً إلاّ البكاء, ولاعصمةً غير الرجاء, وطويناها ليلةً نابغية, وأصبحنا نتباكى ونتشاكى..).يعطينا النص صورةً عن طول الزمن النفسي في تلك الليلة.
[ الحَين: الموت.
بين البحرين: بحر السماء وبحر الخزر. الليلة النابغية: نسبةً إلى النابغة, وليلته التي يقول فيها:
كليني لِهمٍّ ياأُميمة ناصبٍ وليلٍ أُقاسيه بطئ الكواكب.
أو قوله:
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرُقش في أنيابها السمُّ ناقع.
الشرح للشيخ محمد عبدة: مقامات الهمذاني.]
يتبع ذلك ظهور الإسكندري ومساومته لهم بكتابة الحرز مقابل ثمن كما ورد ذكره.
وقد تستغرق هذه الفعّاليات زمنّاً, بطول الليل حتى الصباح, حين قال (فأصبحنا نتشاكى..) وبعد ظهور الإسكندري نقرأ الزمن في كتابة الحرز, إذ فيه زمن حاضر[في حكاية الماضي] وهو الإتفاق على كتابة الحرز وإستلام دينار مقدَّم, وزمن قادم بدفع الدينار المؤجل بعد الوصول إلى المدينة بسلام.
وقد تحقق الزمن الأول والزمن التالي.
الزمن في العمُانية:
يقول الحارث:( لهجتُ مُذُ إخضرَّ إزاري, وبَقَل عذاري[ أي نبت الشعر وهي علامات سن البلوغ للفتى.] وبهذا يكون الزمن المقصود هو زمن الراوي الذي يُضمر سلسلة من الرحلات في البراري والصحاري, على ظهور الخيل وعلى ظهور الجمال, حتى سنَح[عرضَ] له أربٌ بصُحار[عُمان], فإختار السفر بالسفينة (ملتُ إلى إجتياز التيار, وإختيار الفلك السيّار).
إذا تتبعنا الجمل النحويِّة في هذا النص, نتوصل إلى طول المدَّة الزمنية التي أمضاها في البراري والوهاد والوديان, والمدن والمجاهل, قبل قرارة بالتوجه إلى البحر. تُعيد المقدمة سيرة عيسى ولكن بتفصيل أكثر. تدخل الرواية نقطة التحوُّل من الماضي الطويل لشخصية الحارث, إلى لحظة ركوب السفينة. ومع إندفاع السفينة, ورفع الأشرعة, حلَّ الظلام, وهنا تلخيص وإضمار لتفاصيل موجبات الركوب والإستعدادات, جرى حذفها, فينتقل الراوي إلى حلول زمن الليل وظهور شخص يُنادي من على شاطئ المرسى.
هذا المنادي هو أبو زيد السروجي حاملاً زبيل متاعه بيده. يطلب مساعدته في الركوب معهم في السفينة, مقابل إرشادهم وحمايتهم بحرز يستعصمون به من الغرق. وبهذا تتخذ الأفعال النحوية سياقاً مستقبلياً, يضمن وصول الجميع إلى برّ الأمان. وكما حصل في المقامة الحرزيّة, ومع حلول الظلام, تهب العاصفة[ ريح الجنوب المعروفة بالرياح الجنوبية الشرقية, وفي الغالب تكون في فصل الشتاء, وتقريباً في شباط, وللصيادين خبرة في توقعات الأنواء.] فذكر الحريري ريح الجنوب, وإختار موسم الرحلة ومكانها, في مواسم رحلات البحر من البصرة إلى شواطئ الخليج والبحر العربي.
يتحرك الزمن مع تقلبات الأنواء السريعة؛ كل حركة من الجو أو الموج فيها نقلة زمنية, إلى أن يهتدي الركّاب إلى إحدى الجزائر للراحة, بعدما إستعصى مواصلة المسير, (ونفَدَ الزاد غير اليسير), ودلالة الأفعال والأحوال طول المدَّة الزمنية, مع إنحسار الليل, وبدء صباح جديد, كما في ليلة المقامة الحرزية.
ينتشرون في الجزيرة بحثاً عن الماء والزاد والظل. وتشير هذه الوقائع على جريانها في وقت النهار, ذلك أنهم يستدلون على قصر مشيد له بابٌ من حديد, وأمامه زمرةٌ من عبيد, وعلى الوجوه يُخيِّم الحزن والقلق.
تبدأ حكاية جديدة مع القصر والحزن والزمن النفسي, الذي أصبح الآن شاملاً على أهل المدينة.
قصة الحرز الثاني كما رويناها ترسم الزمن النفسي. وفي الجزيرة محيط خاص من الخوف والعزلة, وقد إستثمر أبو زيد هذا الوضع ليبني عليه إحبولته الشيطانية, التي نجحت بقدرة قادر.
بعد هذا الفصل تدخل الحكاية في تطورات تستغرق زمناً غير قليل, وهي المدَّة التي يكون فيها أبو زيد ضمن حاشية القصر, يرفل بالنعيم والمال, وبالطبع تتغيَّر طباعه؛ من ذلك المُشرَّد الضائع, إلى شخص من حاشية السلطة, وأخلاقه من أخلاقها. فيقول عنه الحارث (رأيته قد مال) أي تغيَّر بسبب المال. أي أن التغيّر طرأ على شخصية أبي زيد, وإن فاعلية الزمن النفسي كانت ظاهرةً على مزاجه وشكله وهندامه, فالزمن النفسي, يظهر على الشخصية في الحالتين: حالة البؤس والتدهوُر, وحالة النعيم والسعادة, ودلالة ذلك مدَّة زمنية تُقدّر بالسنوات. وتنتهي الحكاية بالعتب ومن ثمَّ إعتذار السروجي للحارث, ومغادرة هذا عن الجزيرة (ثمَّ شيَّعني تشييع الأقارب, إلى أن ركبتُ في القارب, فودّعته وأنا أشكو الفراق وأذمّه, وأودُّ لو كان هلَكَ الجنين وأُمُّه.).
وأخيراً نقول أن المقامة العمانية بُنيَت على حكايتين, بل هي مقامتين منفصلتين؛ الأولى عن رحلة البحر التي إستنسخ فيها الحريري حكاية السفر والحرز من مقامة الهمذاني الحرزيّة, ونلاحظ أن دور الحرز فيها كان وهميّاً, ولم يُكتب على الورق كما في الحرز الثاني.
وما حدث في الجزيرة والقصر عبارة عن مقامة ثانية بُنيَت على شفرة الحرز بناءَ فنيّاً مُحكماً.
* - فنان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟