شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 01:18
المحور:
الادب والفن
يقول إبن رشد عن فن الشعر(إخراج القول غير مُخرَج العادة.) وهي رؤية فيلسوف للخروج من الشكل الوراثي للقصيدة, والرأي يشبه قول الأسلاف.. أعذب الشعر الكذوب. ويُلخِّص القواعد الكلاسيكية التي إرتكز عليها الشكل الفني للقصيدة العربية, كما رآها حددها الجاحظ, وقدامة بن جعفر..
ويقول عبد الفتاح كيليطو في غرابة النص الشعري (النص الشعري يتكون من عنصرين إثنين؛ العنصر الأول مردّه إلى التعابير المألوفة الشائعة, والعنصر الثاني مردّه إلى التعابير الغريبة ألتي تُستورد من مكان بعيد غير معهود فتجتاز مسافةً طويلة ثم تستقر في مكان ليس من عادتها ان تكون فيه, فهي كالغرباء بين أهل المدينة.)(1).
إذن هي الغرابة التي إنبثق منها النص الشعري الحديث, بالتوافق مع عصر التكنولوجيا والحروب الحديثة والتناقضات الحادَّة في التأريخ.. عصر السريالية.
من بين التجارب الرائدة في هذا الميدان كانت تجربة شعراء العقد الستيني, وما تلاه من جيل مابعد الستينيين ومنهم الشاعر حسين عبد اللطيف.
لتحقيق ما يُسميه حسين عبد اللطيف (بالغرابة) يبدأ من منطقة النص؛ أي الفضاء الورقي, مروراً بشبكة من التقنيات وتشمل ما يُسميها جيرار جينيت بالمناصات المُحيطية؛ من مقدمة وعنوان وإختيار شكل مُناسب وإهداء, أي الحالة الوظيفية للعنوان..( فالحالة المكانية, والزمانية, والماديَّة, والتداولية للمبدأ المناصي..)(2)
وإذ يقترن النص بالبيئة ويتأثر بها, نستطيع أن نتأمل الصورة الشعرية الشديدة الكثافة , فالإقتصاد في الكتلة الحروفية, ونعزوها إلى ضيق الأماكن التي عاش فيها الشاعر؛ أمَّا الفواصل والأجزاء البنائية في النص فتشبه قطع القرميد وأحجار البناء؛ بينما تُحاكي البياضات والفراغات على السطور وبينها, جميع الثغرات في الأرضيات والجدران وتلك الفتحات والأجزاء المُقتلعة بفعل تقادم البناء؛ إنه البيت, البيئة القديمة, الأليفة بتراكم ذكرياتها, بأشكالها وألوانها وفسحاتها وظلالها, ونوافذها الهوائية وشمسها الدوّارة داخل الحوش, وملاعب طفولتها؛ وهكذا يتنافذ المكان, بفراغاته وبعثرة مُحتوياته, إلى بِنيَّة النص عند حسين عبد اللطيف؛ فتتخذ العلامات والإشارات والأقواس والتنصيصات والشوارح والتنقيطات وسطورها ومساحاتها والبياضات؛ وظائف تعبيرية موازية في النص بألإضافة إلى هندسة الأرضيات وتوزيع الكلمات ( الكتلة ألحروفية المرئية) بأشكال جديدة تقترب من التوزيع العبثي لبعضها على الأرضيات البيضاء؛ أي فضاء النص. وسننظر في الأمثلة:
- بِنية العنوان:
لنؤجل الإنسياق في المتاهة التأريخية إلى حديث آخر ونواصل مُعاينة تجربة شاعرنا في تشكيل نصوصه؛ بدأً من العنوان؛ غرابة العنوان ثم تجزئة النص وترسيمه بعنوانات فرعية؛ وثمَّة دلالات ودوافع وظروف تستوجب المُبالغة والتكرار وتحديد حجم العنوان ومدى قُدراته في الإبلاغ, والإشهار, والإيحاء, بالمباني التجريدية, والكلمات والعلامات الكولاجيّة.
تلك هي خطوات الشاعر البادئة بالعتبة الأولى, ونجد هنا ضرورة تحليلها من الزاوية البنيويَّة والبنائية فكل نص ينتظم على وفق منهجية شكلية – تداولية – تكتسب تقاليدها من تقاليد الحياة العامة والظروف الموضوعية والذاتية المُحيطة بِعالم النص.
في منظومة الشاعر حسين عبد اللطيف؛ يتشكل النص على الورق, بصفتهِ تكويناً من علاقات الكتل والفراغات, كم يجري في التعامل التشكيلي مع المساحات والكتل والفراغات, وكذلك علاقات العناصر في النحت, وأقربها منحوتات هنري مور, حيث يّشكِّل الفراغ عنصراً رئيسياً من عناصرها الماديَّة, بوصفه كتلة ماديّة محذوفة, بفعل العوامل الزمنية. وهنا يتجلَّى إنتساب البياضات والفراغات, للمكان والزمان؛ التأريخ والجغرافية المكانية الطبيعية والهندسية وبالفضاء والزمن.
وبحكم معاصرته للظروف التأريخية وتطوراتها خلال النصف الثاني من القرن الماضي فقد تأثرَ شاعرنا بالموجة الستينية وتياراتها العالمية بالتوافق مع الأوضاع المحليّة (العربية/ العراقية) كما سنبيِّن لاحقاً؛ وما زلنا نتحدث عن أثر البيئة في تكوين النص وتشكيله؛ ننقل هذا النص المُطوَّل من كتابنا "ساحر الأفاعي" وقليل من التعديل:-
للعوامل النفسية أثرها المُباشر في توجيه الرؤية نحو العَتَمة – الليلية ففي الليل هروب من مُكابدات النهار وأثقال الواقع اليوميَّة, والتراكم التأريخي للصدمات النفسية والإحباطات.. عليه فإن متاهة الدهاليز المظلمة والأرض المُتعرجة بالكثبان والطبيعة الوحوشية ومُفاجآتها المُنذرة بالأخطار..وفيها الأشباح والموتى يظهرون في الأحلام – ألزائرون ليلاً- كل ذلك يستدير في رؤى سريعة خاطفة في الظهور والزوال.
السريالية ليست بعيدةً عن الواقع, فقد أخذت عناصرها من العالم الأرضي, ومن عالم الأحلام, بإعادة تركيب وتأليف للمتناقضات الشيئية, بوضع المألوف في اللاَّمألوف من العلاقات. إعتقد السرياليون أن الأحلام هي المصدر الأول, وطبّقوا ذلك في الرسم, مثال سلفادور دالي, وفي الشعر, أندريه بيريتون, وفي الفنون الحركية والسينمائية والأزياء والموسيقى والديكوات, وذلك بموازات الطفرات العلمية, والكوارث البشرية التي خلّفتها الحروب.
في تداعيات الأحلام كتب الشاعر مجموعة من القصائد, السريالية في نصوصها وعنواناتها, منها ( سأعلن بإسمي/ تكريس؛ خرائطي خططتها المياه/ مشهد/الدريئة/ حدائق/نافذة)..
وفيها أنفاس مُتقطِّعة يخنقها الشعور بالإحباط والعُزلة, عبر الرموز والإشارا ت النفسية؛
وفي الرؤية أنفاق مُلتوية ومُحاولات يائسة في إيجاد منفذ يُضيء الدروب لتغيير مجرى الحياة الإنسانية.. ونلاحظ إمتداداً لهذا الإهتزاز, مبعثه الخوف على مصير القصيدة (خشية الشاعر من سرقة نصوصه وتقليد مُنجزه الشعري) وعلى شكل النص وبنيته وصوره المُشكَّلة من نسيج ضغوطات نفسية على الطراوة الروحية للنص من خلال:
- التكرار غير الواعي أحياناً للصورة والمفردة.
– العتَمة المُتسيدة على باطن الرؤية.
– الهبوط بالمفردة وصورتها وإستعاراتها بما يوحي بتعذيب الذات .
– التلويح بالخطر وتكرار الإنذارات.
– القطع القاسي للجملة والتحول المُفاجئ والخروج عن سياق النص.
- المونولوج الإعترافي, بنبرة صوتية مُرتفعة.
– الصمت وتُعبِّر عنه الفراغات والسطور التنقيطية والعلامات والتنجيم.
– النهايات الحزينة للمقاطع.
– الرمز والتجريد
– التركيب اللغوي ( البلاغي, الإستعاري, التناصِّي, التضمين, الكولاج.)
- التغريب والميتافيزيقيا, وإمتداد موجات التغريب إلى تركيب العنوان فالنص.
– وفي التجربة ملامح من تأثر الشاعر بأستاذه محمود البريكان, ولهذا الموضوع بحث خاص نأتي عليه في وقته المُناسب.
تتردد نبرة صوتية, خاصة, صوت الشاعر, كلماته الحقيقية, في تعطيل جريان الشعور؛ بترسيم الوقفات الزمنية, بالتجزئة والتقطيع, وإصطحاب القارئ إلى وقفات قصيرة. فالعنوانات تجترح مناطق مكانية وزمانية وأفضيَة مُترامية وبهذا تكون العنوانات العليا أو " الفوقية أو العلِيَّة" حسب جينيت, تتبعها العنوانات الفرعيّة, وهذا التقليد كان معروفاً في النثر العربي, ولم يُعرف في الشعر إلاَّ نادراً, لأن القصائد كانت تُعرف بأغراضها, وإكتسبت عنواناتها من قِبل الرأي العام الذي تقبّلها.
يرى جينيت في العنوان " عقد شعري بين الكاتب والكتابة من جهة, وعقد قِرائي بينه وبين جمهوره وقرّائه من جهةٍ, وعقد تجاري/ إشهاري بينه وبين الناشر من جهةٍ أخرى..)(2).
من وجهة نظر شعراء العقد الستيني وما تلاه, فالعقد الإشهاري لايعني الغاية التجارية؛ هناك الرغبة في التفوُّق والتمرّد وتحطيم القيود الشعريَّة. وقد تكون (الوظيفة الإغرائية) من وظائف العنوان, كما حددها جينيت, ولاتعني بالضرورة أن العنوان يجب أن يدل على مضمون الكتاب, خاصةً في الشعر,لأن العنوان في الشعر يتشكل من كلمة أو عبارة للإثارة والإستفزاز أكثر من الدلالة على المعنى؛ ويلي العنوان الفرعي تعليقات أو إستهلال ببيت من الشعر مثل بيت الشعر لريلكة (من لا يبني بيتاً الآن.. لن يبني بيتاً في ألمُستقبل..) أو (عويل الرياح..) ونلاحظ عمق التأثير لهذين البيتين على نصوص الشاعر, حيث يقول في قصيدة (الزبير) ماذا وراء الريح غير العويل..) فعنوان القصيدة ؛ تعريفي ويدل على مكان؛ لكن النص المكون من فعَّاليات حركية راقصة وترديدات ولعب, إنما يُصوِّر فضاءاً جغرافياً من أفضيَة الصحاري العربية المترامية.
في مُستهل ديوانه (نار القطرب) يستعير النص التالي من بورخس (للأسلاف من دمي وللأسلاف من روحي قرَّبت ذبائح من أشعار.) يلي ذلك تلويحات وتلميحات عن الأسلاف وتتعدد التسميات والنعوت حولهم؛ فهم الموتى وهم السائلون وهم الجالسون على الأرصفة وهم الحرّاس والرقباء. ونجد أن شاعرنا يتبع في كل ديوان نمطاً إغرائياً خاصَّاً؛ وذلك لأن جمع القصائد في ديوان يُمثلُ شوطاً من الحياة تحكمه ظروف ذاتية وموضوعية تسبق صدور الديوان؛ فالديوان الأول (على الطرقات أرقب المارَّة) صدر عام 1977 أي أنه ضمَّ قصائد الشاعر الغنائية وتأثير الأغنية العراقية فيها؛ وفيه بدايات الشاعر وباكورة إنتاجه وثقافته؛ لذلك توجِ عنوانات نصوصه بالرومانسية والتجارب الشخصية.
أما الديوان الثاني (نار القطرب) 1994 فحمل موجة التأثير الغرائبية في النصوص والعنوانات كما بيَّنا في هذا المقال. وبالتأكيد هناك فاصلة زمنية تُساوي عقدين من الزمن كُتبت فيها قصائد هذا الديوان تلي ديوانه الأول.
يقول عبد الحق بلعابد في تلخيص وجهة نظر جينيت في العنوانات الغرائبية ( غير أننا نرى بعض العناوين المراوغة خاصَّةً السريالية منها التي لاتُطابق نصوصها تماماً, وتحتاج إلى تأويل وحفر في طبقاتها قصد قراءة وفهم تلويحاتها وتلميحاتها.)(2).
وهنا تستوقفنا علاقة الشكل السيميوطيقي بصفته دال, وتعدد إتجاهات المدلول؛ أي كمونات ظل الملفوظ, والغاية التعبيرية؛ فقد يتكون العنوان من مُفردة, إسم مثل ( الفرّارة)أومفردتين (الجوّاب الضائع/ دوّارة الرياح) بينما يخوض النص في الإمتدادات الإيحائية والحركية التالية إبتداءً من حركة دوران فرّارة ورقية وإنتهاءً بحركة دوران الكون أو ضياع الإنسان؛ وقد رصدنا تَواصل عنونة (الدوران) ما يؤكد قوة المُفردة ومضمونها الحركي(الفيزيائي/ الميكانيكي/الكوني/ الزمني..) في عديد من النصوص التالية للشاعر, وقد يتمثل العنوان بجملة طويلة؛ فتصبح الجملة نقطة إفتراق تتشعب منها وجهات الشاعر بإتجاه المرئي والمحسوس والمنظور فنجد إنحيازات عناوين إلى الغرابة والسريالية والمُراوغة وإستفزاز القارئ.
في جانب من عنوانات, الشاعر وإفتتاحياته, الشاعر تنفتح الرؤية على منظور المكان؛ من البيت والحيِّز الضيِّق إلى الجغرافية الكونية والمكان الميتافيزيقي.
للمكان بُعدين في فلسفة الشاعر:
- البُعد الميتافيزيق التأملي, كما أشرنا, وهو المكان المترامي وأبعاده الميتافيزيقية ويشمل الأقمار والمجرّات وبلاد ألله ومناطق الكون وفضاء الطبيعة, وهنا تحديداً يحضر الفضاء السريالي في الشعر, وملامح محمود البريكان.
– البُعد المحسوس والمُدرك للمكان؛ المحدود, القريب, المألوف؛ كالبيت وأجزاء البيت, أو مُفردات الطبيعة؛ كالأشجار والفواكه والمياه والصحراء والتلال والوديان والكثبان.
تقترن نصوص القسم الأول بعوالم الخوف الرومانسية؛ يجتاز الشاعر فيها عوالم الكون والزمن والظلام عبر عناوين غرائبية تحتمل التأويل مثل (بلاد/ منطقة/ طبيعة صامتة..) وعناوين صورية مُقرَّبة مثل (وجه/ الشجرة/ بهجة/ الشخص خاصتي..) وفي هذه العناوين مُراوَغة تشكيلية لاتعكس مضامين النصوص التي تقف عليها ؛ إنما تَنفذ إلى ماوراء النصّ؛ حيث نرى عنوان (دال) يُتوِّج مضمون (مدلول) ضدّي؛ فالشكل مألوف وموضوعي أما المضمون, في سريان النص, فيُجسِّد موجات من الهواجس الذاتيَّة والمُعاناة والأرق.
يقول جينيت ما معناه أن العنوان الذي لايدل على مضمون النص يحتاج إلى عنوان فرعي يؤدي وظيفة التفسير؛ لكن في الحالات السريالية والميتافيزيقيا والتجريد – كعناوين حسين عبد أللطيف - يختلف الأمر, فالعنوان يوحي بالغموض واللاّ معنى أمّا العنوان الفرعي فيُزيد الغموض, ويُضفي على الضباب غيوماً؛ مثالها هذا العنوان (تكريس) وعنوانها الفرعي (خرائطي خططتها المياه) وتزدحم هذه البِنيات الشكلية للعناوين في ديوان الشاعر (نار القطرب).
في تشكيل النص, عند حسين عبد اللطيف, تشمل العمليات الإغرائية, التعتيم والتفكيك والكولاج, كتجارب مختبرية على الفضاء الورقي, وتشمل العمليات:
- الغلاف
- الإيهام في العنوان – العنوان الفرعي للقصيدة – العنوان الجزئي (عنوان مقطع)
يلي ذلك مايُعرف بإسلوب الشاعر في البث والإرسال ويبدأ من العنوان المُلغِز ثم سيرورة النص/ المتاهة وتشمل:
– نوع الخط وتباين كلماته طوبوغرافياً, أو تحديد بعض المفردات بالمعقفات أو الأقواس أو التنصيصات.
– تفكيك النص العمودي(الكتابة النازلة) ووضعها في تنظيم جديد, كالسطور المُتدرِّجة والمُتباعدة, وزحف بعضها أُفقياً, أو إشغال سطر أو جزء من السطر بالخط الأفقي وترك الكلمة في آخر السطر.
ولدى الشاعر قصائد صُممت على أنساق كتابية تُحاكي المخطوطات العربية أو المطبوعات الإعلانية.
- الفواصل في تفكيك السطور, والمقصود إحلال الوقفات الزمنية وأبعادها.
- التشكيل الفضائي للبياضات, بالتناظر مع التوزيع الجغرافي للكتل الحروفية.
- السطور التنقيطية وفضاء النص الموازي.
– الإستعارات من الفن التشكيلي, ويمكن أن نُطلق عليها (التناص المرئي) الشبيه بالتناص اللغوي الغريب عن اللغة الأصلية, والذي يُسميه باختين (اللغة الهجينة) كالمفردات الأجنبية والدارجة, الداخلة على النص, ونلمحها بكثرة في شعر حسين عبد اللطيف, ومنها إعلانات, وعلامات دعائية, وألفاظ شائعة, ومنها ريفية, ومنها ترديدات طفولية, وأصوات باعة جوّالين.. ولهذه نبرة (سيّابية) معروفة.
أمَّا الديوان الثالث (أمير من أور) 1995 فهو أشبه بمرثيّة مطوَّلة عن صديقه الرسّام أحمد أمير الذي توفي في ألمانيا ويصبح الديوان أشبه بمراثي عنه؛ حتى أن قصيدته ( دوَّارة الرياح) تبدو وكأنها رثاء للفنان سبق رحيله, وقد بثَّ فيها الأحزان ألمُرتقبة.(يُنظر كتابنا – ساحر الأفاعي – ص237-).
أمَّا الديوان الرابع – مختارات - (لم يعُد يُجدي النظر) الصادر عام 1995عن دار الجمل ففي عنوانه دلالة اليأس وقد صدر في وقت بلغت فيه مُعاناة العراقيين درجة اليأس والإحباط. ونلاحظ إمتداد ظواهر التمزق النفسية وتشابكها مع تشكيل العنوانات الرئيسية والفرعية؛ ويمكن تعيين أهم أعراضها:
- الإغتراب. – اليأس والندم. – الخوف من الحاضر والمستقبل. - العُزلة.
وهذه الحالات يُرسلها العنوان أولاً؛ثم تهبط مع النص وصولاً إلى الصدمة, أو مايُسميها الإفتضاح أو الخسارة والخوف من المصير المادّي المُخيف؛ من ضياع سنوات العمر ويرمز لسنوات العمرتارةً بالقمح (إحملي قمحنا وإنثريه في وِهاد القرى) وتارةً بذهب العائلة:-
(الرياح التي من مراكش قادمةً
دخلت منزلي
وإختفى في عذاب القرنفل والبرتقال
ذهب العائلة.) .
المقطع مبني على الإستعارات, فالرياح هي الحرب, ومراكش كنايةً عن الغرب وليست مراكش العربية الجميلة, إستخدمها الشاعر, لأن نبوءة وفاة الرسام أحمد أمير الجاسم, أتت من الغرب, وعبَّر عن عذاب الأسرة بعذاب القرنفل والبرتقال, وإختفى ذهب العائلة, أي إختفى الأمل بالمستقبل.
ونلاحظ موجة العنوانات السريالية والتي لاتدل على مضامين نصوصها ولا تُعارضها أيضاً؛ إنما تُنبِّه القارئ أو تُغريه بإتجاه الغموض فالقصيدة التي تحمل عنوان (سحابة أمس فقط) تتحدث عن لوحات تشكيلية كما سنرى في القسم الثاني من المقال.
- هوامش:
(1)- عبد الفتاح كيليطو- الأدب والغرابة.. ص 67-
(2)– عبد الحق بلعابد: عتبات جينيت ص 56- - شاكر حمد: ساحر الأفاعي.. ص 186/187-
– يتبع-
*– فنان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟