أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - الرواية الميتافيزيقية العربية (2)















المزيد.....


الرواية الميتافيزيقية العربية (2)


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 00:21
المحور: الادب والفن
    


الرواية الميتافيزيقية العربية

(2)

شاكر حمد -*

( "العالم هو خيالي أنا", كلّما صغّرّتُ العالم بمهارةٍ أكبر إمتلكته بشكل أكثر كفاءةً) – باشلار – جماليات المكان ص 144-

تبزغ الفكرة الأساسية في الرواية من لحظة خاطفة, يسميها أحد مُنظرّي البنيوية بالحافز. وهي أشبه بومضة البرق تعقبها يقظة ومن ثمَّ سلسلة ترائيات لانهائية من الصوَر والأحداث والمباني السردية.

إبتداءاً إعتبرنا المشهد الذي يظهر فيه إبليس بطلاً في المقامة الإبليسية للهمذاني هو تلك الومضة الخاطفة التي منها إنبثقت تصوُّرات إبن شُهيد الأندلسي في رسالته "التوابع والزوابع",
وهناك مشهد آخر له صلة بعمل إبن شُهيد منقول عن المقامة الأسدية للهمذاني أيضاً كما سنرى في آخر هذا المقال. وإنتقل الأثر إلى رسالة المعرّي الموازية لعمل إبن شُهيد.
مع ذلك هناك جذور وينابيع عرفها الحكي العربي القديم.
يتكوَّن المشهد المذكور من العناصر الأساسية التي تؤسس العالم الغريب, وهي الفضاء الأسطوري, والشخصيات الغريبة في بنياتها العقلية والجسمية, وإن كانت طبيعية, فالغرابة تكمن في حضورها غير الطبيعي في عالم خرافي, والعنصر الثالث هو الزمن الأسطوري, العنصر الرابع هو الموضوعات التي تُدار في ذلك العالم بالحوارات المنطقية كما هي في العالم الأرضي.
هناك العناصر البنائية المُشتركة:
- المؤلف ودوره في الرواية.
– الراوي أو الرواة في متن الحكاية.
– البطل المحوري؛ أي الشخصية الرئسية, وقد يُشغل المؤلف هذا الدور كما في رسالة إبن شُهيد, ورسالة المعرّي, فالأول هو الذي يروي ويُصاحب إبليس وينقل التفاصيل ويعيش جمع ظروفها, والمعرّي هو الراوي الحقيقي لمجريات الأحداث بكل تفاصيلها, وفي بعض الحالات يترك الرواية لبطل الرحلة علي بن منصور المعروف بإسم إبن القارح.
- وقد يكون الراوي الثاني؛ كما في حالة عيسى بن هشام راوي المقامات الهمذانية.
فالهمذاني لم يكشف إسمه في كل مقاماته, وسلَّم أمرها لعيسى بن هشام.

في الحكايات الثلاث تصوُّر مُشترك للعالم الغريب (الميتافيزيقي) ممثلاً في الوادي, وللوادي رسوخ في المُخيَّلة العربية القديمة لإرتباطه بحلقة من حلقات المجهول, فهو مكمن الأخطار في الذاكرة, وقد يكون أرضاً خضراء للإستراحة. الموصوف بالخضرة في المقامة الأسدية. وقد يكون مكاناً مهجوراً ويعني الجفاف وإنعدام الزرع والماء كما ورد في القرآن, الآية 37 من سورة إبراهيم (بوادٍ غير ذي زرع.). إستلهم إبن شُهيد صورة الوادي الأخضر فجعله ملعباً للشياطين.
وإستعاره المعرّي ليؤلف منه صوراً ملوَّنةً لا حصر لها عن الجنَّة.

– الرحلة: فالقصص الثلاث عبارة عن رحلات تجتاز العالم الغريب.
الأدب العربي بأكملهِ عبارة عن رحلة طويلة في التأريخ والجغرافية.
– الشخصيات: على مستويات؛ في المستوى الأول الشخصيات الحقيقية التي نعرفها؛ شيخ في ثلاث حكايات يكون حاضراً جسدياً وعقلياً.
في المستوى الثاني تدخل الشخصيات الفاعلة ممثلةً بالجن والشياطين, وهناك الملائكة في عمل المعرّي, وبالأسماء والألقاب المعروفة في القرآن, إلى جانب هذه الشخصيات تدخل شخصيات الحيوانات والطيور وجميعها تنطق العربية نحواً وصرفاً وتحفظ الشعر.
– الزمن الأسطوري: في حالتي الهمذاني وإبن شُهيد لاشيء يدل على الزمن الطبيعي, نتلمس إشارات عن الزمن التأريخي في عرض أسماء الشعراء. وفي حالة المعرِّي يُهيمن الزمن الأسطوري بكل التفاصيل والعلامات والمخلوقات والمُخاطبات, ويجري إسترجاع زمن الأرض والحياة (الفانية) أثناء المحاورات, كما سيأتي بالأمثلة.
– الفضاء الأسطوري.
– المادّة الخطابية في الحوارات ومحورها نقد الشعر والشعراء. لكنَّ نقد الشعر وإستدعاء الشعراء من مُختلف الأزمنة, يخضع من الناحية الفنيَّة لتمرير مواقف فلسفية أو أسئلة عن الوجود وطبيعة الكون والخلق والحياة والموت.

أورد أبو حيان التوحيدي, مُحاورة بين الحيوانات في كتابه البصائر والذخائر, والمحاورات بين الحيوانات لاتُقدِّم أكثر مما قدمته رواية كليلة ودمنة,
وأسهب الجاحظ في المحاورات بين الحيوانات, وهناك مُحاورات مع الجن والشياطين.

في القصّ الشعبي حكاية الرجل المُسمّى تميم الداري, الذي إختطفته جنيّة وظلَّ أسيراً عند قبيلتها, ولمَّا أطلق سرحه عاد إلى أهله بنظام عقلي مُضطرب؛ وفي تأويل آخر للحكاية أن رحلته إلى قبائل الجن كانت السبب في تحوِّله من المسيحية إلى الإسلام. وقد وظَّف الهمذاني سياق هذه الحكاية في مقامته الحجريّة. وفي المرويات الحكائية تحوير لهذه الحكاية, فيصبح تميم الداري شخص آخر بإسم خرافة (ومنه إشتُّقت عبارة – حديث خرافة-) وهناك قصّة إمرأة في الجاهلية تفرّعت منها هذه التأليفات.
نلاحظ في مُعظم هذه القصص بيئة جغرافيَّة غامضة ومجهولة يُمثلها الوادي, فالمخلوقات الغريبة تسكن الوديان, إبتداءً من صورة الوادي الذي وقف عليه السندباد البحري, ورأى أرضاً من الماس ولكنه مسكون بالحيّات والأفاعي, وفي رحلته الثالثة يرى في الوادي شيخاً لايتكلّم, ويُعبِّر عمّا يُريد بالإشارة, فيطلب من السندباد أن يحمله على ظهره, ولمّا يحمله السندباد على كتفية,يرى قدمين شبيهتين بجلد الجاموس في السواد والخشونة.()- كيليطو؛ الأدب والغرابة ص 119-
من اللاّفت تأثير حكايات ألليالي على المرويات العربية في عصر كتابة الرسائل, ولأجله نقرأ بعض الشواهد منها: حالة الطائر الذي يحجب الشمس بجناحيه..(سكّان المدينة الذين تنقلب حالتهم في كل شهر, فتظهر لهم أجنحة يطيرون بها إلى السماء.) ()–كيليطو- نفسه- ص 114
- (جزيرة كأنها روضة من رياض الجنَّة.. إنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر, فبنا عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة وقد نبتت عليها الأشجار.)() – كيليطو- نفسه- ص 114.
( قبة كبيرة بيضاء شاهقة العلو كبيرة الدائرة.. تبيَّن للسندباد, فيما بعد, أنها بيضة طائر الرّخ. ) – نفسه-
( هناك أيضاً "القرود" وهم أقبح الوحوش, عليهم شععورٌ سود مثل لبد الأسود.. صُفر العيون, سود الوجوه, صغار الخلقة, طول كل واحد منهم أربعة أشبار..)() – نفسه ص 112- الليالي ص 12- يكتشف السندباد شعائر وعادات مُقززة, فيقشعّر منها جلده, ويشعر بالدوار تجاهها, فهناك قوم يتلذذون بأكل لحوم الآدميين.. ثمَّ هناك قوم لهم "عادة رديئة جدّاً" إذ كلما ماتت المرأة يدفنون معها زوجها بالحياة, وإن مات الرجل يدفنون معه زوجته بالحياة, حتى لايتلذذ أحدٌ منهم بالحياة بعد رفيقه.)() – كيليطو- ص 113- الليالي ص 20
- يرى كيليطو أن ثلاث شخصيات تُعرف بإسم السندباد؛ السندباد البحري والسندباد البرّي والسندباد الهوائي..(لم يكتفِ السندباد بركوب البحر بل جرَّب كذلك, ثلاث مرّات, صعود الجو, مرةً على متن طير الرَّخ, ومرةً على متن نسر, ومرةً مُتشبثاً بأحد الرجال الذين تنبت لهم أجنحة في كل شهر. وحسب مايظهر من الحكاية السابعة فإن التحليق في الفضاء من عمل الشيطان.) () – نفسه-ص 114-
(.." ولم يزل طائراً بي ذلك الرجل وأنا على أكتافهِ حتى علا بي في الجو فسمعتُ تسبيح الأملاك في قبَّة الأفلاك فتعجبتُ من ذلك وقلتُ سبحان الله والحمد لله فلم أستتم التسبيح حتى خرجت نارٌ من السماء فكادت تحرقهم فنزلوا جميعاً وألقوا بي على جبلٍ عالٍ وقد صاروا في غاية الغيض منّي."..)() – اليالي – ص 13 – كيليطو- ص
119- في الليالي صورة نمطية للشيطان؛ تجمع بين الضخامة والخلقة المُشوَّهة عن الإنسان, كالعملاق الذي يظهر في الحكاية الثالثة والذي هو(.." في صفة إنسان.. ولكن له أنياب مثل أنياب الخنازير وله فم عظيم الخلقة مثل فم البشر وله مشافر مثل مشافر الجمل."..)()- الليالي ص 13- كيليطو- ص 119-. جميع هذه الكائنات, وما لحقها من إستنطاقات وعوالم غريبة, إنتقلت إلى الحكاية العربية, وجرت التحويرات, على وفق كل بيئة سردية, وزمانها ومكانها.

وظَّف العرب صورة الشيطان في مروياتهم؛ إبتعدوا عن رمزيتها الباعثة على الخوف, والهلاك والبشاعة والحيوانية, فإرتبطت الصورة بالشعر والخلق بدل الموت والفناء.
الشعر بقواعده الراسخة ومتانة قوافية وموسيقاه وأوزانه, إنما هو من المُعجزات, إذا علمنا أن شعراء المعلقات لم يعرفوا القراءة والكتابة, بينما تأسست قواعد اللغة العربية على قصائدهم بعد القرآن.

ومن الحكايات المعروفة عند العرب حكاية الرجل المُسمّى (إبن سهم الخشب) الذي رأى في الوادي مخلوقاً عجيباً يشبه الإنسان, طويل القامة, على جسده نمش أخضر كطحالب المستنقعات, يمتطي نعامةً عملاقة وخاطبه المخلوق قائلاً: يإإبن سهم الخشب مَن أشعر العرب؟ ثمَّ أجابه بنفسهِ مُستشهداً ببيت أمرؤ القيس: (وما ذرفت عيناكِ إلاّ لتضربي بسهميكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتَّلِ). ثمَّ كشفَ عن هويته قائلاً : أنا لافظ إبنَ لاحظ من الجن, ولولاي لما قال صاحبكم [أُمرؤ القيس]الشعر.

كانت الخرافة صناعة شعبية تملأ الجلسات الليلية بالإمتاع والتسلية. لكل حضارة رموزها الخارقة. أول من بحثَ في أغراض هذه الحكايات هو الناقد الروسي فلاديمير بروب؛ مُتَّخذاً من الحكايات الشعبية الروسيّة حقلاً للبحث, ولم يخطر بباله أن بحثه هذا سيكون أساساً للمناهج البنيوية التي توزّعت مدارسها بين أوربا وأمريكا.
أمامنا سؤال عن الشيطان الذي يزور الشاعر في بعض الأوقات.. من هو؟
لهذا المخلوق بدائل في حضارت أُخرى, فعند إفلاطون (ربّات الشعر).

سؤالنا عن هوية الشيطان يتناولها الكاتب عبد الفتّاح كيليطو بالسؤال الذي أخذناه عنه ( مَن هوَ هذا الشيطان؟ إذا صحَّ ما أوردناه فلا مفر من إفتراض أن شيطان الشعراء ما هو إلاَّ الجماعة التي منها مصدر وإليها مورد الكلام) – كيليطو- نفسه- 56-


يرى المستشرق الألماني كارل بركلمان (أنَّ رسالة التوابع والزوابع سبقت رسالة الغفران بعشرين سنة, مما يجعلها من أوائل النصوص العربية الفنطازية, كما تُعد الرسالة من النصوص المؤسسة للخيال الأدبي العربي, لما فيها من مزج بين الواقع والأسطورة, ونقد أدبي ساخر, وحوار مع التراث الشعري, وتوثيق للجن والرموز الحيوانية, وبناء تخييلي مُتقدِّم, سبق تيارات أدبية حديثة. وقد إعتبرها بعض الباحثين من البدايات المُبكّرة لما يُعرف اليوم ب"الواقعية السحريّة"وقد سبقت أعمال عالمية شهيرة بقرون طويلة مثل "دون كيخوتة".) – الويكيبيديا -

لا تعنينا الأسبقية هنا,[وقد تعني التأثر] بل الأفكار الغرائبية, الميتافيزيقية, والكائنات والأماكن والفضاء السائد فيهما, ويرى بعض الباحثين, ومنهم الدكتور زكي مبارك, أن في الرسالتين تشابهاُ في العناصر الأساسية التي تشكَّلت منها الأحداث والشخصيات, مع إختلافات لابد منها للأغراض الفنيَّة.
في رسالة المعرّي يتجلّى الموقف الفلسفي من الدين, فيكون نقد الشعر ستاراً يُشفُّ منه الجدل الفكري وحامله المؤلف الضمني. إن العالم الآخر لم يكن مُجرّداً, بل هو شبكة تناقضات شبيهة بالعالم الأرضي, وهو من الناحية الفنيّة مؤسس على الإتساع الفضائي الميتافيزيقي.
كان نقد الشعر صريحاً, فأبي العلاء فيلسوف اللغة وعالِمها, بينما نَقدَ السردية الدينية ضمنيّاً, فقد بنا رسالته على منظور ديالكتيكي وعلى يقين ثابت من فلسفته الوجودية. أمَّا إبن شُهيد, فقد إستلهم صورة الوجود الميتافيزيقي, جاعلاً منها رواية.
ويستطيع القارئ أن يوازن بين الفلسفتين.

تناول الدكتور زكي مبارك رسالة إبن شُهيد "التوابع والزوابع" في فصل من كتابه" النثر الفني في القرن الرابع الهجري" عنوان الفصل (سياحة شاعر في وادي الشياطين) ( والواقع أن التشابه تام بين الرسالتين, فالموضوع واحد وهو عرض المشاكل الأدبية والعقلية بطريقةٍ قصصية... ويتفق كلا الرجلين على التعريض بمعاصريه, وشرح ما أُخذ على المتقدمين من أساطين العقل والبيان, والمسرح واحد تقريباً؛ فهو عند إبن شُهيد وادي الجن في الدنيا, وهو عند أبي العلاء وادي الأُنس في الآخرة؛ أي الفردوس والجحيم, فالممثلون عند إبن شُهيد جن يسخرون, وعند أبي العلاء أنسٌ تُسخّرهم الملائكة والشياطين, وكان لكل إنسان في عرفهم ملكٌ وشيطان.) – زكي مبارك : النثر الفني في القرن الرابع الهجري, ص 265-

ويرى زكي مبارك أن رسالة إبن شُهيد مأخوذة من مقامة الهمذاني المقامة الإبليسية؛ وهو ما يؤكد رأينا الوارد في هذا المقال؛ حيث يظهر إبليس ويُعرِّف نفسه بكنيتهِ المعروفة (أبو مُرّة) ويدَّعي أنه شيطان الشاعر جرير, ويقرأ قصيدة جرير.. وللحق نقول أن الجاحظ سبق الجميع في تدوين المحاورات مع الجن والشياطين, وظهور إبليس (أبو مُرّة) في كتابه الحيوان.

نلاحظ هنا أن الكتّاب الذين تناولوا هذه الأعمال بالبحث نادراً ما تستوقفهم البنية الغرائبية (المسرحية) في هذه الأعمال وإهتمّوا بموضوعاتها الناقدة, ومواقف مؤلفيها من الصراعات والتناقضات والصراعات الأدبية.
في هذه الرسائل شكل جديد يتخطّى مفهوم الرسالة السائدة في القرن الثالث, وذلك بإعتماد مباني سردية جديدة؛ أهمُّ مكوناتها الشكل الخيالي, والتعبير بالصوَر والمشاهد الواقعية وإنعكاساتها المُتخيَّلة, والأهمُّ من كل ذلك إعتماد الحكايات على الأضداد, وتلطيف الخطاب الحكائي بالهواء الباعث على المرح والسرور, وبشكل خاص سرد الكوميديا السوداء.. (ظهر لإبن شُهيد, في رحلته فارسٌ ويُعرِّف نفسه بأنه زهير بنَ نُمير شيخ الجن, ثمَّ يصحبه إلى الجن في السماوات وهو عالم مثالي حسب وصف إبن شُهيد..( سار بنا كالطائر يجتاب الجوّ في الجوّ, ويقطع الدوّ في الدوّ, حتى إلتمحتُ أرضاً لا كأرضنا, وشارفتُ جوَّاً لا كجوِّنا, مُتفرِّع الشجر, عطر الزهر..).
ثمَّ يسأل شيخ الجن أبا شُهيد من أين يبدأ – بالشياطين – ( فيُجيب إبن شُهيد" الخطباء أولى بالتقديم, ولكنّي إلى الشعراء أشوَق." [يُضيف زكي مبارك وهذه أول مرَّة أرى فيها أن العرب كانوا يعتقدون وجود شياطين للكتّاب والخطباء.].
ثمَّ حدّثنا إبن شُهيد بأنه صادف في أرض الجن شيطان الجاحظ وشيطان بديع الزمان وشيطان عبد الحميد [ الكاتب] فهل كان العرب يرون ذلك أم أنه إختراع إبن شُهيد؟) – زكي مبارك :ص 266-

يبدأ إبن شُهيد رحلته بلقاء قرين أمرؤ القيس, الذي ظهر على فرس يشبه فرس المعلّقة الشهيرة (مُكرٍ مُفرٍّ مٌقبلٍ مُدبرٍ معاً ).
ثمَّ يلتقي قرناء الشعراء؛ طرفة بن العبد, أبو تمّام, البحتري, أبو نؤاس, المتنبي. ويقرأ لهم شعره وقد أثنوا عليه, بينما قدَّم بعضهم نصائح نقدية له, ومن أشهرها نصيحة قرين أبي تمّام (أذا أكملت النَص فإتركه ثلاثة أيام, ثمَّ إرجع إليه ونقحّهُ بعينٍ جديدةٍ.)[ إجعلوها شعاراً في كليّات الآداب والمجلاّت الأدبية.]

بعد ذلك يُلاقي إبن شُهيد قُرناء الناثرين والخطباء, وأوّلهم الجاحظ ( فإجتمع بقرين الجاحظ المُسمّى " أبا عُيينة " في إشارة ساخرة إلى جحوظ عيني الجاحظ. ثمَّ ينتقل مع صاحبه إلى حقل آخر من مملكة الجن, حقل الفانتازيا والسريالية؛ حيث يلاقي قطيع من حمير الجن, فيعلم أن أديبةً من حمير الجن إحتارت بين شاعرين يتنافسان على خطبتها, فكلَّفت إبن شُهيد بالحكم بين القصيدتين, فيحكم لأحدهما. ثمَّ يحكم بين قصيدتين غزليتين لبغل مُحب وحمار عاشق..
ينتهي الكتاب بحوار إبن شُهيد مع أوزة أديبة, ناظرته في النحو وغريب اللغة.

(رسالة التوابع نفسيّة جدّاً ومؤلفها خفيف الظل إلى حدٍّ بعيد, وقد وقعت له فيها فكاهات تبعث الأنس في النفس, من ذلك ما قصَّه علينا أشرف بأرض الجن " على قرارة عيناء, نفترُّ عن بركة ماء, وفيها عانةٌ من حمير الجن وبغالها قد أصابها أولق [الجنون], فهي تصطك بالحوافر, وتنفخ من المناخر, وإشتدَّ ضراطها, وعلا شحيحها ونهاقها..") –مبارك – نفسه –
هذا الوصف منقول بصيغة مُقاربة له عن المقامة الأسدية الهمذانية, ويتَّضح مدى تأثيرها على رواية إبن شُهيد, فالمشهد الموصوف عند الهمذاني يُصوّر مجموعة الرجال بصحبة عيسى بن هشام, (فما راعنا إلاّ صهيلُ الخيل, ونظرتُ إلى فرسي وقد أرهفَ أُذنيه. وطمحَ بعينيهِ. يجذُّ قوى الحبلِ بمشافرهِ. ويخدُّ خدَّ الأرض بحوافرهِ. ثمَّ إضطربت الخيلُ. فأرسلت الأبوال. وقطّعت الحبال. وأخذت نحو الجبال. وطار كلُّ واحدٍ منّا إلى سلاحهِ. فإذا السبع في فروةِ الموت. قد طلَعَ من غابهِ. مُنتفخاً في إهابهِ. كاشراً عن أنيابهِ.)() –الهمذاني: المقامة الأسدية- ..)
التحوير الذي أحدثه إبن شُهيد؛ أن أبدل الخيل بالحمير, وحذف الأسد, وأحلَّ مكانه مرض الجنون [الأولق].

ثمَّ يتوالى سرد القصص والمناظرات والشعر على ألسنة الحيوانات – بصيغة الفكاهة- الشبيهة بأفلام الرسوم المُتحرِّكة في عصرنا, وهي من مُبتكرات إبن شُهيد, ولها أسماء وألقاب [ ورأينا أسماء وألقاب الحيوانات في المقامة الساسانية للحريري, وهي معروفة عند العرب, وقد أسهَب في ذكرها الجاحظ في كتابه الحيوان وفي بعض رسائله.].

يتجلَّى في السردية الميتافيزيقية العربية, تأثر العرب بكتاب كليلة ودمنة؛ وذلك بتضمين الحكايات أفكاراً تتعرَّض لنقد القوانين الإجتماعية والكونية, والمقولات الفلسفية وحتى النصوص الدينية, من ذلك ما ورد في رسالة كاتب مجهول من إخوان الصفا, من مُحاكمات على لسان الطير والحيوان؛ حيث يُصوّر كاتب الرسالة جلسات لممثلين من الجن عن بلدانهم يواجهون فيها بني البشر..يختلق الكاتب بيئة المناظرة الفنطازية, وهي بيئة مسرحيّة تؤطر مشهد المناظرة بين حيوانات الجن وبين الإنسان. بعض المُتكلمين من الحيوان يُحاجج بالآيات القرآنية لإسناد مواقفه ضد البشر. ونستنتج في أسلوب التناظر تميّز الحيوانات بالعواطف الرقيقة. ( في الجلسة يتحدَّث الثعبان بنبرةٍ رقيقةٍ عن أبناء جنسه ومملكة الحيوان الجنيَّة – وهي إسلامية في هذا العرض – ويستشهد بأمثلة من صوَر الحيوان المرسومة على الجدران ( فإعلم أيها الملك العادل أن هذه الصوَر والأشكال والهياكل والصفات التي تراها في عالم الأجسام جواهر الأجرام هي مثالات وأشياء وأصباغ لتلك الصوَر التي في عالم الأرواح, غير أن تلك نورانية شفافة, وهذه ظلمانية كاسفة, ومناسبة هذه إلى تلك كنسبة التصاوير والنقوش على وجوه الألواح وسطوح الحيطان إلى هذه الصوَر والأشكال التي عليها هذه الحيوانات من اللحم والدم والعظام والجلود.) – مبارك نفسه ص 277-
في الرسالة أوصاف حسيَّة وعقلية لمُختلف عادات الشعوب, فالشخصيات تقف على مسرح؛ تنتظر أدوارها في الحوار, وقد أكّد مؤلف الرسالة على تكوين الشخصيات بأزياء بلدانها [ لنتصوَّر المشهد سريالياً لو نُفّذَ مسرحياً أو سينمائياً] ويستطيع الباحث في علم المسرح والسينما أن يؤلف عملاً من هذا الطراز عن قصّة وقعت أحداثها في أي زمانٍ ومكان. فالهندي لذلك العهد كان طويل اللحية موفور الشعر, متوشِّحاً بإزار أحمر في وسطه. [ الزي الذي يظهر به أبطال الكدية في المقامات], والعبراني من أهل الشام كان يرتدي " رداء أصفر وبيده مدرحة ويُزمزم." والسرياني من آل المسيح كان يلبس ثياباً من الصوف وعلى وسطه منطقة من السيور, والقرشي كان يلبس ثوبين؛ رداء وإزار شبه محرم " واليوناني كانت على رأسه مشدّة" ولم يُعيِّن المؤلف ثياب الفارسي, وإن كان وصفه بحسن الهندام, وكذلك وصف مندوب العراق. هؤلاء مندوبوا الجن عن بلدانهم؛ بعد ذلك يتحدّث كل مندوب عن أوضاع طائفتِه وفلسفتها وواقعها وظروف الحياة في ذلك البلد, ويُفاخر بمكانة قومه وأهل بلده في الدنيا والآخرة عند الله وموقف الأنس منها.) – مبارك -277- ( ولم يقف المؤلف عند حدود درس الحيوان, ولكنه إستطردً فشرحَ كثيراً من الظواهر الإجتماعية, وتحدَّثَ عن الملوك والوزراء والعلماء والفقهاء, وأفاض في ذكر الأسباب التي قوَّضت العروش وحوَّلت الأعزَّة إلى أذلَّة صاغرين, ولم يشهد الكاتب لأحد الملوك بالعدل إلاَّ لملكين إثنين؛ ملك الجن وملك النحل.) – مبارك – 282-
.....

ذيل المقال:

- إبن شُهيد أبي عامر أحمد بن عبد الملك القرطبي المُلقَّب بإبن شُهيد الأندلسي, ولد سنة 382ه في القرن الخامس الهجري – الحاديرعشر الميلادي.
– التابع: الجن. الزوبعة: الشيطان.( سمّى روايته بهذا الإسم لأنه يذكر في مطلعها أن شيطاناً تراءى له, وهو ينظمُ شعراً فأجازه, وبعد تعارفهما حمله الشيطان إلى وادي الجن, نزولاً عند طلبهِ, حيث إلتقى بكثير من شياطين الشعراء, كما إلتقى بطائفة من كتّاب المشرق.) – الويكيبيديا-
- أفرد النقّاد واللغويون فصولاً كاملةً لأسماء شعراء الشياطين, ومنهم أبو زيد القرشي الذي ذكر أسماء مثل:
-عبيد بن الصلادم: قرين عبيد بن الأبرص.
– هاذر بن ماذر: قرين النابغة.
– السكران بن جندل: قرين الأعشى.
– جالد بن ظل: قرين عنترة بن شدّاد.

وكان يُعتتقد أن هؤلاء القرناء يسكنون مكاناً أسطورياً يُعرف بإسم وادي عبقر ( يُعد وادي عبقر من أشهر المواضع الأسطورية في الثقافة العربية القديمة, وكان يُعتقد أنه موطن الجن وقُرناء الشعراء والخطباء. وتقول الروايات أن مَن يدخله قد يفقد عقله أو يعود وقد أصابه مسٌ من الجن .. إشتُقّت كلمة (عبقري) من إسم هذا الوادي, في إشارةٍ إلى التفوُّق والإبداع, وإختلفت الروايات حول موقعه, فمنهم من يعتقد باليمن ومنهم مَن يراه في نجد.) [ الصحيح أنه موجود في الخيال, كحال الأسماء الأسطورية في ألف ليلة وليلة, وكحال أسماء الفتيات اللواتي زيَّنَّ مطالع المعلقات السبعة.].

– وإعتقد بعض الشعراء أن قُرنائهم من الإناث, بينما إعتقد آخرون ان قرنائهم من الذكور, ومن هؤلاء أبو النجم العجلي الذي قال أن شيطانه ذكر بخلاف غيره من الشعراء. وعن شياطين الشعراء يقول حسّان:
ولي صاحبٌ من بني الشيصبانِ فطوراً أقول وطوراً هوَ. )()


* فنّان تشكيلي وكاتب
-----------
هوامش:
- باشلار: جماليات المكان.
- عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية.
– عبد الفتاح كيليطو: الأدب والغرابة.
– د زكي مبارك: النثر الفني في القرن الرابع الهجري.
– مقامات الهمذاني: (الإبليسية والأسدية).
– موسوعة الويكيبيديا –



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرواية الميتافيزيقية العربية
- حسين عبد اللطيف والقصيدة السريالية
- لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي
- المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع
- المقامة بين الهمذاني والحريري
- الواسطي السارد التشكيلي للمقامات
- لذَّة النَص في الهامش
- تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (3)
- [الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان
- مقامات الحريري
- وصية السروجي لإبنهِ في مواصلة الكدية
- كوميديا الصراع الطبقي في مقامات الحريري
- محمود البريكان - الشعر ملحمة المقهورين
- [مسرح المقامات.. الجاحظ – الحريري- الواسطي.]
- تمثال المرأة الميسانية والتأويل الخبيث
- [ بوركو لازيسكي] بين سكوبي و بغداد


المزيد.....




- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - الرواية الميتافيزيقية العربية (2)