شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 01:41
المحور:
الادب والفن
– شاكر حمد
نعود إلى رسالة علي بن منصور, المعروف بإبن القارح إلى أبي العلاء المعرّي.
من هو إبن القارح؟.. وما مضمون رسالته؟ مقدمة:
- (إلى القارئ مخطوطاً من أندر المخطوطات ظفرنا به في خزانة كتب أستاذا الشيخ طاهر الجزائري, كتبه أبو علي بنَ منصور الحلبي المعروف بالقارح إلى أبي العلاء المعرّي, فأجاب هذا عنها في رسالةٍ خاصّة سمّاها " رسالة الغفران" طُبعت فب مصر سنة 1321- 1903في مطبعة هنديّة. أمّا إبن القارح وكان يُلّقَّب بدوخلة فكان شيخاً من أهل الأدب راويةً للأخبار حافظاً لقطعةٍ كبيرةٍ من اللغة والأشعار, قؤوماً بالنحو وكان ممن خدَمَ أبا علي فارس في دارهِ وهو صبي, ثمَّ لازمه وقرأ عليه وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر. قال إبن عبد الرحيم وشعره يجري مجرى شعر المُعلمين قليل الحلاوة خالٍ منَ الطلاوةِ وكان آخر عهدي به بتكريت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فإنّا كنّا مقيمين بها وإجتاز بنا وأقام عندنا مُدّة ثمَّ توجه إلى الموصل فبلغتني وفاته من بعد ويُذكر أنَّ مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة.
قال ياقوت وعلي بنَ منصور هذا يُعرفُ بإبن القارح وهو الذي كتب إلى أبي العلاء الرسالة المعروفة برسالة إبن القارح, فأجابه أبو العلاء المعرّي برسالة الغفران وذكرَ إسمه فيها.)- كتاب مجلة المقتبس – محمد كرد علي -
وهذا التعريف لايكفي للتدليل على شخص حقيقي؛ فالإسم ممكن ومُصطنع وقابل للتصحيف والتحريف, وإسم علي يُكنَّى بأبي الحسن وأبو الحسين بشكل عام, فإن خاطبت شخصاً بإسم علي قلت يا أبا حسن..
أمَّا إبن القارح, فمن إختراع المعرِّي, سيراً على منوال كتّاب عصره ومن سبقه كما ذكرنا؛ أن يسند روايته لشخصية معروفة.
وإسم القارح فيه عدة معاني من بينها (مقترح المواجهة بالكلام) أو(مقترح المُجادلة) حسب القواميس العربية, وهذا المعنى يتوافق مع مضمون الشخصية المذكورة هنا.
[النواقص في هذه الشخصية كثيرةٌ, فلا تسلسل في أسرته, ولا ذكر لقبيلة, وقد خلا إسمه من اللقب القبائلي, وتلك صفة من صفات الشخصيات العربية..] وإن كان شخصاً حقيقياً بهذا الأسم فهو في رواية أبي العلاء كائن آخر, خرافي, وعنصر من عناصر بناء الرواية الميتافيزيقية.
بين المعرّي وإبن القارح إثنتي عشرة سنة, في فارق الميلاد.
من المؤكَّد أنّ المؤلف يختار لبطلهِ تأريخ مولده [اليوم والشهر والسنة, وربما يذكر وقائع ذلك العام], أن يكون في الزمن الماضي.
سبب التأليف:
حملَ إبن القارح رسالةً من صديقه الزهرَجيّ, كاتب نصر الدولة في ديار بكر, ليوصلها إلى أبي العلاء المعرّي وفيها أسئلة وشكاوى عن اللغة وأحوال الأدب والدنيا,ولكنّ الرسالة سُرِقت في الطريق, فكتب إبن القارح رسالةً بديلةً عنها في ذات الموضوعات وأرسلها إلى المعرّي, على أن يُرسل جوابها إلى صديقه الزهرجيّ (1). ويصف ماحصلَ بهذه الصورة (.. قد تفتَّحَ النور وتوضَّحَ النور وإرضاء الصبح لدى عينين أبو الفرج الزهرجيُّ كاتب حضرة نصر الدولة أدامَ الله حراسته كتب رسالةً إليَّ أعطانيها ورسالة إليه[أبي العلاء] أدام الله تأييده إستودعنيها, وسألني إيصالها إلى جليل حضرته وأكون نافثها لاباعثها ومُعجِّلها لا مؤجلها فسرقَ عديلي رحلاً ليَ الرسالة فيه فكتبتُ هذه الرسالة أشكو فيها أُموري وأبثُّ شقوري..)
ويستطرد في ذكر ما عاناه من أدعياء الأدب واللغة.. وإنه لقي أبا الفرج الزهرجيّ بآمد وأطلعه على خزانة كتبه فقال له كُتبك هذه يهودية قد برئت منها الشريعة الحنيفية..
تُبيِّن هذه الوقائع حضور شخصيات تأريخية معروفة, في نفس الوقت تنطوي حكاية الرسالة المسروقة على غموض, كالعذر غير المحبوك بعناية, وقد يكون إبن القارح تعمَّد إخفاء رسالة الزهرجيّ, أو إنتحلها ونسخها. ووضع إسمه عليها. كما تنطوي حكاية إبن القارح على ضعف آخر يتعلِّق بالرسالة التي كتبها الزهرجيّ له.. فلم يذكر شيئاً عن مصيرها؛ هل ضاعت مع الرسالة الثانية وما مضمونها؟ فقد يكون إبن القارح إنتحل الرسالتين في رسالةٍ واحدةٍ بإسمه أرسلها إلى أبي العلاء كما تُفيد الرواية.
مع ذلك أجاب أبو العلاء على المُعضلات اللغوية والنحوية وغيرها ولكنَّة لم يُقصر رسالته على هذا الباب الأدبي البحت, بل أخذ الفكرة كمادة أوّلية لتأليف رواية ميتافيزيقية, وأهمّ مافي غرابتها أنه حوَّل إبن القارح إلى بطل رئيسي في الرواية, ونقله إلى العالم الآخر جاعلاً منه ممثلاً جسدياً ومُحاوراً للشخصييات التي يُلاقيها, ومن خلال جولته إستطاع أبو العلاء أن يستعرض العوالم الميتافيزيقية كما يفترضها كعوالم روائية, مُنطلقاً من النصوص القرآنية الواصفة لذلك العالم الغريب.
من خلال إستقرائنا لشبكة الخطابات وبناء شخصية إبن القارح نستطيع أن نزعم أن إبن القارح الذي ظهر في "رسالة الغفران" هو الشخصية الروائية, الورقية, وليس الشخص التأريخي المعروف, وما حكاية الزهرجيّ إلاّ ضرباً مألوفاً في السرديات العربية التي تعتمد القصَّة- الخبر, وإسنادها إلى مصادر موثوقة تأريخياً, كالأشخاص من ذوي المكانة الأدبية.
نعود إلى متن الرسالة التي كتبها علي بن منصور, إبن القارح, إلى أبي العلاء المعرّي, وهي على نسق رسائل ذلك العصر, الموسومة بالمدرسة الجاحظية, وما بعد الجاحظية: أن يبدأها الكاتب بإسم الله والحمد له, وعلى نعمته.. إلى آخرة, وكلَّما أفاض الكاتب في هذا الإفتتاح زادها حُسناٍ, ثمَّ ينتقل إلى سبب أو أسباب تأليف الرسالة, وغالباً ما تكون أحداث عرضت له, أو رسالة تلقاها من طرف ثالث يطلب جواباً لمسألة لم يجد لها جواباً, وبعد هذا المهاد البنائي ينتقل إلى شخص المُرسل إليه, فيخصُّه بالتبجيل والإحترام, إذا كان مضمون الرسالة طلباً في المعرفة, ويقترن هذا التقديم بالتواضع المطلوب في التخاطب بين المُرسِل والمُرسِل إليه, كالتواضع المطلوب من التلميذ أمام الأستاذ.
هكذا بنا إبن القارح رسالته وفي ذهنه جملة أغراض يُريد إستبيانها أو عرضها على أبي العلاء, وإذا قاربناها مع رسالة الغفران نستنتج بعض وجوه الإلتقاء في دوافع الكتابة والمضمون (البنية العميقة للمعنى) ونقصد ما أُضمرَ من المعاني والدلالات, وحُجِبَ عن ظاهر القول.
في مبنى الرسالة ثلاثة أبعاد ظاهرة لفظاً وسنداً بالشعر والآيات القرآنية والأحاديث النبوية:
- البعد السياقي المُعتمد في لغة ذلك العصر, وتحديداً لُغة أبي العلاء, التي تفترض قارئها النخبوي العالم باللغة العربية,[يُسميها جينيت المُتعاليات النصيَّة- بلغة النقد البنيوي الحديث], وهنا نلمس التواضع في لغة إبن القارح, لكنَّ ذلك لايُبرر إبتعادها عن أبي العلاء المعرّي, وفي هذا الباب تدخل الأسانيد التي ذكرناها, وبشكل خاص الشعر الذي يُعزز الحكاية(تتضمن الرسالة حكايات داخلية كما سنرى)
– البعد الثاني في تنقلات إبن القارح بين البلدان هرباً وخوفاً من عقاب حاكم ظالم يكون في مواجهته مُرتعداً.
– البعد الثالث يتعلَّق بالدنيا والدهر ومرارتها, وفي هذا الباب شواهد وقصص حدثت أمامه أو سمع بها, ومنها نستشف الوضع النفسي الذي عاشه في حياته, خوف من الغدر, من الإنتقام, من الإهانة والذل.. ولهذه الظروف ما يشبه مُعاناة أبي العلاء في حياتهِ.
– البعد الرابع يتمثّل في مُخاطبة المرُسَل إليه بصفته قارئ تُسعده الفجوات والوقفات والإنعطافات السردية, وتتخذ شكل النوادر, فترد لتلطيف مزاج القارئ, وإن كانت بعيدةً عن سياق النص. [فضّلنا أن نُدرجها في مقال تالي]
إن تداخل وتشابك هذه الخطوط السردية تكشف إختفاء المعاني الحقيقية خلف النص الظاهري, فالشبكة السردية مُشبَّعة بالألغام والمقاصد النقدية والتشريحية وخلفها الباعث الفعلي, السايكولوجي.
في عالم علم النفس أن تكرار الحكاية ينبعث من إرتدادات واقعة مُعيَّنة عاشها صاحب الرسالة؛ كأن يكون مشهد قتل حضر فيه أو سمع به وتخيَّله وارَّقه. وفي هذا السياق نقرأ في رسالة إبن القارح مشاهد قطع الرؤس أو التعذيب والإهانات والإذلال. لم يُفارق صاحب الرسالة مشهد السيّاف والسيف والنطع. فيستعرض قصص مَن وقفوا بين يدي الحاكم في مواقف كهذه, مُبتداً بأصحاب الدعوات المُلحدة , وأدعياء الألوهية والنبوَّة, وأتباعهم, ولا تخلوا السرديات من مُبالغات وتشويهات ينقلها الإعلام الرسمي وتطوف في فضاء الرأي العام.
من أمثلتها المصدر الذي كتبه القُطرُبلَّي وإبن أبي الأزهر(في تأريخ إجتمعا على تصنيفهِ يحكيان فيه أنَّ المُتنبي أخرجَ ببغداد من الحبس إلى مجلس أبي الحسن علي بن عيسى – رحمه الله- فقال له: أنت أحمد المُتنبي؟. فقال: أنا أحمد النبي, وكشفَ عن بطنهِ فأراه سلعةً فيه. وقال: هذا طابع نبوَّتي وعلامة رسالتي, فأمرَ بقطع جُمشُكه [نعاله] وصًفع به خمسين, وأعاده إلى محبسهِ, ويقول لسيف الدولة:
وتغضبونَ على مَن نال رِفدَكمُ... حتَّى يُعاقبهُ التنغيصُ والمنَنُ.
كذبَ والله, لقد كان يتحرَّش بالمكارم ويتحكك بها..) – إنتهى إقتباس إبن القارح من كتاب القُطرُبَلِّي وإبن أبي الأزهر.
ويُضيف ( وهذا غيرُ قادح في طلاوة شعرهِ, ورونق ديباجتهِ... ولكني أغتاظ على الزنادقة والمُلحدين الذين يتلاعبون بالدين.).
يدل بيت المُتنبي على معاتبة الحكّام أجمعين في شخص سيف الدولة. وما ذكره الكاتبان عن نبوّة المُتنبي أمر لم يُحسم فيه رأي, وإبن القارح يرى صورة المتنبي الشاعر ولا تعنيه الأخبار المنقولة عنه.
( وقتل المهدي بشاراً على الزندقةِ, ولمَّا شُهِّرَ بها وخاف دافعَ عن نفسهِ بقوله: (الأبيات) وفي المعنى أن بشاراً لم يكن زنديقاً, وإنما قُتل لأمرٍ آخر.
( وأُحضرَ صالح بن عبد القدوس وأُحضر النطع والسيف فقال: علامَ تقتلني؟ قال: على قولكَ: (الأبيات) فقال: كنتُ زنديقاً وقد تبتُ عن الزندقةِ. فقال: كيفَ وأنتَ القائل:
والشيخُ لايتركُ عاداتهِ... حتى يوارى في ثَرى رمسهِ
إذا إرعوى عادَ إلى غيِّهِ... كذي الضنى عادَ إلى نكسهِ.
وأخذ غفلته السيّاف, فإذا رأسه يتدهدأ على النطع.)
لايمكننا نقل كل ما حوته رسالة إبن القارح من هذه المشاهد الدمويّة وسنكتفي بإختصارها, وكما ورد في الرسالة فإن المهدي فاقَ الجميع في البطولات الدموية, ومنها حملات لاتقتصر على مَن عُرف بالزندقة أو الربوبية بل تشمل إبادة السكّان بالجملة, كما فعل المهدي بأتباع الحركة المانوية في بخارى, وفي الحكاية أن الرجل أعور وعمل له وجه من ذهب, (فأنفذ إليه المهدي فأحيط به وبقلعتهِ فحرق كلَّ شيء فيها وأباد كل مَن في البلد بأن سقاهم شراباً مسموماً فهلكوا جميعاً.)
وترد حكاية الوليد بن يزيد مع المصحف.. (والجنابي قتلَ في مكَّة آُلوفاً وإستملكَ ستة وعشرينَ ألف حمل خفّاً, وضربَ آلاتهم وأثقالهم بالنار, وإستملك من النساء والغلمان والصبيان مَن ضاق بهم الفضاء كثرةً ووفوراً..), ويتطرَّق إلى حركة الزنج, والمُبالغات والتحريفات كثرت فيها وأخفت حقيقتها؛ فقد كانت حركة شعبية ثورية, واجهت نظاماً سياسياً إستباح الحرمات والأرض والمال, ويجعل إبن القارح حكاياته مقصورةً على الأشخاص, فلا تعنيه الطبقات الإجتماعية ولا أحوال الناس, ولا يبحث في أسباب الحركات, وكان يختصرها تحت عنوان الزندقة وإدِّعاء الربوبية والنبوَّة وما إلى ذلك.
كان المُجتمع الإسلامي قد تخطَّى مرحلة الدعوة الدينية, ودخل مرحلة السلطة المُتبرقعة بالدين, في العصرين الأموي والعباسي, وكانت التناقضات واسعةً بين السلطة وباقي فئات الشعب, ومن منطق حركة التأريخ أن تنفجر التناقضات في الأطراف المدينية ثم تنتقل إلى العواصم.
كانت السلطات تمتلك سلاحين لقمع الثورات؛ سلاح الإعلام, بتشويه قيَّم الثورات ومُحاربتها من باب الدين, فكانت الأخبار تنتشر حول (رجل يدّعي النبوَّة.. وكان يجمع نساء البلدة ويدعوا جميع الرجال للدخول عليهنَّ..) في نفس الوقت يروي التأريخ قصصاً من مجون الخلفاء وسلوكياتهم المُشينة, وقد كتبها الجاحظ والقاضي أبو علي المّحسن التنوخي, وغيرهما, وبعد التشويه والتسقيط يأتي سلاح السيف والنطع, ففي ديوان الخليفة تصدر الأحكام وتُنّفّذ في لحظات, فقيل عن الحلاّج مثل غيره من ضحايا الفكر ( والحسين بن منصور الحلاّج من نيسابور, وقيلَ من مروَ الروذ, يدَّعي كلَّ علم وكان مُتهوراً جسوراً يرومُ إقلاب الدول, ويدّعي فيه أصحابه الألوهية.. وناظره علي بن عيسى الوزير فوجده صفراً من العلوم..) وفي نفس القصة يُضيف إبن القارح (.. حدّثني أبو علي الفارسي قال:" رأيته واقفاً على حلقة أبي بكر الشبلي." (شعر)
والكلام واضح التناقض, فكيف يكون يدَّعي كل علم, ويكون صفراً في العلوم أمام الوزير علي بن عيسى؟.
وسبب قتله أنه كان جسوراً (يرومُ إقلاب الدوَل).
(ذكروا إن إثنين قتلوا ثلاثة آلاف ألف وخمسمائة ذبحاً في الثياب الحمر والخناجر الطوال, وإنهم وجدوا أسماءهم في وقعة وقعة, وفي بلد بلد. وكانوا يأخذون من كلِّ واحد علامة خاتمهِ, أو ثوبه أو منديله أو تكّته أتى الوادي فطمَّ على القرى.. بل لو قلت كل ما أعلمه أكلتُ زادي في محبسي, بل كنت أنشدُ:
أحملُ رأساً قد مُلِكَ حملُه... إلاِّ فتىً يحملُ عني ثُقلَه.
وأستريح . وإن شكوتُ العصر وأحكامه, وصروفه وأيامه...)
بعد سلسلة الأخبار الدموية ينتهي إلى موضوع الرسالة ومحورها الفكري؛ سوء أخلاق الدنيا وغدر الزمان (شيمته إصطفاء اللئام, والتحامل على الكرام, وهمَّته رفع الخامل الوضيع, ووضع الفاضل الرفيع, إذا سمَحَ بالحياء, فإبشر بوشك الإفتضاء, وإذا أعارَ فإحسبه قد أغارَ, فما بينَ أن يُقبل عليكَ مُستبشراً, ويولي عنك مُتجهِّماً مُستشراً إلاّ كلمح البصرِ وإستطارة الشرر, لم يخترق ذكر الوفاء مسامعه, ولم يمسس ماء الحياء مدامعهُ, ظاهرهُ يَسرُّ ويؤنس, وباطنه يسوء ويؤيِس, يخيب ظن راجيه ويكذب أكل عافيه, لايسمع الشكوى, ويشمتُ بالبلوى. قد ذممتُ سيئاً, ووقعت فيه أنا كالغريق يطلبُ معلِّقاً, والأسير يندبُ مُطلقاً..)
أجمَلَ إبن القارح فلسفته في الدنيا وأصلها التشاؤم, وهنا نجد فلسفة المعرّي التشاؤمية وقد لخَّصها إبن القارح في هذه السطور التي إقتطناها من النص.
القصص الدموية التي ذكرها لم تكن روايات خيالية, بل كانت وقائع على الأرض, شملت أسماء طافت في سماء الذاكرة العربية, وشملت أقواماً من السكَّان بالتهم المُزوَّرة والإبادة بأبشع الوسائل. كانت تُهمة الزندقة جاهزة لمواجه أي عقل يتحرك بالجدل, فالسلطة الإلهية ممنوحة لشخص الحاكم, والدنيا مشطورة بين طرفين؛ الإنسان المُطالب بالإستسلام وبين الحاكم الجلاّد. الأمثلة التي ذكرها إبن القارح تُفيد بإعتذار الشخصيات المُتهَّمة بالزندقة, ومع ذلك لم تشفع لهم الإعتذارات. في نفس الوقت تُضمر الرسالة تداعيات أوضاع السلطات الحاكمة, والخوف من الفكر الحر؛ مواجهة التمرّد للطغيان.
صورة الحاكم والسياف والنطع تتكرر حتى وصل صاحب الرسالة إلى إستنتاج حقيقة الزمان. الشخصيات التي جرت تصفيتها كانت من المفكرين والشعراء والفلاسفة, وما ذكره صاحب الرسالة إلاَّ نماذج عالقة في ذهنه لبشاعتها, بينا الحقيقة أن التأريخ بأكمله عبارة عن مرويّة دموية لم تتوقف. وفي المتن السايكولوجي خوف صاحب الرسالة, وكأنه يُذكِّر أبا العلاء بالخوف المتواصَل بينهما, ففي بعض المفاصل يتطرق إلى حادثة وقعت له مع الحاكم أبو القَسْم, وما عاناه من الخوف والإذلال والتحقير في حضرته, ويصف شخصية هذا بالجنون, وفي الحكاية إطالة يتخللها الشعر.
ويذكر قصَّة مع القائد أبو عبد الله الحسين بنَ جوهر (فشرّفني بشريف خدمتهِ, فرأيت الحاكم كلمّا قتلَ رئيساً أنفذَ رأسه إليه: وقال: هذا عدوي وعدوّك ياحسين... وعلمتُ أنّه كذا يُفعل بهِ, فإستأذنته في الحج فأذنَ, فخرجتُ في سنة سبعِ وتسعين, وحججتُ خمسة أعوام وعدت إلى مصر وقد قتله..) وللحكاية تتمّة بهروب أبناء المقتول سرّاً إلى بغداد.
ويتوقف عن ذمِّ الزمان وسرد الأخبار الدموية ويعود إلى مُخاطبة الشيخ الجليل أبي العلاء المعرّي.
وفي المقطع ما يُفيد بالمقاربة بين الشيخين..
(كنتَ في حال الحداثة أقرب الناس إليَّ وأعزَّهم عليَّ, وأقربهم عندي وأجلَّهم في نفسي مرتبةً, مَن قال لي نشأ الله في أجلكَ, جعلَ الله لك أمدَّ, وأطولها, فلما بلغت عشر الثمانين جاء الجزع والهلع, فممً أرتاع وألتاع وأخلدُ إلى الأطماع, وهو الذي كنتُ أتمنّى ويتمنّى أهلي؟. أمن صدوف الغواني عنّي, فأنا – والله- عنهنَّ أُصدَفُ, وبهنَّ وأدوائهنَّ أعرفُ: إذ لستُ ممن يُنشد عليهنَّ تحسُّراً:
للسُّود في السُّودِ آثارٌ تركنَ بها... لمعاً من البيض تُثني أعيُنَ البيضِ) وللبيت تكملة.
– حنين مشترك للطفولة, يليه طول العمر والشيخوخة المُتقاربة.
– الجزع والهلع من الدنيا, من صميم فلسفة أبي العلاء.
– صدوف الغواني عائد إلى أبي العلاء, ومعرفته بأدوائهنّ. وقد ذكر ذلك في رسالة الغفران مستشهداً بأليات علقمة الفحل (وإن تسألوني في النساء فإنني...).
يحق لنا أن نزعم بانّ إبن القارح إسم لشخصيّة روائية, ورقية, لابد من خلقها بمقتضيات السرد القائم آنذاك, علماً أنَّ أبا العلاء لم يورد لهذا الشخص أي خبر في مؤلفاته الأُخرى, سوى هذه الرسالة, وزاد المعرّي في الإيهام بالشخصية بإضافة الرسالة التي بعثها له ويعرض عليه كذا من المسائل. وحين إستجاب أبو العلاء لطلب الإجابة كان يستلهم المحور العمودي بينه وبين صاحب الطلب؛ أي فلسفة التشاؤم, فأخذها من بُعدها الميتافيزيقي, مُتخيّلاً فضاء العالم الآخر. مستعيناً بالزمن الميتافيزيقي غير المُحدد سوى بطرفين؛ ماضي بعيد, وحاضر مفتوح. يسود الظلام في الرسالتين؛ ظلام الدنيا كما عرفها المُرسِل, وظلام الآخرة كما تخيَّلها المُرسَل إليه, وفي الحالتين فالظلام عائد إلى أبي العلاء الشيخ الأعمى.
يقترب صاحب الرسالة من شخصية أبي العلاء راوياً الخبر بضمير الغائب (بلغني عن مولاي الشيخ –أدام الله تأييده- قال: كنتُ أدرس على عبد الله بن خالويه –رحمه الله – وأختلف إلى دار أبي الحسين المغربي, ولمّا مات إبن خالويه سافرتُ إلى بغداد, ونزلت على أبي علي الفارسي...) وقد ورد هذا الخبر في رسالة الغفران مع التحوير الفنّي المُلازم للرواية. بعد "رسالة الغفران" بسنوات كتبَ المعري" رسالة الملائكة"
وربما تكون "رسالة الملائكة" موجهةٌ إليه, دون ذكر إسمه؛ فأبي العلاء يُوجه خطابه في الرسالتين إلى مُتلقي في مكان بعيد, ولا يُستبعد أن يكون المُتلقي (الشيخ) هو القارئ الضمني المُفترض في رواية المعرّي؛ وهنا نستذكر رسائل الجاحظ المتبادلة بين السائل والمُجيب, بشكل خاص رسائله في البخل.
فقد درَجَ كُتّاب الرسائل في ذلك العصر على تقريب الحكايات من الواقع, فإن كانت خيالية وخرافات, أسندوها إلى شخصيات قابلة للثبات معنوياً بحكم المواصفات والتعريفات والعلامات, كالشهرة واللقب والكنية والمكانة وتأريخ ومكان الولادة, وتلك التوصيفات لابدَّ منها في التأليف الروائي, وقد سارت الروايات العالمية على هذا الطريق.
ولكنَّ السردية العربية عرفت قروناً من القطيعة بين النص الروائي وبين النمو والإستمرارية؛ فقد أُجهضت الرواية الميتافيزيقية وركنت بحدود العدد القليل منها. وهناك أسباب تتعلق بالتطوُّر الحضاري الشامل لايشملها هذا المقال.
ولا يتوهّم القارئ بحقيقة الشخصيّة إذا قرأ رسالة إبن القارح, فهيَّ قطعة من فرائد اللغة العربية, أنشِأت من قِبل عالم في اللغة, لايمكن أن يكون غير أبي العلاء المعرّي, فيأخذه الشكُّ أو اليقين بحقيقة الشخصيّة. المسائل التي شغلت عقل إبن القارح, هي ذاتها التي إستندت عليها فلسفة أبي العلاء, ومن أبرزها الموقف من الحركات الإنشقاقية في الإسلام, كإدّعاء الإلوهية, والنبوَّة, والحلولية, والتناسخيّة, وأصناف من العبادات الصنمية والطقوس الغريبة, وفيها مؤلفات وقتال, وقطع رؤس, وتقطيع أطراف, وجلد أمام العامّة ومن ثمّ الحرق, وحملات وحشيَّة, وألوان من التعذيب كالذي حصل للحلاّج, وتلك الحوادث ترد بين إبن القارح وأبي العلاء في رسالتيهما. في هذا الطور من حياته تراجعَ أبو العلاء عن مواقفه الماديّة الجدلية بشكل لافت في ثنايا رسالة الغفران.
فضلاً عن ذلك فإبن القارح يسير على نهج أبي العلاء في الوقفات السردية؛ تستوقفه الكلمة فيأتي على إعرابها ومصدرها وإشتقاقاتها.
يروي سارد رسالة إبن القارح بضمير المُتكلِّم أثناء الصعود إلى الجنَّة, ولكنَّه في نقطةٍ مُعيَّنةٍ من رحلته, حينما يلتقي حُميد بن ثور, يتغيَّر الضمير السردي وينتقل إلى أبي العلاء نفسه ليواصل الرواية بضمير الغائب (فأيُّكم حُميد بنَ ثور؟ فيقولون: "هذا" فيُسلِّم عليه الشيخ.. ويمتدح قوله:
(أرى بصري قد رابني بعدَ صحّةٍ... وحسبكَ داءٌ أن تصحَّ وتسلما...
"فكيف بصركُ اليوم؟" فيقول: "
إنّي لأكون في مغارب الجنَّة فألمح الصديق من أصدقائي وهو بمشارقها وبيني وبينه مسيرة أُلوف أعوام للشمس التي عرفتُ سرعة سيرها في العاجلة..) – كامل الكيلاني: تحقيق رسالة الغفران – ص 59-
حلقتان تستوجبان الربط والتحليل؛ الإستهلال والخاتمة في الرسالة, بسياق الرسائل العربية, وقد عرضنا الإستهلال في أوّل المقال, وأمامنا نصّ الختام, وفيه دلالات وروابط عن شخصيَّة صاحب الرسالة وسببية التأليف وطلب الإجابة من الشيخ أبي العلاء,
في سياق الرسائل العربية شرط سببية الكتابة؛ طلب أو سؤال أو عرض لحال من الشكوى وإلتباس في أمر من أمور الدنيا, وشرط الختام:
(تمَّت الرسالة والحمد الله ذي الأفضال, وصلواته على محمدٍ وخيرة الآل, ما فرغت من هذه السوداء حتى ثارت بي السوداء, وأنا أعتذر من خطلٍ فيها أو زللٍ؛ فإن الخطأ مع الإعتذار والإجتهاد والتحرّي موضوعٌ عن المُخطئ, ومن ذا الذي يؤتى الكمال فيكمل.. وأسأله – أدام الله عزه – تشريفي بالجواب عنها؛ فإن هذه الرسالة على ما بها قد إستُحسِنت, وكُتبت عني وسُمعت منّي وشرَّفتُها بإسمه وطرّزتُها بذكرهِ. والرسالة التي كتبها الزهرجّيُّ(2) إلي كانت أكبر الأسباب في دخولي إلى حلب, وإذا جاء جواب هذه سيَّرتها بحلب وغيرها –إن شاء الله- وبه الثقة وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وسلَّم. )
في النص إفادة بأن الشيخ كان يُملي على مَن يكتب ثمَّ قرأت عليه فسمعها؛ على طريقة أبي العلاء في تأليفاته, كان هذا الأسلوب كان مُتَّبعاً في الإملاء ونسخ الكتب, وهناك أسباب في الإعتماد على كاتب من قبل المؤلف؛ إمّا متاعب النظر والجسد, أو كثرة النسخ المطلوبة. ولا بد أن تُقرأ جميعها على المؤلف فيُجيزها بختمه.
نزعم أن رسالة إبن القارح من تأليف المعرّي, على نهج "رسالة الملائكة" وتليها الشروحات والتفسيرات.
وإذا وقفنا على أسلوب المعرّي في الإجابة على الرسالة نجده يؤلف رواية ميتافيزيقية؛ يستطرد فيها في الخيال الفنطازي, مُركّزاً عمله على الشعر ونقده.
مُعضلة الشعر شغلت المعرّي في كل مؤلفاته, وقد درَس العلل التي رافقت مسيرة الشعر, وأهمُّها النحو والإعراب, والإنتحال والتزوير والسرقات, وللشعر العربي مباني حروفية وكلمات تصطَّف في عبارات, ويجب أن تستند إلى قواعد نحويَّة, ويلاحظ في عمل المعرّي لغته المُتعالية على أُدباء عصره والسابقين لهم.
=============
هوامش:-
(*) - (إسم المعرّي هو أحمد, وكنيته أبو العلاء, وإسم أبيه عبد الله بن سليمان القضاعي التنُّوخي المعرّي, وبلده معرَّة النعمان وهي قرية صغيرة في شمال سوريا, بين حلب وحمص. ولد قبل مغيب شمس يوم الجمعة وهو الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين ثلثمائة هجريَّة, وهي توافق سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة ميلادية.) – ص 15- رسالة الغفران: تحقيق كامل كيلاني.
في السنة الرابعة من حياته أُصيبَ بالجدري, فكاد يودي بحياتهِ, ولم يُغادره حتى أفقده عينه اليسرى, وغشيَ البياض عينه اليمنى ثمَّ بالعمى. وبهذه الحدثة تمَّت له أول نكبةٍ في حياتهِ, فكان لها أكبر الأثر في حياتهِ.- ذهب إلى حلب للدراسة, وكانت حلب في زمانه مُكتضَّةً برجالات العلم والأدب ممن دعاهم سيف الدولة وأغدق عليهم, فإنتفع بعلمهم أبو العلاء, وقد تجلّى إعتزازه بحلب في أدبياتهِ, فحين يرد ذكرها في الرسالة يعقبها بقوله: حباها الله.. أو أعزّها الله.. – ثمَّ سافرَ إلى إنطاكيّة, ووعى ماشهده فيها من الكتب وكانت ضمن ممالك الروم. – ثمّ سافر إلى طرابلس الشام, ومرَّ باللاّذقية ونزل في ديرٍ فيها, وأخذ عن راهبٍ كان دارساً للفلسفة والعلوم, وتوطّت علاقاته بالنصارى واليهود. حتّى تمكَّن من درس دينهم ومناقشتهم, ونلاحظ أثر هذا التنوُّع الثقافي في رسائله وأشعاره ومواقفهِ الفلسفية. – بعدها عاد إلى معرّة النعمان.
– مات أبوه وهو في الرابعة عشرة من عمره,عام 377 ورثاه بنونيته المعروفة في كتابه سقط الزند, وهي تُمثِّل شعره في صباه.- رحل إلى بغداد عام 398وذاع صيته بها, وإطلَّع على مكاتبها وإشترك في المجامع العلمية والأدبية الخاصَّة والعامَّة في بغداد.
– ثمَّ دعاه إلى مغادرة بغداد مرض أُمه وأنَفته من التكسب بشعره, رغم فقرهِ, وفي طريق عودتهِ بلغه نبأ موت أمّهِ. وكان لتلك النكبات أثرها في حياتهِ, وإتّخاذه قرار العزلة في بيتهِ, وقد حاول تنفيذ هذا القانون فلم يؤَّفق إلى ذلك للإلتفاف الطلاب حوله, وإقبال الكثيرين من المعجبين به, والذين كانوا يأتون من البلدان القريبة والبعيدة لتلقي العلم عنه.
– كان له وقف يحصل منه على ثلاثين دينار سنوياً, يعطي نصفه لخادمه, ويُنفق على نفسهِ القسم الآخر. وكان مُتقشِّفاً فقيراً, لايمدح أحداً طمعاً في مالٍ أو جاه, وأمضى حياته يأكل الشعير ويلبس الصوف, وحرَّم على نفسه أكل اللحوم, بعد بلوغه الأربعين.
– وهو أوّل مَن خطَّ طريقاً فلسفياً في الشعر العربي. أمّا أشعارهِ في شبابهِ فمنها بعض القصائد بلغت الذروة, وما تبقّى فقد أفسدته المُبالغات والإطناب والتقليد, وقد إعترف بذلك في مقدمتة وكتاب اللزوميات ( ويُعد في نظرنا أنفس ديوان عربي, ويشمل جمهور الفلسفة العلائية, رغمَ ذلك القيد الثقيل الذي أخذَ به نفسه, وهو مُضاعفة القافية.) [ المقصود هنا تلك القصائد المُقفاة بحرف أو حرفين أو ثلاثة.] وديوان الدرعيّات الخاص بوصف الدروع, ورسالة الملائكة [ ونزعم أنها فصل مُلحق برسالة الغفران, فلم تختلف عن الغفران شكلاً وموضوعاً وإسلوباً, وقد نعود لها في مسار بحثنا- ش-ح]
–كتب أبو العلاء رسالة الغفران في سنة 424 وهو في الثالثة والستين من العمر. ولا حاجة بنا للقول أن رسالة الغفران هي أنفس ما كتبه أبو العلاء المعرّي.
– توفي أبو العلاء وهو في الثمانين من العمر بعد علَّة لازمته ثلاثة أيام. وكان موته في اليوم العاشر من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمئة.
(1) أبو الفرج الزهرَجيُّ (شخصية تأريخية): هو كاتب نصر الدولة (أمير ديار بكر في العصر العباسي) إشتُهِرَ في التأريخ الأدبي بأنه كان السبب غير المُباشر في تأليف أبو العلاء المعرّي لكتابه الشهير رسالة الغفران.
(2) - إعتمدنا في ترجمة سيرة أبي العلاء, وإبن القارح, على ماكتبه الشارحان للرسالتين كامل كيّلاني, ومحمد كرد علي (مؤسسة هنداوي – رسائل البلغاء-) ولهما الفضل الكبير في شرح الرسائل الثلاث, وما حُصرَ بين مُعقفين يعود لنا – ش-ح.
- فنّان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟