شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 02:55
المحور:
الادب والفن
رسالة الغفران للمعرّي الكوميديا الإلهية العربية (3)
- شاكر حمد –
( ثمَّ تظهر له الجارية التي خرجت من تلكَ الثمرة... وتدعوه (.. إنّي لإنتظرتكُ منذ حينٍ, فما الذي أشجَنَكَ عن المزار؟ ما طالت الإقامة معكَ, فأملَّ بالمحاورة مسمعكَ, قد كان يحق لي أن أُوثر لديكَ على حسب ما تنفرد به العروس, يخُصُّها الرجل بشيء دون الأزواج.. فيقول: كانت في نفسي مآرب من أهل النار, فلمّا قضيتُ وطراً عُدتُ إليكِ, فإتبعيني بين كُثُب العنبر وأنقاء المسك...
فتقول: أظنّكَ تحتذي بي فِعال الكندي[أُمرئ القيس] في قوله:
فقمتُ بها أمشي تجرُّ وراءنا... على إثرنا أذيال مرطٍ مُرحَّلِ.) – رسالة الغفران ص 115-
لإمرئ القيس مكانة خاصَّة لدى المعرّي, فهو يستعرض الصوَر التي يُنشؤها ومنها القصص والحكايات التي عاشها الكندي, كما يدَّعي, مع النساء وأفضّحها واقعة دارة جلجل. وقد مرَّ ذكره بين أهل النار, لكنّ سكّان الجنَّة يستذكرون مُعلقته الماجنة.
يمتاز أمرئ القيس بفن الصورة الواقعية, والقصيدة الحكائية, وإكتنازها بالوصف والتشبيه المُستوحى من بيئة المحيط الصحراوي والأرض غير المستوية, وتناوب الفصول عليها, حيث تكتسي الأرض بالخضرة, في الربيع, وتنتعش الغدران بالماء, وبعدها يحل الجفاف.
للزمن حضور دائم في شعرهِ, بشكل خاص صورة الليل, والنجوم. الحوادث التي يرويها مضى عليها زمن, فمبتدأ الحكاية بكاء على أطلال كانت ذات يوم شاهداً على تلك الحوادث.
بزعمنا أنَّ معاني الحزن الكامنة في حكاية الشاعر, لامست ما يُقاربها من مشاعر الحزن التي يعيشها أبو العلاء, فالشاعر كان يُتمتم مع نفسه قائلاً (قفا نبكِ) ولم يذكر المُغامرات إلاّ بوصفها ذكريات, وعلى طريقته التي يستحضر فيها بطولاته (الذكورية). وإذا بالغنا في تأمّل صوَرهِ الشعرية, نقف أمام شاعر الذات الفردية, وليس شاعر القبيلة, في الزمن المحكوم بشرعيّة القبيلة وقيَمِها.
في المرويات العربية [ شعراء المعلقات] لم تكن الذات إلاّ برعماً من القبيلة, فكل ما قيل من شعر يعود للأصل وليس للفرع؛ ما عدا أمرئ القيس الذي تخطّى شرائع الشعر القبائلي, وإنطلقَ من داخل نفسهِ وإنتهى إليها. والسبب يكمن في القصيدة الإقناعية, قصيدة الشكل الفني المُستحدث والمعنى الصادق العميق, التي تترك سامعها يراها ولا يُفارقها, وهذا الذي جعل أبو العلاء يراها بألوانها على الرغم من فقدانِه البصر.
إسترجع أبو العلاء واقعة دارة جُلجل, ورآها بالعين الميتافيزيقية, كمشهد قابل للصياغة السريالية[بمفهوم عصرنا]. كانت أشبه بفلم من أفلام المُغامرات الصاخبة. صاغها أبو العلاء في مشهد من مشاهد الجنَّة, وستكون الفبركة الميتافيزيقية جاهزة لجمع الحقائق والأكاذيب والفانطازيا في حضور الشخصيات وتحوّلاتها. وفي القصيدة شخصيات وحركة صاخبة نابعة من موضوعها وطراوة المشاعر العاطفية في أجوائها, وفي المشهد الموصوف فضاء وزمن ومكان, وإذا توفرت هذه العناصر يقترب الشاعر من تصوير اللوحة الشعرية بالحرفية الكاشفةِ عن المعنى.
نحن في مدار الشعر الخيالي ولا شأن لنا بالمُبالغات والفانتازيا وهي من أدوات الشاعر.
في العالم الميتافيزيقي لاتحتاج الوقائع إلى سببيات؛ كل شئ يحدث بلمح البصر, ومُطابق للمبدأ الإلهي (كن فيكون) وهكذا تحضر واقعة دارة جلجل لمجرد إستذكار بيت شعر للملك الضليل.
يستذكر أبو العلاء سيرة إمرئ القيس في رسالته القصيرة " رسالة الملائكة" و ينم الإستذكار عن إعجاب وتقدير, وفي البيتين التاليين ما يُكمل لوعة الشاعر الآيروسية:
( خليليَّ مُرّا بي على أمِّ جُندبٍ... لنقضيَ حاجات الفؤاد المُعذَّبِ.
ألم ترَ إني كُلّما جئتُ طارقاً... وجدتُ لها طيباً وإن لم تَطيَّب.).
غير أنَّ أبا العلاء عندما يذكر هذا القول, يُضيفُ أن بعض[إخواننا] يقرأها (ألم ترياني), وكلاهما صحيح لأن الوزن, من بحر الطويل, لايهتز. وفي اللقاء ينفي أمرئ القيس قول ذلك لأنه من الرجز والرجز أضعف الشعر. وهذا الوزن من أضعف الشعر. وسنأتي على فلسفة الشكّ عند أبي العلاء.
سنقرأ بعد سطور تحامل أبو العلاء على الرجز والرُّجاز.
ونشير إلى الموقف الفلسفي من الشعر العربي؛ الجاهلي بشكل خاص, وهذا الموقف يُعبِّر عن شكّ في أصل الشعر ومواهب الشعراء ما قبل الإسلام؛ أي ماقبل التدوين, فشعراء ذلك العصر كانوا يرتجلون قصائدهم إرتجالاً.
لنتفق على مميزات مواهبهم في الحفظ, لكنَّ تلك المميزات لاتشمل الورثة والمُعجبين من بعدهم, ولذلك, ومثلما قرأنا من أمثلة في رسالة أبي العلاء؛ لم يرد ذكر لشاعر أو قصيدة إلاّ يعقبها سؤال وشكّ حول أصلها وما حصل بعد ذلك من تحريف وتصحيف وتزييف, وقد أكَّدَ أبو العلاء على هذا الإلتباس والإضطراب حول حقيقة الشعر التأريخية, ونلاحظ أن طريقته في نقد الشعر كانت ديالكتيكية, علميّة, مررها بذكاء بواسطة الحوارات المسرحيّة والخطاب الروائي.
أبو العلاء المعرّي أبرز روّاد النقد التشكيكي [والتفكيكي](3) للشعر والأدب العربي والحضارة بشكل عام إن لم يكن أوّل المُشككين بالرواية التقليدية عن الشعر الجاهلي.
هذا الرأي يدعونا لتأمل الفلسفات التالية على هذا الطريق, ومنها موقف طه حسين من الشعر الجاهلي؛ ومُلخصُه أن المعلقات كُتبت في العصر الأموي, وربما تكون أوَّليّاتها من أبيات مُتفرِّقة قالها الشاعر, ثمّ حصلت عليها التحسينات والإضافات بمروز الزمن, وقد أثارت هذه الآراء الضجيج المعروف.
فلسفة الشك تبدأ من الشك في الكلمة؛ أصلها, إشتقاقاتها, إتّجاهات المعنى؛ تفرّعات المعنى؛ تطوّرات الشكل الحروفي ودلالاتها.. فقد إعترف جميع الشعراء أنّهم لم يَسلموا من التزوير والتحريف والتشويه. وقد لانُخطئ الظن إذا قرأنا مؤلفات أبي العلاء بوصفهِ أحد أعلام المدرسة العقلية التي ميَّزت الثقافة العربية, منذ القرن الثالث وصولاً إلى القرن الخامس. ومن بين المُشككين الأوائل أبو عثمان الجاحظ, الذي يُرجع الحكاية, والمفردة, إلى أصلها المادّي, ومحيطها الظرفي, فيستنتج الأسباب والعوامل الساندة على تثبيتها وتكرارها, فتصبح مألوفةً كالحقيقة الثابتة. وقد تنوّعت تحليلات أقطاب هذه المدرسة في تفكيك النصوص القديمة وتحريرها من طقوسها الجامدة, كما حفظها النثر العربي ولا مجال للإسهاب.
يعتبر أبو العلاء أشدّهم إلتزاماً بالطرائق التحليلية للنصوص القديمة, وإعادة قراءة أسبابها ومُسبباتها, ثمَّ يقرؤها على ضوء الزمن الذي مرَّ عليها؛ فالمُعتقد والصورة والكلمة, إنما هي مواد من صنع الطبيعة والإنسان, وهي تتطوَّر, ثمَّ تترهل, وتهبط وتتلاشى.
إن خطأ الفلسفات النقليَّة, أنَّها لاترى المواد في حالة الحركة, بل في الثبات والسكون على شكلها الأول. لايمكن تصديق مُغامرة أمرئ القيس مع عُنيزة وهي إبنة عمِّه, إلاّ من باب التأليف الخيالي, والأقرب للحقيقة أنَّ أبياته فيها كانت تشويهاً من وضع الجيل التالي من الشعراء. والمعروف أن تدوين النصوص إرتبط بالتسويق التجاري بعدما إنتشرَ التدوين على نِطاقٍ واسع, والمقابلة التي ذكرناها في المقال السابق بين إبن القارح وشيخ الجن تُفيد بسهولة التزوير والتأليف, فشيخ الجن إستهزأ بإعجاب أهل الأرض بقصيدة أُمرئ القيس (قفا نبكِ) وقال أنّه يستطيع أن يؤلِّف كذا ألف قصيدة على وزن حوملِ وعقنقلِ وقرنفلِ وأمثالها..
(ويُعرض له حديث أمرئ القيس في دارةِ جلجل, فيُنشئ الله, جلَّت عَظَمته, حوراً عيناً يتما قلّنَ [يتغاططنَ] في نهرٍ من أنهار الجنَّة, وفيهنَّ مَن تفضَلُهنَّ, كصاحبة إمرئ القيس...).
وتكتمل القصَّة بالوليمة التي أقامها الشاعر لهنَّ بعدما ذبَح ناقته.. ولو لم يذكرها الشاعر في القصيدة, لما صدّقها أحد على مرِّ العصور, لأننا إذا وقفنا على البيت الذي يفتخر فيه باللحم والشحم (كهدّاب الدمقس المُفتَّلِ!) نكون أمام شخص يتباهى بالكرم في الموائد, من صنف البخلاء الذين ذكرهم الجاحظ, وليس الشاعر العاشق الرقيق العاطفة.. والبحث فيها يُبعدنا عن صُلب موضوعنا.
ويستذكره أبو العلاء في لزومياته: ( أينَ إمرئ القيس والعذارى...إذا مالَ من تحته الغبيطُ؟).
من أغراض رسالة المعرّي تقييم الشعر الذي عُرف في عصر ما قبل الإسلام وما بعده, فكل خطوة يخطوها إبن القارح يحضر شاعر أو بيت من الشعر أو حادثة لها علاقة بحياة شاعر. فيقف على واقعة لشاعر ترتبط ببيت أو عدة أبيات, أو يذكر بيتاً فيه تلفيق على شاعر, أو يتطرَّق إلى سرقة شعريّة, ويقف على المبنى النحوي الصحيح, ومن إنتقاده للظواهر السلبية في الشعر إستخرج نُقّاد الشعر فيما بعد أساليب نقد الشعر في ذلك العصر؛ فليس للشعر قالب مُحدد, فقد نشأت الأوزان من النبر الصوتي للكلمات, والنبر يعكس الحال النفسية, وتوازن المقاطع, ففي الشعر أوزان ثقيلة, وأوزان خفيفة, وسريعة.. وكذلك القوافي, فالرسالة عرضت نقد أبي العلاء لبعض القوافي وإستنكر على بعض الشعراء قوافي بعينها, في هذا الباب فصَّل أدباء ذلك العصر هذه الفواصل البنائية في الشعر العربي, وبيّنوا المُستحسن منها والأجود, ثمَّ الأردأ منها والمُستقبح, من حيث الوزن والقافية, واللفظ والإعراب, ومن هؤلاء إبن طباطبا وقدامة بنَ جعفر..
ومن أغراض الرسالة نزعتها الميتافيزيقية, في توليف المُتناقضات بين المخلوقات؛ إستلهم فيها أبو العلاء الصوّر الخيالية المذكورة في النص القرآني, في هذا الباب لم يغفل حقيقة أنَّه يؤلف رواية, ورواية خيالية, ميتافيزيقية, تنفتح أبوابها على عوالم خيالية غرائبية.
هناك طرف هام وفاعل في الرسالة؛ وهو القارئ الضمني, المُفترض, فالقارئ الذي إفترضه أبو العلاء من طبقة علماء اللغة كالخليل وسيبويه وعمرو بن العلاء والكسائي والجاحظ, ولكنَّ مؤلف الرواية الضمني؛ كان أقل ثقلاً على القارئ, فيظهر بين الحين والحين بصيغة نادرة طريفة, علماً أن النادرة لم ترد على لسان إبي العلاء بصيغتها العاميَّة, فلم ترد في الرسالة كلمة واحدة بعيدة عن الذوق الأدبي من قريبٍ أو من بعيد, على خلاف رأي الجاحظ الذي حذَر من إدخال الإعراب إلى النادرة والنكتة العاميّة.
يستحضر المؤلف الضمني قصص الدنيا وما فيها من طرب ومجون ومُغنين ومُغنيات ( فإذا قضوا الأرب من الطعام, جاءت السقاة بأصناف الأشربة, والمُسمِعات بالأصواتِ المطربةِ " ويقول: عليَّ بمن في الجنَّة من المُغنين والمُغنيات, ممن كانوا في الدار العاجلةِ فقُضيَت له التوبة..) فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ من رجال ونساء, فيهم الغريض ومعبد وإبن سُريج وإبراهيم الموصلي وإبنه إسحاق.
فيقول قائلٌ من الجماعة وقد رأى أسراب قيانٍ قد حضرنَ " من العجب أنَّ الجرادتين في أقاصي الجنّة."(1)
فإذا سمعَ ذلكَ قال "لابدَّ من حضورهما" فيركبُ بعضُ الخدمِ ناقةً من نوق الجنّة ويذهب إليهما على بُعد مكانهما, فتقبلان على نجيبين أسرع من البرق. فإذا حصلتا على المجلس حيّاهما وبشَّ بهما, " وقال كيف خلصتما إلى دار الرحمةِ بعدما خبطتما في الضلال؟! فتقولان " قُدِّرت لنا التوبة ومُتنا على دين المرسلين والأنبياء."..).
كان التنويع من سمات روايات ورسائل ذلك العصر, وقدِّر لنا قراءة ما بيَّنه الجاحظ من أدوات بيد الكاتب لإثراء كتابه بالأنواع حتَّى لا يُثقل على القارئ الإسهاب في نوع واحد فيُشعره بالملل من القراءة, وعلى هذا المنهج كتب الجاحظ مؤلفاته ومنها كتاب الحيوان, الذي يطرح عالم الحيوان ومنه يستطرد إلى عوالم أبعد من ذلك بما فيها الأخبار والنوادر لتلطيف أجواء القراءة.
وللشعر حضوره الراسخ في الرواية العربية, فلا رواية بلا شعر يتخللها, وللشعر هنا وظائف منها تقويَة النص وإسناده, ومنها الوقفات الزمنية, كمحطات الإستراحة, فالبيت الشعري يتطلَّب قراءة تأمليّة تصحبها وقفة زمنية لتخيّل الصور التي تضمَّنها النص الشعري.
بما أنَّ إبن القارح شاعر ولُغوي وناقد[حامل رسالة المعرّي] فإن الشعر بالنسبة له قضيَّة وجودية, وفلسفة, وهذه الفلسفة مؤسسة على ركائز لُغويّة ونحوية في الإعتبار الأول, لذلك حين يطلب من الجرادتين أن تُسمعاه بعض الأغاني فهو يخص قصيدة بعينها بالقافية الفلانية, وبعدما غنَّت الأولى إنتبه إلى أنها كانت تلحن ببعض الكلمات.
ننتقل إلى العاملين الأساسيين في كل عمل روائي, بما في ذلك الرواية الميتافيزيقية؛ وهما عامل الزمن؛ أي اللاّزمان, والمكان؛ أي اللاّ مكان.
في حكاية المُغنين والمغنيات, نجدهم يتوافدون من أزمنة مُختلفة تأريخياً:
الجرادتان من العصر الجاهلي.
معبد مُخضرم من الجاهلية وأدرك الإسلام.
الغريض وإبن سريج من العصر الأموي.
إبراهيم الموصلي وإبنه إسحاق من العصر العبّاسي.
هذا التوليف للطباق الزمني يأتي من عالم الرواية الميتافيزيقية, كذلك جمع الشخصيات من عصور وأماكن وجنسيات مُختلفة. وهذه الإسترجاعات المُتباعدة, لتحريك الزمن الميتافيزيقي؛ مزجَ المؤلف ثلاثة عصور من الغناء العربي في مكانٍ واحد.
وفي حالة المكان تصبح الجنّة والنار أماكن أُسطورية, تجريدية, غير موصوفة بالصفات الأرضيّة, وكل جزء منها قابل للتغيّر الخاطف, مثل الشخصيات والحيوانات المصنوعة من الزبرجد والكريستال, ومثل الفواكه التي تنفلق وتخرج منها الحوريات.
مؤلف الميتافيزيقيا غير مُقيَّد بالعناصر البنائية للنص الروائي. المقاربة مع الفن التشكيلي والفن السينمائي أكثر مُلامسةً للرواية الميتافيزيقية, والرواية السريالية.
( ويمرُّ بأبيات ليس لها سموق أبيات الجنَّة. فيسأل عنها فيقال: هذهِ جنَّة الرَجز, يكون فيها أغلب بني عجلٍ والعجَّاج ورؤبة وأبو النجم وحُميد الأرقط وعذافر إبن أهرس وأبو نُخيلة, وكلُّ مَن غُفرَ له من الرُّجاّز..) – 115-
لأبي العلاء موقف إستهجان من شعر الرَّجز, ومن الشعراء المذكورين. وقد بيّن ذلك في لزومياته, وفي أشعار هجا فيها هذا اللون من الشعر, ولم يُخطئ هنا فلمّا رآهم من ضمن المغفور لهم بدخول الجنَّة, واجههم بالنقد الصريح, ولا أدري لماذا وضعهم في الجنّة بينما فطاحل الشعر وفحوله تركهم في النار؟. في هذه النقطة نستذكر المؤلف الضِّمني, الفيلسوف العدمي, المُتشائم.
( ويعرض له رؤبة فيقول: ما أكلَفكَ بقوافٍ ليست بالمُعجِبة تصنع رجزاً على الغين, ورجزاً على الطاء, وعلى الظاء وعلى غير ذلك من الحروف النافرةِ.. فيغضب رؤبة ويقول: ألي تقول هذا وعنّي أخذ الخليل, وكذلك أبو عمر بن العلاء؟..) – 116 –
تتخذ المقابلة مع رؤبة طابع المشاكسات الأرضية, فإبن القارح لم يُسيطر على أعصابه, والصراع مسرحي كوميدي, فيقول: ( ولو سُبِكَ رجزُكَ ورجز أبيكَ, لم تخرج منه قصيدة مُستحسنة, ولقد بلغني أنَّ أبا مُسلم كلَّمكَ بكلام فيه إبن ثأداء, فلم تعرفها, حتى سألتَ عنها في الحيِّ, ولقد كنتَ تأخذ جوائز الملوك بغير إستحقاق, وإنَّ غيركَ أولى بالأعطية والصِلاة..) – نفسه-
تطول المُخاطبة بينه وبين رؤبة فيدخل العجّاج على الخط (فجاء يسأل المُحاجزةِ).
ثمَّ يواصل الطواف في الجنُة بين الزبرجد والعنبر والذهب..
بعدها ترد صفحات عن الزمان والدهر فيستذكر قصيدة أبي صخر الهذلي:
(عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها... فلمّا إنقضى ما بيننا سكنَ الدهرُ.) إلى آخر القصيدة.
في آخر الرسالة يُعلن المعرّي عن نفسه ليُجيب على رسالة إبن القارح علي بن منصور, فيخصّه بالثناء والمديح فيقول: (وإنّي أعتذر إلى مولاي الشيخ الجليل من تأخر الإجابة, فإن عوائق الزمن مُنَعت من إملاء السوداء, كأنها سوداء التي عناها القائل:
( نُبِّئتُ سوداء تنآني وأتبعها... لقد تباعد شكلانا وما إقتربا.
وجدتها في شبابي غير مطلبةٍ... فكيف والرأسُ جونٌ تُسعف الطلبا.) -206 –
يُضيف أبو العلاء, في إعتذاره, أنه وبسبب العمى يعتمد على غيره في الكتابة (فأنا مُستعينٌ بغيري, فإذا غاب الكاتب فلا إملاء.) – 206 –
هناك رسالة بعنوان " رسالة الملائكة"
[وبتقديري أنّها فصل من رسالة الغفران , إقتُطعت منها لتيسير تداولها, وذلك من عمل الورّاقين, كما حصل مع بعض رسائل الجاحظ؛ لكنّي وجدتها مُذيلةً بخاتمة يُشير فيها أبو العلاء إلى كتابتها وختامها [وكأنها عمل مستقل]. وأفضل ما نقرؤه عنها التقديم الذي كتبه موقع مؤسسة هنداوي (" رسالة الملائكة" هي الأخت الشقيقة لكتاب المعرّي الشهير "رسالة الغفران" ألَّفها وهو في طور كهولتهِ, وضمَّنها قدراً جليلاً من فنِّه وأدبه الراقي. يستخدم أبو العلاء المعرّي حواراً تخيُّلياً بينه وبينَ الملائكة ليُجيب من خلاله على تساؤلات, ويُناقش مسائل لُغويّة صرفة طرحها عليه بعض الطلبة..)- موقع مؤسسة هنداوى-
وفيما يبدو أنَّ أبا العلاء رغب أن يُضيف إلى رسالته الكبرى إضافات حول تصريف بعض الكلمات وردت فيها إشكالات, نُطقاً وكتابةً. وأراد أن يعود إلى شخصيات الملائكة حضورياً, ففي رسالة الغفران إكتفى بذكر شخصين من الملائكة هما خازن النار ورضوان خازن الجنَّة وملاك آخر لم يُساند إبن القارح في المرور إلى الجنَّة.
وفي رسالة الملائكة [ إن كانت بهذا العدد القليل من الصفحات] لم يأتِ بجديد في ذكر الملائكة إلاّ من باب ذكر الأسماء مثل عزرائيل وإسرافيل, وأصلها الأعجمي, مثل بقية الأسماء على هذا اللفظ, وما جرى عليها من تأويل ونحت في الحروف, وكان يبحث في موضوع الهمزة.
والصيغة التخاطبية التي إتّبعها أبو العلاء فيها توحي كأنها فصل من رسالة الغفران؛ فهو يُجيب على رسالة (الشيخ) ويُقدِّمه بالصيغة التي قدّم فيها رسالته لعلي بن منصور.. وهنا يُفسّر الكلمات وأصولها, وتصريفها, ومصادرها, إبتداءً من أصل كلمة ملاك أو ملائكة (أفتراني أُدافعُ ملك الموت, فأقول: أصلُ ملكٍ مألكٌ وإنما أُخذَ من الأُلوكة وهي الرسالة ثمَّ قُلبَ, ويدل على ذلك قولهم في الجمع ملائكة..) – رسالة الملائكة- ص 6-
الكلام موّجه للمُخاطب وهو(الشيخ) والمُحاورات مع الملائكة, فيذكر بعض أهل اللغة, وقد إستعصت عليهم بعض الألفاظ فيُخاطبون رضوان خازن الجنَّة أن يُقابلوا أهل اللغة والنحو من المغفور لهم, ومنهم الخليل بن أحمد (الفُرهودي)(4) ومن خلف الباب يسألون الخليل:
( فيقول الخليل: إنَّ الله جلّت قدرته جعلَ مَن يسكن الجنَّة ممن يتكلم بلسان العرب ناطقاً بأفصح اللغات كما نطق بها يعرب بنَ قحطان أو معد بن عدنان, لايدركهم الزيغ ولا الزلل, وإنما إفتقر الناس في الدار الغرّارة إلى علم اللغة والنحو؛ لأن العربية الأولى أصابها تغيير..) – رسالة الملائكة ص 15-
ويقترب من خاتمة رسالته فيقول (..يزعمون أنني من أهل العلم, وأنا خلوٌ إلاّ ما شاء الله, ومنزلتي إلى الجُهّال أدنى منها إلى الرهط العلماء. ولن أكون مثلَ الربداء أزعمُ في الإبلِ أنني طائرٌ, وفي الطيرِ أنني بعيرٌ سائرٌ..) – نفسه- ص 16- ويختمها بالقول: (تمّت الرسالة بحمد الله وعونه...).
في المقال القادم والأخير نتناول شخصيَّة إبن القارح ومضمون رسالته.
– فنان تشكيلي وكاتب -
===========
هوامش:
(1) –[ الجرادتان] إسم أُطلق على مُغنيتين في الجاهلية, ثمَّ شاع هذا الإسم وأُطلق على المُغنيات في العصرين الأموي والعباسي
(2)- كامل الكيلاني: تحقيق رسالة الغفران ص 61-
(3)- [التفكيكية] مصطلح نقدي حديث إستعملناه مجازاً لتطابقه مع منهج أبي العلاء في النقد قبل ظهور المناهج النقدية الحديثة بما يزيد على الألف عام.
(4) هكذا وردت في الرسالة؛ الفُرهودي وليس الفراهيدي.
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟