أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - رضا لاغة - أوديسا التعددية الثقافية















المزيد.....

أوديسا التعددية الثقافية


رضا لاغة

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 15:16
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


تعتمد الأنظمة الشمولية على تفريغ العالم ، بإصرار لطالما نبذته الفلسفة المعاصرة كمنطلق لحسم مأزق الأيديولوجياالقائمة على التعبّد الأعمى لبنيانها الفكري. وبمنطق غريب تستمد الدول العظمى ذات المنشأ الليبرالي قوتها من هذا الاثبات الصارم الذي يرنو إلى تدمير التعددية.
ولا ريب أننا ، قد نبلغ مع هذا المنطق الليبرالي القائم على قوة اللامعنى للاختلاف والتعددية إلى مسوغات لاستعمار جديد والتوسع على حساب إرادة الشعوب واستقلالها .
وإذا كان احترام إرادة الشعوب ينطوي على الاعتراف باختلافهم باعتبراهم بناة عوالم ثقافية متمايزة أو مشاركين في تأسيس خصوصية ثقافية ، فإن أية من الإيديولوجيات التي تسعى إلى تخطي هذا التنوع سواء في شكل أحداث تاريخية أو مستقبلية ؛إنما تدفع نحو تحويل العالم إلى معسكر اعتقال رمزي لا يقلّ فظاعة عن مراكز اعتقال الفاشية أو النازية سابقا أو الصهيونية وغواتنامو حاضرا.
إن هؤلاء الذين يثيرون الحروب وفق معايير عصيّة عن الفهم الإيتيقي ، هو ما يدفعنا إلى طرح لب المسألة ووضع مفهوم الأوديسا على محك مجتمعنا المعاصر.
الأوديسا هو مفهوم مركزي في كتاب “ أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوّع”.(1) وهو من أحد أبرز المؤلفات الفلسفية والسياسية للمفكر الكندي المعاصر ويل كيمليكا.
الكلمة ذات أصل إغريقي ، وتعني “ الرحلة الطويلة والمليئة بالتحديات التي تخوضها المجتمعات البشرية نحو اقرار التنوّع “.
إن الكتاب عبارة عن اختبار بشأن برهان كوني يقيم الدليل على تنوع الثقافات والشعوب والحضارات وحتى الأعراق داخل المجتمع الواحد. وبالتالي فإن فكرة الصهر ، كما تبلور ذلك في تصور الدولة القومية التقليدية، لم يعد بمقدوره أن يثبت سوى أمرا واحدا دأبت السياسات الليبرالية على فرضه.
هذا النوع الجديد من النقد يتعدّى حدود المعتاد ، فالكاتب ليبرالي إذ هو يقدس الحرية الفردية ولكنه يؤمن في الآن نفسه بحقوق الجماعات والأقليات. أي أن الفرد ، من وجهة نظره ، لا يمكن أن يمارس حريته الفردية بشكل حقيقي إلا إذا كانت ثقافته وهويته الأصلية محميتين من الذوبان القسري. وقد سارع الكاتب إلى عقلنة هذا الطرح عبر تحويل مسألة حقوق الأقليات من مجرد شأن داخلي خاص بكل دولة إلى ضبطه في شكل معايير سياسية وقانونية دولية تتبنّاها منظمات مثل منظمة الأمم المتحدة.
رغم هذه المحاولة القوية التي تنبثق من داخل الفكر الليبرالي ،فإن هذا الحل يبقى من وجهة نظرنا مستحيلا لرفع بؤس الليبرالية. ويمكن تفكيك هذا الموقف النظري عبر المستويات التالية:
-عولمة الليبرالية الإلحاقية
المشكلة في المعايير الدولية هي أنها صيغت بروح ليبرالية غربية تركز في الأصل على "الفرد" كمحور مطلق
للحقوق. وعندما حاولت المنظومة الدولية استيعاب مشكلة الجماعات والأقليات لم تغيّر من فلسفتها الفردية ، بل قامت بترقيع المنظومة لمنح هذه الحقوق بشرط ألا تتعارض مع منطق الهيمنة الرأسمالية لأنها تخاف من أي نموذج جماعي يهدد النموذج الفردي الغربي.
-مفارقة الأبوية الليبرالية
يقع كيمليكا في فخ التقليد الذي يدافع عن الأقليات التي تتبنّى القيم الليبرالية . وهذا ما يعني أن المنظومة الدولية تمنح الأقلية حق الوجود بشرط أن تعتنق قيم الليبرالية فتتحول تدريجيا إلى نسخة مصغّرة من المجتمع الليبرالي الغربي . وهو ما يعتبره نقاد التعددية الثقافية نوعا من الاستعمار الثقافي الناعم.
- تدويل الأزمات كأداة للهيمنة
إن الأنظمة الليبرالية الحالية، هي وليدة خيار رأسمالي ، يتصرّف في القيم والحقوق على أساس نفعي ، لذلك ليس غريبا أن يتم تحويل حقوق الأقليات إلى معايير تشرف عليها الأمم المتحدة ، بحيث أن أيّا من هذه الحقوق يغدو تحت سيادة مؤسسات دولية بدل سيادة الدولة المحلية. وهو ما يجعلها ورقة تستخدم كذريعة سياسية للتدخل في شؤون الدول النامية ، دون تقديم حلول فعلية وحقيقية تنهي التهميش الإقتصادي أو الطبقي الذي تعاني منه الأقليات.
والحق أننا حين نحاول أن نعيد مسار التاريخ محللين الاستتباعات التي نشأت مع الفكر الليبرالي ، يغدو السؤال الأساسي: كيف نبني تصورا جديدا يقطع مع الليبرالية؟
وفي هذا السياق رأينا أنه انسجاما مع الخط التفكيري الذي نتّبعه ،فإن الحل يكمن في القطع الحقيقي مع الليبرالية في مسألة التعددية . بيد أن هذه الفرضية ، إذا ما نظرنا اليها من زاوية تاريخ الأفكار تبدو عرضة للشبهة والشك ،ذلك أن حركة التاريخ تبدو منساقة إلى النهج الليبرالي. ومع ذلك فقد تضعنا هذه القراءة إزاء حكم مختلف يتصدى لهذه الهيمنة من خلال :
-التعددية القانونية الفعالة: الاسترشاد بأنظمة قانونية وقيمية مغايرة للمنظومة الغربية ومستمدة من منابع ثقافية مختلفة غير الصيغة الرأسمالية المعتادة.
-النصيص على العدالة الاقتصادية: النظم الرأسمالية تبدو في الظاهر ميّالة إلى ادّعاء اقتناعها بمشروعية طرح مسائل الهوية واللغة والتنوّع الثقافي لأن الاعتراف بها لا يكلّف رجال الأعمال إلتزام مادي ملموس ، بينما تتجاهل إعادة توزيع الثروة وسيطرة الشركات الكبرى على أراضي السكان الأصليين والأقليات.
- السيادة الثقافية: كحق مشترك يحكم جميع الشعوب والأقليات ويمنحها الشرعية لصياغة مفهوم خاص للحياة والتقدم ينطبق على قناعاتهم ووجودهم رغم تقاطعه مع المفاهيم الليبراتلية حول الحداثة.
إذن ، ها هنا يتصح الفرق بين المنظومة الدولية التي تحمي الأقليات كـ”فلكلور” أو “ مجموعات هوياتية” ، تستهلك داخل السوق العالمي ، والتصور البديل الذي يرى في هذه الجمماعات هويات حضارية أو سياسية حقيقية ينبغي أن ننشئ توافقا تشريعيا خاصا بها يمنحها شرعية مجسدة بالقانون.
وعلى أية حال فإن مقاربة كيمليكا بنيت على تمييز أساسي بين:
الأقليات القومية: التي تطالب بحق منحها الحكم الذاتي ( مثل السكان الأصليين...) أو فيدرالية تعترف بحق تداول لغتها الخاصة.
المهاجرين: الذين يطالبون بحق الدمج العادل وتسهيل انتمائهم في المجتمع الجديد مع احترام خصوصيتهم الثقافية والدينية.
في ظل هذه المعايير التي تستدعي جسما سياسيا ينبذ حركة التسلّط على التاريخ القائم على التنوّع، فإنه يتوجّب أيّا كان المعنى المخصوص الذي أعطي لها،أن نجد حلا لمسألة قديمة في الفكر السياسي وهي أن نعترف بالآخر الذي يتبدى كضامن لهذه المعايير.
هذه الملاحظة تنقلنا إلى تصوّر أكسيل هونيث سليل مدرسة فرانكفورت النقدية والذي أعاد إحياء الأطروحة الهيغلية من منظور سوسيولوجي ونفسي.

يرى هونيث أن الصراعات الاجتماعية والسياسية في جوهرها ليست انعكاس لمصالح اقتصادية فحسب كما وضحت الماركسية ذلك من خلال طبيعة العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية ، بل تحمل في أحشائها رغبة محمومة للاعتراف بالكرامة الإنسانية والثقافية (2).
و في هذا الصدد يقسم هونيث الأبعاد الدلالية لمفهوم الاعتراف ضمن ثلاثة أبعاد:
- الحب : الذي يحكم العلاقات الإنسانية والشخصية.
-الحقوق القانونية في الدولة
-التقدير الاجتماعي للثقافة وأسلوب الحياة.
وعلى هذا فإن إثبات رهان التعددية الذي شرحناه سابقا ضمن أوديسا الثقافة مع كيمليكا ، يتبدّى ضمن شروط تتكفّل بها المؤسسات الاجتماعية لتحفقيق التقدير المتساوي لكافة الأنماط الثقافية.
وإذا كان المبدأ الموجّه لمعايير الفعل هو الاعتراف بحسب هونيث ، فإن تسريع حركة التاريخ في وضعه الجديد يستلزم من وجهة نظرى بهايكو باريخ تعددية ثقافية حوارية (3)، مستندا في ذلك إلى منظر ما بعد كولونيالي.
يرى باريخ أن كل الثقافات محدودة وهي تكمل بعضها البعض ، وبالتالي لا يمكن لأيّ ثقافة بمفردها أن تستوعب كل أبعهاد التجربة الإنسانية.
وهنا لا بد من الإشارة ، ليست فكرة الاعتراف ما يشغل باريخ وإنما الصيغة التي يقترحها .فهو يرفض أن يكون مجرد تنازل من الثقافة المهيمنة للأقليات ،وإنما يجب أن يتأسس على حوار ديمقراطي متبادل وشراكة سياسية حقيقية تمنح جميع الثقافات مراجعة قيمها والتأثير في الفضاء العام بالتساوي.
المصادر والمراجع
1- ويل كيمليكا .أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوّع.تر إمام عبد الفتاح.مؤسسة هنداوي 2024
2- أكسيل .هونيث. الصراع من أجل الاعتراف، القواعد الأخلاقيثة للمآزم الاجتماعية . المكتبة الشرقية،الطبعة الأولى 2015 .
3- باريخ بهايكو. إعادة النظر في التعددية الثقافية / التنوع الثقافي والنظرية السياسية .تر مجاب الإمام .دمشق ، الهيئة العامةالسورية للكتاب 2007



#رضا_لاغة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سحر الديمقراطية مع روسو إلى الدولة الشبكية وثقافة البروتو ...
- حتمية التغيير الحكومي في تونس ودور تشكيلة النخبة في الحقبة ا ...
- الإصلاح التربوي والجودة المنصفة
- المجلس الأعلى للتربية: العقل الاستراتيجي للإصلاح التربوي
- المدرسة الجديدة وخارطة التكوين
- السيادة ...كيف نحققها؟
- التطرّف العنيف من منظور أنثروبولوجي سوسيولوجي وثقافي
- فلسفة تكوين المربين وصيغ الانتقاء المتعدد
- المعلم و إعادة بناء مكانة المهنة
- المؤسسة التعليمية العمومية والدرس الخصوصي... نعيد تنظيمه أم ...
- التعليم العمومي والخاص — منافسة أم تكامل؟
- السياسة التربوية : التعليم والجهات
- رجال حول المقاومة - يحيى السنوار-
- رجال حول المقاومة - عماد مغنية
- المسار التعليمي :خريطة تعلم أم سلم دراسي؟
- هندسة الحوكمة الجديدة للمدرسة التونسية
- الإصلاح التربوي في تونس: أيّ مدرسة نريد؟
- الإمبراطورية الآفلة...
- من المعلم كناقل للمعرفة الى صانع للتعلّم
- الإصلاح التربوي :أرغانون التفكير النقدي وماذا ندرّس؟


المزيد.....




- -شدونا بحبل طويل لمنعنا-.. آبي أحمد يتحدث عن -ضغوط- على إثيو ...
- -حلف مكة-: بدء التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك واتخا ...
- السلطات التركية: بلاغ عن متفجرات على متن طائرة متجهة من أنقر ...
- بعد تصريحات بشأن سيناء.. رسالة مصرية ترفع سقف التحذير لإسرائ ...
- نتنياهو يتوعّد بملاحقة المشاركين في هجوم 7 أكتوبر: سنواصل ضر ...
- إيران: نجحنا في تعطيل -ستارلينك- خلال احتجاجات يناير
- اشتباكات في مدن فرنسية مع استمرار احتجاج الطلاب على تمويل ال ...
- هل تنجح القوات الحكومية في استعادة مناطق خسرتها أمام الحوثيي ...
- مساعد طيار فلاي دبي يعتزم تحطيم الطائرة في مطار تل أبيب
- دمشق تبرم اتفاقاً استثمارياً ضخماً مع -إيغل هيلز- الإماراتية ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - رضا لاغة - أوديسا التعددية الثقافية