أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قرارات بحاجة الى جرأة / 2















المزيد.....

قرارات بحاجة الى جرأة / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:11
المحور: الادب والفن
    


​ما لا تقوله الصورة

​ظِلالٌ على جِدارِ الخَوْف

​كان حيدر يذرع الصالة بخطوات ثقيلة، كمن يحرس ثغراً مخترقاً.
​ما إن دار المفتاح في القفل حتى فتح الباب بنفسه، وقبل أن تطأ قدم مريم العتبة، مد يده بجفاف:
— الموبايل.
​توقفت. كانت كتبها مضمومة إلى صدرها كدرع.
— شنو؟
— موبايلچ.
— ليش؟
​طلّت الأم من حافة المطبخ، تجفف يديها بطرف مريولها، وعلى وجهها ذلك الشحوب الأبدي للأمهات اللائي يستشعرن الفاجعة قبل حدوثها.
— حيدر، شبيك؟
​رفع هاتفه أمامهما كمن يشهر وثيقة إدانة. على الشاشة الزجاجية، كانت مريم تقف عند بوابة القاعة، وإلى جوارها شاب يميل برأسه قليلاً ليتحدث إليها. أبعاد الصورة مجردة، بلا دفء وبلا حقيقة.
​قال حيدر ونبرته تتأرجح بين الغضب والارتباك:
— هذا شنو؟
— هذا سيف.. ويانه بالقسم.
— أعرف اسمه.
— إذن ليش تسأل؟
​مرر إصبعه على الزجاج، وأراها الأسطر المكتوبة تحت الصورة. كلمات قليلة لكنها كفيلة بهدم سقف كامل. تغير لون وجهها، ومدت يدها لتمسك الهاتف، فأبعدها بقسوة:
— من اليوم ماكو جامعة.
— منو قرر؟
— آني.
— أنت أخويه.. مو أبويه.
​اقترب منها خطوة، وانقبضت ملامحه:
— مريم.. لا تخليني...
— شتسوي؟
​ارتفعت يده في الهواء، فصرخت الأم بصوت مكتوم:
— حيدر!
​تجمدت يده. وفي تلك اللحظة بالذات، دار المفتاح في القفل مرة أخرى.
​دخل الأب يحمل كيس الخبز الدافئ، وفي يده الأخرى فأس صغيرة صدئة كان قد استعارها في الصباح من الجار. جالت عيناه بين الوجوه الثلاثة، ثم استقرت على يد ابنه التي هبطت ببطء كمن يستفيق من نوم. وضع الفأس والخبز على المائدة، وقال بنبرة هادئة تجرّد اللحظة من انفعالها:
— شكو؟
​على طرف الأريكة، جلس الأب. وضع حيدر الهاتف بين يديه:
— شوف.
​أمسك الأب الجهاز. كانت الصورة باردة. حدق فيها، ثم قرأ التعليق المكتوب أسفلها. رفع عينيه إلى مريم:
— منو هذا؟
— زميلي.
— شتسوون؟
— نحچي عن مشروع التخرج.
​أعاد نظره إلى الشاشة. زاوية التقاط عادية، مسافة آمنة بين جسدين، لا يد تلامس يداً، ولا نظرة تتجاوز حدود الزمالة. مجرد كائنين يتحدثان تحت الضوء.
​قال حيدر بقلة صبر:
— بابا، مو بس الصورة.. الحچي منتشر.
— منو حچه؟
— الشباب.
— منو الشباب؟
— كل الناس تعرف.
— آني ما أعرف.. گلي اسم واحد.
​سكت حيدر.
​قال الأب وهو يزن الهاتف بكفه كأنه يزن فراغاً:
— واحد شاف شي غير هاي الصورة؟
— يعني ننتظر لحد ما يشوفون؟
​طرق الأب حافة الهاتف بخفة على كفه، وأعاد السؤال بصرامة أعمق:
— سألتك: أحد شاف؟
​عجز حيدر عن الجواب. سحبت مريم حقيبتها، وقالت بصوت خنقته العبرة لكنه لم ينكسر:
— إذا خلص التحقيق.. أروح لغرفتي؟
​نظر إليها الأب. كانت عيناها طافحتين بالدمع، لكن رأسها ظل مرفوعاً.
— روحي.
​في المساء، وضعت الأم طبق الطعام على الطاولة الصغيرة داخل الغرفة.
— كلي يمّه.
— ما أشتهي.
​جلست الأم إلى جوارها. خيم صمت ثقيل، صمت الأسئلة التي يخشى الجميع طرحها.
قالت مريم:
— إنتِ مصدكتيني؟
رفعت الأم رأسها بسرعة:
— أعرفچ.
— ما سألتچ إذا تعرفيني.. سألتچ: مصدكتيني؟
​تأتأت الأم. فتحت مريم الهاتف، وكبّرت الصورة حتى غطت الشاشة:
— شوفي.. هذا كلشي. واكفة أحچي وياه. بس واحد كتب كلمتين، وصرت لازم أثبت طول عمري إني مو مثل كلامه!
​مدت الأم يدها لتمسد شعرها، فابتعدت مريم بجفاء غريزي، قبل أن تتدارك قسوتها، فتسند رأسها المتعب إلى كتف أمها.
​في الحديقة الخلفية، كان الأب يقف تحت شجرة السدر القديمة التي غرسها يوم ولدت مريم. كانت أغصانها العالية تتهدل فوق الجدار الفاصل بينه وبين بيت شقيقه أبي أحمد.
​اقترب حيدر منه، محاولاً انتزاع موقف:
— بابا.. باچر ما تروح.
— منو گال؟
— بس يومين.. لحد ما يهدأ الحچي.
— وبعدين؟
— ترجع.
— وإذا ما هَدَأ؟
​لم يجد حيدر جواباً، فنظر إلى الفأس الملقاة قرب جذع الشجرة وقال:
— عمي أبو أحمد يصيح من الصبح.. يقول السدرة كاشفة حوشه، ولازم تنكص.
​تأمل الأب الأغصان الخضراء الثقيلة. لم تكن تشرف على شيء سوى السماء، لكن الجار يتوهم أنها تطل على أسراره.
قال الأب بأسى:
— أبو أحمد يعتقد إن كل غصن مرتفع.. عيون تتجسس عليه.
التفت إلى حيدر وقال:
— وأنت تحسب إن كل كلمة بصفحة زجاجية.. مشنقة لأختك.
​سكت حيدر. أشار الأب بسبابته نحو باب غرفة مريم المغلق:
— هي هم خايفة.
— من شنو؟
— من نفس الوهم اللي مخلّي عمك يتخيل إن الشجرة تجرح حرمته.
​عند الظهيرة، لم يكن البيت ملكاً لأهله.
​حضر أبو أحمد، وتلاه ابن العم، ثم رجلان من الأقارب. لم يستدعِهم أحد، لكن الشائعة تتمتع بفروسية ملعونة؛ تصل دائماً قبل أصحابها.
​وُضعت استكانات الشاي. حركة الملعقة الصادرة من استكان الأب كانت الصوت الوحيد الذي يقاوم ثقل الصمت.
​قال أبو أحمد وهو يشعل سيجارته، ناظراً نحو النافذة المطلة على الحديقة:
— أبو مريم.. الشجرة اللي بالورا لازم تنقص اليوم، والسمعة همين ما بيها مزح.. مريم بنتنا، وخلي تبقى بالبيت أسبوع، الحچي يبرد وحده.
​توقفت الملعقة عن الدوران. رفع الأب رأسه:
— السدرة ما تكشف حوشك يا أبو أحمد، ومريم ما كشفت ظهرنا.
ارتبك أبو أحمد:
— القضية مو الشجرة ولا الصورة وحدها.. الناس تحچي!
— وإذا ما برد الحچي؟
​تبادل الرجال نظرات مشحونة بارتباك الموروث. تساءل رجل آخر:
— باچر إذا تقدم إلها واحد وسامع بالحچي.. شراح نسوي؟
​ساد صمت جاف. تحول الموقف من محاكمة للفتاة إلى تعرية لضعف الرجال أمام الظنون.
​نظر الأب إلى شقيقه:
— أبو أحمد.. تعرف مريم؟
— شنو هالسؤال؟ من يوم ولدت.
— شفت منها شي؟
— لا والله.
— وأنت؟ (سأل ابن العم).
— أبد.
​التفت الأب إلى حيدر الواقف عند زاوية الجدار:
— وأنت؟
​ظل حيدر صامتاً.
​قال الأب بهدوء يشبه الصخر:
— عندكم شي غير الحچي؟
​لم ينطق أحد. نهض الأب وسحب مفاتيح السيارة من فوق التلفاز.
— وين رايح؟ (سأل أبو أحمد).
— ما رايح لمكان.. الشجرة أفرعها راح تبقى، وباچر أوصل مريم للجامعة بإيدي.
​قفز حيدر:
— بابا...
​رفع الأب يده بكف مفتوحة، لا ليخرس أحداً، بل ليرسم حداً فاصلاً بين الخوف والكرامة. نظر في عيون الرجال واحداً واحداً، وقال كلمة واحدة اختصرت كل المعارك:
— هذه ابنتي.
​في الفجر، كانت مريم تتناول الماء في المطبخ المظلم عندما دخل أبوها.
توقفا.
— ما نمتي؟
— شوي.
​جلس إلى الطاولة، وظلت هي واقفة كمتهمة تنتظر النطق النهائي.
قال الأب وهو يمسح وجهه بكفه:
— البارحة خفت.
— منّي؟
— لا.. خفت من كلامهم. وگلت خلي تبقين يومين ونرتاح.
​سكت، ثم سألت بنبرة خافتة:
— وبعدين؟
— بعدين فهمت.. اللي كان راح يرتاح هو آني.. مو إنتِ. كان نيتي أقطع الغصن حتى لا يصيح أبو أحمد، وأكعدچ بالبيت حتى لا تحچي العالم.. بس الظل ما يتكصص بالفأس يا بنيتي.
​تطلعت فيه بذهول. أضاف الأب وهو ينظر إلى خطوط كفه:
— شفت الصورة عشر مرات. كل اللي شفته: بنتي واكفة تحچي ويا زميلها.. آني ما عندي شي حتى أصدكچ أو ما أصدكچ بيه. سامحيني على البارحة.
​مدت يدها الصغيرة ووضعتها فوق يده المتغضنة:
— لا تعيدها.
ابتسم وقال:
— حاضر.
​في السابعة صباحاً، كانت الحقيبة على كتفها.
مرت بحيدر الجالس عند المائدة:
— صباح الخير.
— صباح النور.
​عندما وصلت إلى العتبة، ناداها:
— مريم.
​التفتت. كان هاتفها في يده. اقترب ومدّه إليها. لم ينطق باعتذار، ولم تطلبه هي. لكنه وهو يعبث بملعقته قال بصوت خفيض:
— إذا تأخرتِ... اتصلي بي.
​ابتسمت ابتسامة دافئة:
— زين.
​أمام بوابة الجامعة، كانت السيارة ترابض وسط صخب الطلاب.
​تأملت مريم الوجوه المارة عبر الزجاج. خطوات تعلو وهشاشة تتخفى خلف الضحكات. أطالت الإمساك بمقبض الباب ولم تفتحه.
​لاحظ الأب ترددها، فقال بنبرة هادئة تحمل طيف دعابة:
— نرجع؟
​التفتت إليه بسرعة، فرأت في عينيه أماناً لا ينهدم:
— لا.
​وضعت قدمها على الأسفلت، ثم توقفت:
— بابا.. إذا حچوا؟
— يمكن يحچون.
— بس؟
رفع كتفيه بقلة حيلة جميلة:
— شتريديني أسوي؟ أسد حلگ العالم؟ روحي لمحاضرتچ.
​ضحكت ونزلت.
​مشت بضع خطوات. على بعد أمتار، ضحك طالبان ضحكة عابرة، فتباطأت خطواتها هلعاً، وانحنى رأسها قليلاً. لكن الأب ظل يراقبها من خلف الزجاج، لم ينادِها ولم يستنجد بها، تركها تكتشف قوتها بنفسها.
​رفعت مريم رأسها، وعدلت حزام الحقيبة، ثم اقتحمت البوابة بخطوة واثقة.
​تنفس الأب براحة، وعندما همّ بإدارة المحرك، لمح على المقعد المجاور دفتر محاضراتها.
​ترجل بسرعة، ونادى من خلف السور الحديدي:
— مريم!
​التفتت من بين الزحام. رفع الدفتر عالياً. وضعت كفها على جبينها وضحكت بطفولة استعادتها للتو:
— نسيتُه!
​ركضت نحوه، مدّ لها الدفتر من بين قضبان السور.
— شكرًا بابا.
— روحي هسه، لا تتأخرين.
​استدارت للغياب في الممر الطويل، لكنها التفتت للمرة الأخيرة. كان لا يزال واقفاً كطود لا تهزه الرياح. لوحت له بالدفتر، فرفع يده مشجعاً.
​عائداً إلى سيارته، كان الأب يبتسم بمرارة خفيفة؛ لم يقطع شجرة السدر، ولم يغلق الباب بوجه ابنته.. وكان يعرف أن العالم قد يتكلم كما يشاء، لكن الجذور القوية لا ترتعد أمام الشائعات.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرارات بحاجة الى جرأة / 1
- ظلٌّ على الجدار
- مذكرات مراهقة / 4
- مذكرات مراهقة / 3
- مذكّرات مراهقة / 2
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي


المزيد.....




- -عودة الغايب- بعد 14 عاما... فضل شاكر على خشبة المسرح مجددا ...
- أزمة اعتذارات وانسحابات تعصف بأشهر مهرجان للموسيقى العربية ...
- المخرج الإيراني أصغر فرهادي ينتقد هوليوود: -من طلب منكم أن ت ...
- الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في ...
- مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي ...
- بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم ...
- دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
- السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية ...
- RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
- تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قرارات بحاجة الى جرأة / 2