أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت














المزيد.....

الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 17:27
المحور: الادب والفن
    


​مرآة ثانية للمرأة التي أضاعت اسمها

​في الصباح الذي لم يختلف عن سابقه بشيء، وقفت سعاد أمام المرآة. لم يكن الضوء شحيحاً، لكن وجهها بدا لها كأرضٍ هجرها المطر منذ زمن. مشّطت خصلاتٍ شاب بعضها قبل أوانه، ولم تكن تفحص تجعيدةً جديدة أو تطارد بياضاً مباغتاً؛ كانت تبحث عن أثرٍ لامرأةٍ تعرفها، امرأةٍ تلاشت خلف غبار التفاصيل اليومية.
​خلف ظهرها، كان البيت يستيقظ بإيقاعه الرتيب كآلةٍ صامتة. غلاية الشاي تقذف زفيرها الساخن في المطبخ، الابن الصغير يفتش بنزقٍ عن حقيبته، والزوج يسأل كعادته عن أشيائه الضائعة التي لا تكتسب وجودها في هذا العالم إلا إذا عثرت عليها أصابعها هي.
​ابتسمت ابتسامة باهتة تشبه طعم الماء المتروك في الكوب ليلة كاملة.
​"منذ ربع قرن، وهي تمنح الآخرين الأجوبة التي ترمم حياتهم، حتى نسيتْ كيف تصوغ السؤال الوحيد الذي يخصها."
​في التاسعة عشرة من عمرها، لم تكن سعاد مجرد جسدٍ يعبر الأيام؛ كانت فكرةً مشتعلة. كانت تملك دفتراً صغيراً تخبئ فيه أحلاماً بطعم الحبر والورق، وتؤمن بكامل براءتها المعرفية أن الكلمات أجنحة قادرة على تغيير العالم، وأنها ولدت لتكون معلمة للأدب العربي.
​ثم جاء الزواج.
​ولم يكن سيئاً، بالمعنى المتداول للرداءة. كانت تردد هذا لقريناتها بحيادٍ بارد. فالزوج رجل طيب بمعايير المجتمع، والأبناء يسيرون في قنوات النجاح المرسومة، والبيت وادٍ مستقر. لكنها اكتشفت متأخرة أن الحياة لا تهدم الإنسان دائماً بالفواجع والضربات الكبرى؛ أحياناً تفعل ذلك ببطء، عبر التكرار والاعتياد، عبر قضم المساحات الروحية الصغير منها فالأصغر.
​لقد تحولتْ من "ذاتٍ" مستقلة، إلى "وظيفةٍ" مركبة تؤدي مهامها بصمتٍ جليليّ:
​زوجة تؤمن الاستقرار.
​أم تحرس النمو.
​طاهية، ممرضة، وسكرتيرة منزلية تضبط إيقاع الفوضى.
​كل شيء.. باستثناء نفسها.
​في ذلك اليوم، انكسر الإيقاع فجأة.
​أثناء ترتيبها لخزانة قديمة، سقط الدفتر الصغير. التقطته بكفين يرتعشان، وحين فتحته، انبعثت منه رائحة زمنٍ لم يمت، بل حُنّط. على الصفحة الأولى، طالعتها جملتها المكتوبة بخطٍّ كوفي أنيق: "سأصبح معلمة يوماً ما".
​جلست على الأرض الباردة، وأعادت قراءة السطر. شعرت بوجود فتاةٍ أخرى تقف وراء كتفها، فتاة حية تنظر بذهول إلى هذه المرأة الأربعينية المستسلمة.
​في المساء، شحنت حنجرتها بما تبقى من شجاعة منسية، وقالت لزوجها:
ـ أفكر في إكمال دراستي.
​رفع الزوج عينيه عن شاشة هاتفه، ونظر إليها كمن ينظر إلى لوحة مألوفة تحركت إحدى زواياها فجأة. ابتسم ابتسامة قصيرة، باردة ومحايدة، وقال:
ـ بعد هذا العمر؟
​لم يكن مستهزئاً، وهنا تكمن الفلسفة المريرة للمأساة. لقد قالها كمن يقرر حقيقة فيزيائية بديهية: "الماء يغلي، والشمس تشرق، وأنتِ كبرتِ على الحلم".
​"بعد هذا العمر".. بقيت العبارة تدور في رأسها كالعجلة الطاحنة طوال الليل. من وضع الحدود لملعب الأحلام؟ ومن صاغ هذا العقد الاجتماعي غير المكتوب الذي يقضي بأن ندفن نصفنا الحي لنحافظ على نصفنا الآلي؟
​في الصباح التالي، مارست سعاد طقوسها المعتادة بآلية مدهشة. أعدّت الفطور، أيقظت الأبناء، رتبت الأسرة، وغسلت الأطباق. بدا كل شيءٍ في مكانه، باستثناء عالمها الداخلي. ثمة امرأة هناك، تقف أمام بابٍ موارب منذ خمسة وعشرين عاماً. لم تفتحه بالكامل، ولم تملك الجرأة لتدير ظهرها له وتغادر.
​"بعض الأبواب لا يغلقها الآخرون في وجوهنا، بل يغلقها فينا زمنٌ أقنعنا بأن قطارنا قد مضى، وأن الوقوف على رصيف الانتظار أجمل من محاولة الركض وراء عربةٍ غائبة."
​حين حلّ المساء، أعادت سعاد الدفتر الصغير إلى الخزانة القديمة. لكنها هذه المرة لم تغلقه. تركته مفتوحاً على الصفحة الأولى، تحتفظ بالسطر عارياً أمام عتمة الرف.
​كانت تلك لفتتها الفلسفية الأخيرة احتجاجاً على تآكل الوقت: إن الحلم الذي عجزت الأيام عن تحقيقه، لم يمت؛ إنه يمارس تمرين الصبر بانتظار لحظةٍ لا يحددها العمر، بل تحددها الشجاعة.
​أما الحل... فما زال ينمو ببطء تحت قشرة الصمت.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )


المزيد.....




- رحيل عبد العزيز مخيون.. عاشق الموسيقى الذي تنقل بين طه السما ...
- كاظم الساهر: نمت في المقاهي والحدائق لأحقق هذا النجاحوعملت م ...
- فيلم الرعب -هوس- يطيح بـ-فهرنهايت 11/9? ويصبح الصفقة الأعلى ...
- نتنياهو يوجه رسالة مترجمة للعربية إلى الشعب اللبناني (فيديو) ...
- فضحية جنسية مدوية في هوليوود.. فنان شهير يواجه اتهامات بالاع ...
- كاظم الساهر يتصدر الحديث بعد مقابلة وصفها الجمهور بأنها -وثي ...
- سلب فلسطين.. كيف نظّم القانون الإسرائيلي تجريد شعب من أملاكه ...
- رحيل الفنانة السوفيتية الكبيرة ليودميلا تشورسينا بعد صراع مع ...
- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت