أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 4 )














المزيد.....

مذكرات سائق تكسي ( 4 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 00:39
المحور: الادب والفن
    


​سيزيف (1) يضحك في "باب المعظم"

​في مهنتي هذه، الوجوه التي تعبر مرآتي ليست سوى نصوصٍ مكثفة؛ بعضها مكتوبٌ بخطٍ جنائزي، وبعضها مسودات أرهقها الشطب. لكنني لم أفهم سر "الضحك الفائض" إلا حين صعد معي ذلك الرجل عند "باب المعظم".
​كان عادياً إلى حدّ المحو، ملامحه تشبه آلاف الوجوه التي تبتلعها أرصفة بغداد، لولا تلك الابتسامة التي بدت أقدم من وجهه بكثير. قال بلهجةٍ لا تترك لك خياراً سوى الاستسلام لمرحه:
— "يلا حبيبي.. خلينا نسرق شوية هواء من الرئة المخنوقة لهالمدينة".
​انطلقنا. تحولت السيارة معه إلى خشبة مسرح. كان "يؤدي" الضحك ببراعةٍ مذهلة، محولاً كل بؤسٍ نمرّ به إلى نكتة لاذعة. شرطي المرور المتشنج، الازدحام الخانق، الغبار الذي يصبغ جثث السيارات.. كل شيء كان عنده مادة للسخرية. كان يضحك قبل أن تكتمل الحكاية، كأنه يسابق الصمت، أو يخشى أن ينكشف الفراغ إذا ما توقف عن القهقهة.
​قلتُ له، محاولاً اختراق درعه:
— "واضح أنك مرتاح في حياتك تماماً!"
​هنا، ولأول مرة، خانته المرآة. اهتزت ملامحه، وبدا الضحك كطلاءٍ يتشقق عن جدارٍ قديم. نظر إليّ وقال بصوتٍ فقدَ يقينه:
— "تدري يا كابتن.. أسوأ ما في الحزن ليس الوجع، بل قدرته على فضيحتك. الضحك هو الستارة الوحيدة التي لا تثير الشبهات."
​أشار لي بالدخول إلى زقاقٍ جانبي، حيث الصمت يطبق على الأنفاس. توقفنا أمام أطلال محلٍ محترق، أبوابه المتفحمة تحكي قصة نارٍ التهمت كل شيء. وقف أمامه بذهولٍ هادئ، لا يطرق باباً ولا يذرف دمعاً، كأنه ينظر إلى جثته الشخصية.
​عاد للسيارة، وأغلق الباب بنعومةٍ جنائزية.
— "كان محلاً بسيطاً، لكنه كان يوسع العالم في عيني. قبل ايام، صار رماداً. لم أحزن على الخشب، الحريق الحقيقي انتقل إلى الداخل."
​صمتَ لحظة، ثم ألقى بفجيعته الكبرى:
— "لي ولد، كان يرى فيّ بطلاً يرمم كل ما يكسره. يوم الحريق، رآني لأول مرةٍ منكسراً، بلا ضحكة. منذ ذلك اليوم، صار يخاف مني. ليس لأنني تغيرت، بل لأنه اكتشف الحقيقة.. اكتشف أن والده إنسانٌ يمكن أن يُهزم."
​وصلنا. وضع الأجرة في يدي كأنه ينهي عقداً طويلاً من الزيف. وقبل أن يغادر، التفت بابتسامته تلك التي تشبه النصل:
— "يا كابتن.. لا تصدق كل من يضحك. نحن نتقن الضحك لا لأننا سعداء، بل لكي لا نضطر لشرح أنفسنا. الضحك هو أقوى أنواع الصراخ الصامت."
​ترجل وغاب في الزحام. بقيتُ وحدي، أحدق في الطريق الذي بدا غريباً. صرتُ أسمع في كل قهقةٍ تعبر الشارع نداء استغاثة مخبوءاً، وأدركتُ ، بيأسٍ مرّ ، أن خلف كل ضحكةٍ عالية، قد يختبئ حطامٌ لا تجرؤ حتى الدموع على ملامسته.

( 1 )سيزيف (بالإنجليزية: Sisyphus) هو شخصية أسطورية من الميثولوجيا اليونانية، اشتهر بعقوبة غريبة وقاسية جعلته رمزًا عالميًا للعبث والمعاناة المتكررة.
المؤلف .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى


المزيد.....




- -توم وجيري- يعودان إلى السينما في -البوصلة المحرمة-
- تراجع النشاطات الفنية والرياضية في كردستان بسبب الحرب والأزم ...
- (فيديو) د. الشعلان تتحدّث عن (تقاسيم الفسطينيّ) في حوار استث ...
- فيلم -Blue52- للمخرج المصري علي العربي يحظى بدعم ميسي
- من روما القديمة إلى اليوم.. حصاد الزيتون يعود إلى الكولوسيوم ...
- كشف شبكة إعلامية ممولة من البنتاغون لترويج الرواية الأمريكية ...
- الإبادة كتسلية.. كيف تُصاغ حروب إسرائيل العدوانية كترفيه؟
- وفاة -سيدة الشاشة الخليجية- الممثلة الكويتية حياة الفهد عن 7 ...
- في مئوية ميلادها.. بريطانيا تستذكر إليزابيث الثانية بـ 4 صو ...
- الشاعر الصيني شاو شوي: التعايش بين الثقافات المختلفة هو أكثر ...


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 4 )