أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 3 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ( 3 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 00:02
المحور: الادب والفن
    


​شرخٌ في جدار البلور

​لطالما آمنتُ أن بعض الوجوه المصقولة بعناية فائقة ليست إلا محاولة مهذبة لترميم شقوق الروح، وأن البريق — في أحيان كثيرة — ليس إلا قناعاً لإخفاء هشاشة الداخل. كانت رند هي التجسيد الحيّ لهذا الإيمان.
​كانت تدخل باحة المدرسة كأنها أيقونة مترفة، يسبقها عطرٌ ثقيل وتتبعها نظرات تائهة بين الإعجاب والحسد. سيارة حديثة، سائقٌ يفتح الباب بانحناءة مدروسة، وهاتفٌ يتبدل مع تبدل الفصول. كانت تملك ثقةً تتجاوز سنوات عمرها الغضّ، ثقةً فيها من "التحدي" أكثر مما فيها من "الطمأنينة".
​لم أكن يوماً ضد الرخاء، لكنني كنت أرتجف خوفاً من الثراء حين يعلو صوته فوق صوت التربية، وحين يصبح المال "صوتاً" يخرس القيم.
​بدأت الخيوط تتشابك حين أتتني "ليلى" المعاونة بملامح شاحبة:
— "ست سعيدة.. البنات يتحدثن عن حفلات صاخبة في منزل رند، والريب يلف الأجواء".
​استدعيتُها. دخلت وعليها تلك الابتسامة التي تشبه "الدرع الواقي" أكثر من كونها تعبيراً عن فرح. سألتها بهدوءٍ حازم:
— "هل تجمعين زميلاتكِ يا رند خارج علم أهلهن؟".
هزت كتفيها بلامبالاة مصطنعة: — "مجرد عيد ميلاد.. أمر طبيعي".
​نظرتُ في عينيها طويلاً، ورأيتُ في العمق شيئاً لا يشبه "الطبيعي" أبداً. قلت لها كلمتي التي هزت ثباتها:
​"المدرسة لا تقتحم البيوت يا رند.. إلا إذا أصبحت البيوت ممراتٍ لإفساد البنات".
​غادرت، وبقيت ذلك القلق الصغير عالقاً في نظرتها، كغصة لم تجد طريقاً للخروج.
​لم يطل الانتظار. في صباحٍ لا يُنسى، دخلت "تماضر" ومكتبي يضيق بأنفاسها المتلاحقة:
— "ست سعيدة.. الشرطة اعتقلت والد رند!".
​تصفحت الخبر في هاتفها.. "شبكة ممنوعات.. أسماء رنانة.. وكان اسم الأب يتصدر القائمة بوضوح مؤلم". في تلك اللحظة، لم أفكر بالفضيحة، فكرتُ بتلك الفتاة؛ فالألسنة في ممرات المدرسة قد تكون أحياناً أقسى من قضبان السجون.
​توقعتُ انكسارها وغيابها، لكنها جاءت!
دخلت رند من دون سيارة، من دون زينة، ومن دون ذلك البريق الزائف الذي كانت تختبئ خلفه. كانت تمشي في الممر والهمسات تمشي معها كظلالٍ مشؤومة.
​استدعيتها فوراً. جلست بصمتٍ ثقيل، وقبل أن أنطق، قالت وكأنها تدافع عن بقايا كرامتها:
— "أنا لم أفعل شيئاً!".
أجبتها بكلمة واحدة، كانت كفيلة بهدم جدرانها: — "أعرف".
​رفعت رأسها بسرعة، كأنها سمعت كلمة لم تكن تنتظرها من أحد. تابعتُ بصوتٍ رزين:
​"ذنب الأهل لا يُورَّث يا ابنتي.. لكن الموقف هو الذي يُختبر".
​هنا، انهار كل شيء. انفجرت رند ببكاءٍ ثقيل، ليس بكاء يومٍ واحد، بل بكاء سنواتٍ من التظاهر. اعترفت ببيتٍ يُدار بالمال لا بالمحبة، بأبٍ قاسٍ، وبأمٍ يقتلها الصمت والخوف. كانت تتظاهر بالقوة لأنها كانت تخشى أن تكون "لاشيء" إذا سقط الغطاء.
​قلت لها برحمةٍ حازمة:
— "المال إذا لم يحترم القانون، هدم البيت قبل الشارع. لكن الإنسان يستطيع دائماً أن يبدأ من جديد.. إذا قررتِ أن تكوني ابنة نفسكِ، لا ابنة خطأ غيرك".
​في اليوم التالي، جمعت الطالبات في الساحة. قلت لهن بصوتٍ لم أرفعه، لكنني عنيتُ كل حرف فيه:
— "نحن لا نحاكم بعضنا على ذنوب غيرنا. ومن تجرح زميلتها بكلمة، كأنها تضيف خطيئةً جديدة إلى ميزان الخطأ".
​تغيرت رند.. بهدوءٍ بليغ. اختفى الاستعراض، وحلّ مكانه صمتٌ صادق. صارت تجلس مع زميلاتها بهدوء، تقرأ نصوصاً أدبية لم تكن تلتفت لها من قبل، كأنها بدأت تبحث عن شيءٍ "لا يُشترى".
​حين صدر الحكم النهائي على والدها، غابت يومين، ثم عادت. ثياب بسيطة، دفتر تحت ذراعها، ووجهٌ شاحبٌ لكنه ثابت. نظرتُ إليها من بعيد، ولأول مرة لم أرَ "البريق" الزجاجي.. رأيتُ إنساناً.
​وقفتُ عند النافذة أراقب رند وهي تغادر باب المدرسة بخطواتٍ واثقة رغم بساطة ثوبها. تذكرتُ حينها أننا في العراق، كالنخيل، لا تزيدنا الرياح العاتية إلا تجذراً في الأرض. أغلقتُ سجلي اليومي، وفي قلبي يقينٌ جديد: أن المعلم الحقيقي ليس من يلقن الدروس، بل من يعيد صياغة الأرواح حين تكسرها الأيام.
​وضعتُ قلمي جانباً، ونظرتُ إلى الأفق... فغداً يومٌ جديد، وقصةٌ أخرى تنتظر من يرويها.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة


المزيد.....




- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 3 )