نعمة المهدي
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 22:55
المحور:
الادب والفن
الورقة الخامسة والاخيرة
جسر الذاكرة
في هذه الليلة، لم أهرع إلى الطاولة كعادتي..
وقفتُ طويلاً في منتصف الغرفة، كغريبٍ يقتحمُ بيتاً كان يألفه، فإذ بكل شيءٍ فيه قد تنكّر له.
الكرسيُّ في مكانه.. الساعةُ ترصدُ الثواني ببرود.. والكتبُ تحرسُ الرفوف بصمت.
لكنَّ الحياة..
آهٍ من الحياة، لقد غادرت هذا المكان منذ أمدٍ بعيد.
جلستُ أخيرًا، ببطءٍ يحمل ثقل السنين.
وضعتُ الورقة أمامي، ولم أمدّ يدي إلى القلم..
كنتُ أتأملُ "البياض"، وكأنه طريقٌ شاسعٌ قُدّر لي أن أقطعه وحيداً.
كم ورقةٍ استهلكتُ منذ رحيلكِ؟
لا أذكر..
كل ليلةٍ كنتُ أتوهم أنها الأخيرة، لكنَّ الليل كان يجيء..
ويجيء معه ذاك الذي في صدري، الذي لا يهدأ إلا إذا سكبته فوق السطور.
أمسكتُ القلم.. كان أثقل من كل مرة.
كتبتُ بمرارة:
"يا مَن تركتِ هذا البيت واسعاً كالصحراء.. لم أكتب هذه الخربشات لأحكي عنكِ."
توقفتُ.. تنهدتُ.. ثم ألحقتُها بـ:
"كتبتُها.. لأبقى معكِ."
الآن فقط، أدركتُ الحقيقة..
لم تكن هذه الأوراق طوق نجاةٍ من الغرق في الحزن، بل كانت الجسر الوحيد الذي يشدُّ ظلكِ إليّ.
كل كلمةٍ هي خطوةٌ نحوكِ.. كل سطرٍ هو صرخةٌ في وجه الصمت كي لا يبتلعكِ.
يظنون الكتابة حبراً على ورق..
لكنني عرفتُ أنها اللغة الوحيدة التي يخاطب بها القلبُ.. أولئك الذين فقدوا القدرة على الجواب.
رفعتُ رأسي.. الغرفة غارقة في سكونها.
الكرسيُّ المقابلُ ما زال شاغراً..
لكنَّ الفراغ هذه المرة بدا أقلَّ قسوة، كأنه ممتلئٌ بحضوركِ الخفي.
كتبتُ السطر الأخير:
"ربما سيقرأ أحدهم هذه الخربشات يوماً، وسيظنها زفراتِ رجلٍ وحيد..
لكنه لن يدرك أبداً، أن كل حرفٍ فيها كان محاولةً يائسة..
لأمنع قلبي من أن يموت.. قبلكِ."
وضعتُ القلم بهدوء..
طويلتُ الورقة كما يطوي المسافر خرائط رحلته، وأودعتُها قلب الدفتر العتيق.
أطفأتُ المصباح..
وقبل أن أغادر الزاوية، همستُ في عتمة الغرفة:
"غداً.. سأبدأ خربشةً جديدة."
فبعض الأحزان حين نسكنها، وتسكنا..
تصبحُ هي..
الحياة.
#نعمة_المهدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟