أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أيقاعات بصرية / 3














المزيد.....

أيقاعات بصرية / 3


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 22:23
المحور: الادب والفن
    


ميزان الفقد.. ساحة سعد

​في قلب البصرة، حيث الأرض عارية ككفٍّ ممدودة للسماء، تقف "ساحة سعد". لم تكن يوماً بحاجة إلى تمثال من برونز ليؤكد حضورها؛ فالحطام وخطى العابرين كانت نصبها التذكاري الدائم. ساحةٌ مفتوحة على المدى، خالية من شجر النخيل كأنها تأبى أن تواري سوأة الحرب بظلالها، لكنها محتشدة بانتظارٍ ثقيل، يربض فوق صدور الغرباء كجبل من ملح.
​هناك، في "الكراج الموحد"، تنبض المدينة بإيقاعٍ محموم؛ حافلاتٌ تنطلق كسهامٍ طائشة نحو الناصرية، العمارة، وبغداد، حاملةً في أحشائها أحلاماً مؤجلة وخوفاً مكتوماً. وعلى الحافة الأخرى، كانت جامعة البصرة تلقي بطلبتها في أتون الساحة، لتتحول العبارة الشهيرة "نلتقي يم ساحة سعد" إلى صلاةٍ يومية، أو ربما إلى مقامرة أخيرة مع القدر.
​لم تكن الحرب مجرد قصف، بل كانت "ساحرةً شريرة" تعيد تشكيل الوجوه؛ فالحافلات التي كانت تحمل ضحكات الطلبة وكتب "السياب"، صارت فجأة تتقيأ جنوداً ببدلات مرقطة بلون التراب المهزوم. في ظل عمود إنارة وحيد، يقف كشاهد قبرٍ معدني، كان يقف جندي شاب من بغداد. حقيبته العسكرية لم تكن تحتوي على ثياب فحسب، بل كانت محشوةً برائحة "الكاظمية" وشجون دجلة.
​بجانبه، كانت هي تقف؛ طالبة "الآداب" القادمة من سماوة النخيل والمثنى. تعثرت قدمها بشظيةٍ قديمة قررت أن تتدخل في سير التاريخ، فانحنى هو. لم يكن تعارفاً، بل كان "اصطداماً لغوياً" في زمن الصمت. سألها عن حالها، فسألته عن الجبهة، وكأن الحرب غيمةٌ عابرة ستنقشع مع أول ريح صرصر.
​صارت الساحة، بمرور الإجازات، "محراباً" لمواعيد غير معلنة. هو يحكي عن بغداد التي صارت بعيدة كحلم، وهي ترسم له مستقبلاً تكون فيه "مدرسة" تعلم الطلاب كيف يكتبون كلمة "سلام" دون أن يرتجف القلم. كانا يتحدثان بلغة "المستقبل المؤجل"، وكأن الرصاص الذي يئز في الجبهة ليس إلا عزفاً خلفياً لمسرحيتهما الخاصة.
​لكن الساحة، التي وصفتها هي بأنها "تحفظ الأسرار"، كانت في الحقيقة "تلتهمها".
​في إحدى الإجازات، صار الرصيف جمرةً تحت قدميها. انتظرت.. وراقبت كل حافلة قادمة من الشمال كأنها تبحث عن إبرة في كومة من البارود. مرّ الجنود أمامها كأشباحٍ مجهولة؛ منهم من يضحك بمرارة، ومنهم من يحمل جرحه كنيشان، ومنهم من عاد بصمتٍ أبدي. أما هو.. فقد ابتلعه "ثقب الساحة الأسود".
​سألت الجنود عن "اسمه الأول"، فضحكوا بأسى؛ ففي الحرب، الأسماء الأولى هي أول ما يسقط في الخنادق. لم تكن تعرف لقبه، ولا عنوان بيته في بغداد، كانت تعرف فقط "رائحة تبغه" و"نبرة صوته" حين يقول: "البصرة بخير ما دمنا نلتقي".
​بقت قصتهما معلقة في هواء البصرة المالح، يداً لوّحت في الزحام ولم تجد كفاً تتلقفها. ساحة سعد لم تكن مجرد مفترق طرق، بل كانت المقبرة التي دُفنت فيها الحكايات التي بدأت بابتسامة.. وانتهت بنقطة غامضة على خارطة الفقد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3


المزيد.....




- «العزم» يعلن مرشحيه لوزارتي التخطيط والثقافة
- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...
- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...
- فلسطين في قلب مهرجان الدوحة السينمائي 2026: حكايات الصمود وا ...
- الأحد المقبل.. الجامعة العربية تشارك في المؤتمر الثالث للثقا ...
- عداد بلا جمهور.. هل شاهد 43 مليونا فعلا فيلم إسرائيل المضاد ...
- معرض بيروت للكتاب: خريطة القلق اللبناني بين الذاكرة والحرب و ...
- كيف تورط الشاعر محمد الفيتوري في عملية اختطاف الإمام موسى ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أيقاعات بصرية / 3