أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 2














المزيد.....

ايقاعات بصرية / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 22:30
المحور: الادب والفن
    


ترنيمة الملح والحديد

​كانت السماء تمطر ناراً، ليس كالمطر الذي تعرفه المدن، بل كأن سقف العالم قد ثُقب وبدأ يصب صديد الغيب فوق رؤوس أهل البصرة. في تلك الساعة، لم يعد الإسفلت طريقاً، بل صار جمرةً ممتدة تبتلع أقدام "سليمة" الحافية. كانت تمشي في الأربعين من عمرها، لكن الحرب أضافت لملامحها قرناً من الزمان في ثوانٍ معدودات. شعرها المبعثر كان يشبه أغصان نخلة ضربتها الصاعقة، وعيناها.. آه من عينيها، كانت فيهما نظرة "المسّ"؛ ذلك الهوس الذي لا يراه إلا من فَقَدَ روحه وظل جسده يحوم في الطرقات.
​بيتها الذي كان يفوح برائحة الهيل وضحكات الصغار، صار في لحظة "شهقةً من غبار". صاروخٌ أعمى، لا يعرف الفرق بين جبهة القتال ومهد الطفل، قرر أن يحول سكينتها إلى ركام. كانت تصرخ بأسماء زوجها وولدها، ولم تكن صرختها صوتاً عادياً، بل كانت "خيطاً سحرياً" تحاول به اصطياد أرواحهم الهاربة من وسط الغبار الكثيف.
​في الأزقة، كانت البصرة تعيش مشهد "الحشر الأصغر". الناس يركضون وهم يحملون بقايا حياتهم؛ هذا يحمل طفلاً يرتجف، وتلك تضغط على مصحفها كأنه طوق نجاة، وآخر يتشبث بكيس خبز معجون بالدموع. كانت مدينةً تفرغ من أحشائها، لكن "سليمة" كانت تسير عكس التيار، كأنها النهر الذي يرفض أن يصب في البحر. كانت تحمل سؤالاً واحداً، لم تنطقه بلسانها فحسب، بل كان يخرج مع كل نبضة من قلبها: "أين هم؟".
​رأتها امرأة مسنّة، تجلس على الرصيف كأنها تمثال من طين الشط القديم، امرأة شهدت حروباً سبقت هذه الحرب بقرون. نظرت إليها وقالت بصوتٍ يشبه حفيف السعف اليابس:
— "لا تصرخي يا ابنتي.. المدينة كلّها صارت أماً تبحث عن ولدها. البصرة اليوم هي أنتِ."
​في تلك اللحظة، لم تكن الحرب تقتل الأجساد فحسب، بل كانت تحاول ذبح "الطمأنينة" بسكينٍ صدئة. الأسواق التي كانت تضج بالحياة صارت مقابر للمتاع، والمستشفيات تحولت إلى "محاريب للوجع الصاخب".
​وعندما بدأ النهار يلملم أذياله الخجولة، ووسط زحام الجراح في المستشفى المكتظ، وجدته. كان ابنها الصغير هناك، مستلقياً كعصفورٍ كسر الجناح، وشظيةٌ لئيمة قد انغرزت في ساقه الغضة. لم تصرخ حينها، بل غلفها صمتٌ مهيب. انحنت عليه، ضمت جسده الصغير إلى صدرها، وفي تلك اللحظة، حدث المعجز؛ أحسّت وكأنها بيديها هاتين، تعيد بناء كل طابوقة سقطت من بيتها، تعيد رصف أزقة البصرة، وترمم بؤس العالم.
​كان القصف مستمراً في الخارج، يهز أركان المدينة، لكن حضن "سليمة" كان المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تطالها الصواريخ. لقد أثبتت البصرة مرة أخرى، أن "الأمومة" هي المعدن الوحيد الذي لا ينصهر بنار الحرب، بل يزداد بريقاً تحت الرماد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -خانقاه بيارة- في كردستان العراق
- بن يونس ماجن: هطول غزير
- عاصفة غضب في مهرجان برلين السينمائي بسبب محاولات تهميش القضي ...
- -وقائع زمن الحصار-: فيلم يروي التفاصيل اليومية لحصار مخيم ال ...
- تنديد بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة بخلاف مواقفه م ...
- تنديدا بـ-صمت- مهرجان برلين السينمائي حيال غزة.. مخرجة فيلم ...
- المريخ في الأردن: حكايات الرمال التي عانقت خيال السينما
- 14 موقعا أثريا.. الاحتلال يصادر مناطق واسعة ببلدة سبسطية شما ...
- الشيخ عباس مقادمي.. صوت رمضان في الذاكرة السعودية
- غرّة رمضان.. قصة رحلة فتحت باب فردوس الأندلس لثمانية قرون


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ايقاعات بصرية / 2