أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 2














المزيد.....

خلف الباب الازرق / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


دفتر الغياب

​«ليست الأمكنة هي التي تُغيّر مصائرنا، بل اللحظة التي نُدفَع فيها إليها بلا خيار.»

​جاءوا به عند الظهيرة.
لم يكن يحمل شيئاً سوى كيسٍ بلاستيكي فيه قميصان وصورةٌ ممزّقة من المنتصف، تظهر فيها يدٌ مجهولة تمسك بكتفٍ غائب. سلّمه الشرطي إلى مسؤول الدار، وقّع في الدفتر بآليةٍ باردة، وانصرف.
​سأل المسؤول دون أن يرفع رأسه:
​الاسم؟
أجابت المرأة المرافقة بنبرة خفيضة:
​حسن.
​كُتب الاسم في أعلى الصفحة، ثم أُغلق الدفتر بصوتٍ مكتوم، كأنما أُغلق على حياةٍ كاملة. دخل حسن الغرفة وهو يلتفت خلفه، يرقب الفراغ، كأن أحداً سيناديه في اللحظة الأخيرة. لكنَّ أحداً لم ينادِ.
​في الأيام الأولى، كان ينام قرب الباب، يفرش انتظاره وسادةً له. كلّما فُتح الباب، اعتدل فجأة واتسعت حدقتاه. ثم تعلّم، مع مرور الصباحات الرتيبة، أن الأبواب في هذا المكان تُفتح لغيره دائماً.
​بعد سنة، صار حسن جزءاً من جغرافيا الدار؛ يعرف ملمس الجدران، وطريق الصف، ورائحة العيادة. كان هادئاً كظلٍّ، لا يطلب شيئاً، ولا يترك خلفه ضجيجاً. حين يتخاصم الأطفال، كان يجلس بعيداً، يراقب العالم بعينين واسعتين، كأنه يقرأ كتاباً لا يراه غيره.
​قالت المربّية "أم ليلى" ذات يوم وهي تراقبه:
​"هذا الولد قلبه كبير.. لكنه صامتٌ صمت القبور".
​كانت أم ليلى هي "الخيط" الذي يربطه بالحياة. تترك له أحياناً قطعة خبز إضافية، أو تربت على رأسه وهي تمرّ. لم يكن فعلاً عظيماً، لكن حسناً كان يجمع تلك اللمسات العابرة، ويخبئها في مكانٍ سرّي داخله، كما يخبئ الفقيرُ قطع الذهب.
​في الثانية عشرة، انكسر زجاج النافذة بكرةٍ طائشة. اتهمه الصغار خوفاً من العقاب. وقف حسن صامتاً، لم يدافع عن نفسه؛ فقد اعتاد أن العالم لا يصدق الضعفاء. وقبل أن يهوي عليه سوط التوبيخ، جاء صوت أم ليلى من خلف الرواق:
​"ليس هو.. كان قبالة عينيّ يقرأ".
​تلك الجملة البسيطة كانت أول "صك براءة" يناله من الحياة. في تلك الليلة، ظلّ مستيقظاً يحدق في السقف، وفكّر لأول مرة أن العالم ربما ليس غابةً تماماً، وأن هناك مَن يرى الحقيقة حتى لو لم تُقَل.
​منذ ذلك اليوم، تحول صمت حسن إلى فعل. صار يربط أحذية الصغار، يحمل عنهم الصحون الثقيلة، وينتظر دوره في كل شيء بصبرٍ غريب. كبر حسن دون أن ينتبه له أحد، تماماً كما تنمو الأشجار في الغابات البعيدة.
​في الثامنة عشرة، ناداه المدير. أعطاه كيساً فيه ملابسه الجديدة، وأوراقه، ومبلغاً بسيطاً.
قال له بلهجةٍ رسمية:
​"انتهت مدتك يا حسن.. اليوم تخرج رجلاً".
​خرج من الباب نفسه الذي استقبله طفلاً مكسوراً. توقّف قليلين، استنشق هواء الشارع الذي كان يخيفه يوماً. كانت أم ليلى تقف عند الزاوية، لوّحت له بيدها المتعبة، فابتسم حسن.. ومشى دون التفات.
​بعد أعوام طويلة، وفي ممر الدار البارد، علّقوا إطاراً جديداً بجانب الأضبارات القديمة. صورة لشابٍ بملامح هادئة يرتدي معطفاً أبيض، وتحتها لوحة نحاسية صغيرة:
(الدكتور حسن – أحد أبناء الدار).
​مرّ الأطفال الجدد تحت الصورة دون أن يعيروها انتباهاً؛ فالجوع واللعب كانا أهم. لكن أم ليلى، التي غزا الشيبُ رأسها، اقتربت ومسحت الغبار عن الزجاج بطرف كمّها، وقالت بهدوء وهي تبتسم للصورة:
​"كنتُ أعرف.. فالأماناتُ الجميلة لا تضيع أبداً".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2
- ليالي بغداد / 1


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 2