أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الهِبة














المزيد.....

الهِبة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 08:57
المحور: الادب والفن
    


حكاية الكرسي والملف الأصفر

ليست الدولة جدرانًا ومكاتب، بل قلوبٌ استودعها الله رحمة خلقه، وحين يجلس خلف الطاولة من لا يملك "الهِبة" ــ أي هبة العطاء قبل الجاه ــ يتحول الحكم إلى لعنة، ويصير التوقيع حبراً مالحاً يذيق الناس غصص الفقد.
​دفع "كامل بك" في سبيل المنصب ما لا يُدفع؛ باع قطعة أرضٍ ورثها عن أبيه، واستدان من صهره، ووعد السماسرة بنصيبٍ آجل، فقط ليصل إلى ذلك الباب الخشبي الثقيل الذي تعلوه لافتة نحاسية باردة: "مدير المديرية". لم يكن يراه تكليفاً أو أمانة، بل رآه "مُلكاً" عضوضاً. وفي ليلة صدور الأمر، ذبح خروفاً أمام بيته، فسال الدم في الزقاق الضيق واختلطت رائحته بالبخور والزعفران، بينما كان يربت على كتف كل مهنئ بزهوٍ مفرط قائلاً: "صار عدنا مُلك!"، نطقها كما لو أنه ورث إمبراطورية، لا دائرة خدمية متهالكة يعشش الحزن في ممراتها.
​في صباحه الأول، جاء متأخراً في سيارة مظللة ونظارة داكنة تمنعه من رؤية الوجوه الشاحبة المصطفة عند الباب. هناك، كانت الأرامل والمطلقات وعجائز يحملن ملفات صفراء مطوية بعناية كأنها بقايا أعمارهم، ينتظرون حبراً صغيراً قد يفتح بيتاً أو يسد جوعاً. دخل كامل بك مكتبه، وكان أول ما طلبه ستارة سميكة تحجب الضوء، ومكيفاً يجمّد المشاعر قبل الهواء، وصورة له بإطار ذهبي براق، ثم قال للفراش بلهجة آمرة: "لا يدخل أحد بدون موعد.. إلا المعقبين الذين تعرفهم".
​صار التوقيع عنده سلعة؛ يدٌ تدفع ويدٌ توقّع، أما من جاء بحقه المجرّد، فليجلس وينتظر، فالانتظار في عرفه لا يكلف الدولة شيئاً. وفي منتصف نهارٍ قائظ، دخل "سعدون"، وهو موظف قديم اشتعل رأسه شيباً لكن قلبه لم يصدأ، وضع ملفاً قديماً مربوطاً بخيط صوف أمام المدير وقال بصوت وقور: "أستاذ .. هذه الورقة لا تحتاج إلا لثانية من وقتك، إنها تخص تلك المسنة القابعة بالخارج منذ الفجر، تريد توقيع تقاعد زوجها المتوفى".
​لم يرفع كامل بك عينيه عن هاتفه، وأجاب ببرود: "قلتُ لك يا سعدون، الأمور لا تمشي هكذا، هناك سياق إداري وأولويات". اقترب سعدون من المكتب وقال بلهجة محذرة: "الأولوية لدموعها يا سعادة المدير، الإمام الصادق (ع) يقول: زكاة المنصب خدمة الآخرين، وأنت اليوم تدخر منصبك لنفسك وتنسى أننا أجراء عند هؤلاء الناس لا أسياد عليهم". ضحك كامل بك ضحكة جافة وقال متهكماً: "أنت عاطفي يا سعدون، ولهذا بقيت في درجتك ثلاثين عاماً، الهيبة هي أن يرتجف الناس قبل الوصول إلينا". ثم ضرب المكتب بيده وصاح: "خذ ملفك واخرج، لن أوقع شيئاً إلا لمن أقتنع به أنا".
​خرج سعدون مكسور الخاطر، ومرّ بالعجوز التي كانت تسعل بهدوء وتضم الملف إلى صدرها، أومأت برأسها له كأنها اعتادت الرفض، وبقيت. مرت ساعة وساعتان، الشمس تحركت فوق الزجاج، والموظفون خرجوا وعادوا بضحكاتهم، بينما كامل بك في الداخل يبرم صفقاته عبر الهاتف ويقهقه بقوة، لم يسمع أنفاس العجوز المتقطعة خلف الباب، فالمال والجاه يصمان الآذان.
​انتهى الدوام، أُغلقت الأدراج، ولبس الموظفون ستراتهم للرحيل. مر أحدهم بمقعد العجوز، حرك كتفها برفق ليخبرها أن الوقت قد حان، فمال جسدها الهزيل إلى الجانب خفيفاً.. خفيفاً جداً، كأن الروح غادرت منذ وقت طويل. لم تكن نائمة، كانت قد ماتت والملف لا يزال في يدها، بلا توقيع.
​انتشر الخبر كريح حزينة، ووصلت الشكاوى إلى القمم، فجاءت اللجان والتحقيقات. وبعد أشهر قليلة، خرج كامل بك من الباب نفسه، بلا سيارة، بلا حرس، وبلا لقب. سقطت الصورة المذهبة، وصارت الستارة لغيره. وقف في الطابور نفسه الذي كان يزدريه، وحين رآه الفراش، لم يناده "سعادة المدير"، بل قال بجفاء: "تفضل يا حاج.. انتظر دورك".
​كلمة "حاج" جردته من مملكته الزائفة. وفي المساء، جلس في مقهى شعبي منزوٍ، سمع شاباً يقول لصاحبه: "أرأيت كيف زال ملكه؟ من لا يملك الهِبة والرحمة لا يستحق الكرسي". ارتجف قلب كامل بك، وتراءت له صورة العجوز والملف الأصفر، فهمس لنفسه بمرارة وهو يجر أذيال الخيبة:
"إذا مَلِكٌ لم يكن ذا هِبَةٍ... فدعهُ فدولتهُ ذاهبة"
ومشى في الزقاق وحيداً، كأن الدولة لم تعرف اسمه يوماً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7


المزيد.....




- في اليوم الأول: غزة تُحاكم مهرجان برلين السينمائي 76
- جوانب من القيم الأخلاقية والتجارية في كتاب -حكم وأمثال في ال ...
- 8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد عقدة.دمنهو ...
- عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصر ...
- -محرقة آل مردوخ-.. كيف دمّر إمبراطور الإعلام كل ما أحب في سب ...
- -ملكة القطن- السودانية واسطة عقد مهرجان أوتاوا السينمائي
- إختلرنا لك:8 مقاطع هايكومترجمة للفرنسية :الشاعر والكاتب محمد ...
- من القاهرة التي لا تنام للجزائر المقاومة: كيف صنعت السينما و ...
- افتتاح مهرجان برلين السينمائي وصرخة عربية في البانوراما
- رحيل سعيد السريحي ناقد الحداثة في المشهد الأدبي السعودي


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الهِبة