أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 4














المزيد.....

خلف الباب الازرق / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 11:17
المحور: الادب والفن
    


توقيعٌ على بابِ الذاكرة

​جاؤوا به مع الفجر. كانت الحقيبةُ على ظهره تبدو كبيتٍ ثقيل، يشدُّ أحزمتها بكلتا يديه كأنه يخشى أن يطيرَ العالمُ من حوله ولا يبقى له سواها.
سلّمه رجلٌ نحيلٌ بملامح مُجهدة إلى الإدارة، وقّع في السجل الرسمي، وقال بكلماتٍ تشبه النعي:
— "مات أبوه وأمه في حادث.. لم يبقَ له أحد."
​هزَّ المديرُ رأسه بصمت، غمس ريشته في الدواة وكتب بخطٍ روتينيّ جاف:
الاسم: سيف. أُغلق الدفتر، فصارت لسيف حياةٌ جديدة خلف الأبواب المغلقة.
​في الأيام الأولى، كان سيف "نقطةً" وحيدة في سطرٍ طويل. لم يكن يشكو أو يطلب شيئاً. كان إذا فرغ الصغار من ضجيج اللعب، انزوى قرب سريره وفتح الحقيبة.
لم يكن يقلّب الدفاتر، بل كان يرتّبها بهندسةِ مَن يبني جداراً. يمسح الغبار عن أغلفتها بطرف كُمّه، ويمرر يده عليها بحنانٍ كأنه يطمئن على نبضها.
كانت المدرسة في مخيلته ليست صفوفاً، بل هي ذلك الدفتر الذي يمكن إغلاقه وحمله في القلب.
​في الصف، كان الزحامُ سيد الموقف؛ دفاتر ممزقة، خطوطٌ متعثرة كخطوات سكران، وأقلامٌ تئنّ تحت ضغط الأصابع المتعبة. أما سيف، فكان يكتبُ بوحيٍ خاص.
يرسمُ الحرفَ رسم الصائغ لقطعة الحليّ؛ الألفُ رمحٌ مستقيم، والنونُ كأسٌ يفيضُ بالتوازن، والنقطةُ تقعُ في مكانها كأنها قدَرٌ لا يُردّ.
​ذات يوم، تجمّد الظلُّ خلفه. كانت المعلمة تراقبُ انسياب الحبر على الورق.
— "أهذا خطُّك يا سيف؟"
أومأ برأسه خجلاً.
ابتسمت وقالت بذهول: "خطُّك أجمل من خطّي." تلك الجملة لم تكن مجرد مديح، كانت "صكّ ملكية". في تلك الليلة، لم ينم سيف؛ ظلَّ يغزلُ الكلمات في رأسه. منذ تلك اللحظة، تحول القلمُ من أداةٍ للكتابة إلى مِشرطٍ يعيدُ تشكيل واقعه.
​صار سيف "خطّاط الدار". يكتبُ أسماء الغرف، وعناوين الرسائل، ولوحات الإعلانات.
صار له مكانٌ ثابتٌ على الطاولة الكبيرة، يتنحى له الجميعُ احتراماً لقلمه. ولأول مرة، شعر أنَّ له أرضاً صلبة لا يمكن لأحدٍ أن يزيحه عنها، أرضاً مساحتها ورقة بيضاء.
​حين تخرّج من المتوسطة، دفعته المعلمة نحو "معهد الفنون الجميلة". قالت له وهي تشدُّ على يده:
— "لا تبتكر شيئاً جديداً.. فقط اكتب بقلبك كما تفعل دائماً." دخل قاعة الامتحان يحمل قلمه كأنه يحمل مصيره. خرج صامتاً، وبعد أسبوعٍ واحد، اهتزت ردهات الدار بخبرٍ رسمي:
"قبول الطالب سيف في قسم الخط والزخرفة." ناداه المدير: "مبروك يا أستاذ".
ارتبك سيف من اللقب، لكنه شعر بجذعِ روحه يستقيم لأول مرة.
​صار سيف يحمل حقيبتين؛ واحدةً لملابسه التي تتسخُ بعرق السعي، وأخرى لدفاتره التي تظلُّ ناصعةً كأنها لم تُلمس. كان يمشي في الزحام بحذر، كأنما يخشى أن يسقط الحبرُ من مسام جلده.
​في الثامنة عشرة، قرع مدير الدار جرس الرحيل:
— "انتهت سنوات الرعاية يا سيف.. لكنَّ دراستك مستمرة. اذهب وأكمِل رسم مستقبلك."
لم يبكِ سيف. لم يشعر أنه يُطرد، بل شعر أنه "قصيدة" انتهت لتبدأ في ديوانٍ أكبر. جمع حاجياته، ودّع سريره بلمسةٍ سريعة، ومضى والحقيبةُ تحت إبطه.
​بعد سنواتٍ طويلة، خضعت الدارُ للترميم. تغيّر الطلاءُ، وتغيرت الوجوه، وعُلقت فوق البوابة الرئيسية لافتةٌ خشبيةٌ فارهة، محفورةٌ بخطٍ ثلثٍ رصين، يجمع بين القوة والعذوبة:
[ دار الأمل لرعاية الأيتام ] وفي الزاوية السفلى، كان هناك توقيعٌ صغيرٌ مأنوس: "سيف".
مرَّ الأطفالُ الجدد تحت اللافتة وهم يركضون نحو أحلامهم المجهولة، لم يلحظوا التوقيع. لكنَّ "المشرفة القديمة" وقفت طويلاً، رفعت يدها المرتجفة، ولمست الحروف بأصابعها، ثم همست والدمعُ يلمع في عينيها:
— "ما زال الخطُّ هو نفسه.. لكنَّ الحروف اليوم نبتت لها جذور."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3


المزيد.....




- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟
- صدور ديوان شعري جديد للكاتبة والشاعرة المبدعة آمال بن الطاهر ...
- هل المصريون أحفاد الفراعنة؟.. دراسة أمريكية تثير الجدل من جد ...
- موسكو تستضيف مهرجان -سابانتوي الصداقة والوحدة- في احتفالية ث ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 4