أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 6














المزيد.....

خلف الباب الازرق / 6


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 16:49
المحور: الادب والفن
    


العودة من الجهة الأخرى

​بعض الطرق لا نغادرها حقًا.. نحن فقط نلتفّ حولها لنصل إليها من الجهة الأخرى.

​جاءوا بها عصرًا. كانت نحيلةً أكثر مما يرتديه جسدها من قماش، تحمل في يدها ملفًا كرتونيًا مهترئًا، يضمّ بقايا أوراق مدرسية وشهادة وفاة مطوية بعناية مُوجعة. سلّمتها امرأة من أقاربها إلى الإدارة على عجَل، وكأنها تخشى أن يباغتها قلبها فيعدل عن قراره.

​– اسمها "مريم".

​دُوّن الاسم في السجلّ. فُتحت الأضبارة. ثم أُغلق الباب الأزرق خلفها.

لم يرتدَّ صدى الصوت في الممر قدر ما ارتدَّ في صدرها. في تلك اللحظة، ترسّخ في يقينها الصغير أن الأبواب في هذا العالم خُلقت لتُغلق على الناس، لا لتُفتح لهم.

​في أيامها الأولى، كانت مريم تراقب أكثر مما تتكلم. تجلس مسندةً ظهرها إلى حائط الساحة، تتابع الصغار وهم يتشاجرون ثم يتصالحون قبل أن يجفّ عرقهم. كانت تندهش: كيف يملكون ترف النسيان بهذه البساطة؟

​هي لم تكن تنسى. كانت مخازن ذاكرتها ممتلئة: الكلمات، النظرات العابرة، وحتى الصفعات التي لم تكن لها. وفي الليل، حين يعلو نحيب أحد الصغار مناديًا أمّه حتى يغلبه التعب، كانت مريم تقترب بسكون. تجلس قربه، لا تنطق بكلمة، بل تمسح على كتفه بانتظامٍ رتيب.

​سكت الطفل الأول. ثم تبعه طفل آخر في ليلة تالية. صاروا، دون اتفاق، يبحثون عن ركنها ليناموا بسلام. لم تكن تعرف لماذا يهدأون، لكنها كانت تشعر أن روحها تتسع قليلاً كلما سكنت غصّة أحدهم.

قالت لها المشرفة ذات يوم وهي تبتسم:

– "يبدو أنكِ ستكونين طبيبة نفسية في المستقبل".

​لم تفهم مريم المزحة، لكن كلمة "نفسية" بقيت تدور في رأسها كتعويذة.

​كبرت مريم بهدوء يشبه نمو اللبلاب على الجدران القديمة. قرأت كل ما طالته يدها، كتبت واجبات الصغار، وأصغت لمشاكلهم بوقارٍ يفوق عمرها. لم تكن الأقوى صرخةً، ولا الأذكى في الدروس، لكنها كانت تمتلك موهبة "الإصغاء الصبور".

​في الثامنة عشرة، وقفت أمام الباب الأزرق حاملةً حقيبة صغيرة وورقة قبول في كلية الآداب – قسم علم النفس. لمست الخشب البارد بطرف أصابعها، كأن بينهما سرًا لا يفهمه العابرون. ثم مشت. وهذه المرة.. لم تسمع صوت ارتطام الباب خلفها.

​مرّت السنوات كأنها فصول في رواية سريعة. تخرّجت، توظّفت باحثة اجتماعية، ثم مشرفة. تنقلت بين دور الرعاية، وكان الأطفال يلتفون حولها كأنها مغناطيس للطمأنينة. سألها مديرها ذات مرة:

– "من أين تبتكرين كل هذا الصبر معهم؟"

ابتسمت ولم تجب. السرّ لا يُقال، السرّ يُعاش.

​بعد زمن، وصلها الكتاب الرسمي: «تعيين السيدة مريم... مديرةً لدار الأمل لرعاية الأيتام».

قرأت الاسم مرتين. شعرت أن الجدران هناك تناديها بأسماء قديمة.

​في صباح هادئ، وقفت أمام المبنى. نفس الجدار، نفس الشجرة التي شاخت قليلًا، ونفس الباب الأزرق الذي بهت لونه تحت شمس السنين، لكن الخدوش التي تركتها الأظافر الصغيرة بقيت في مكانها. مدّت يدها ولمسته؛ كان باردًا كما تذكرته تمامًا.

​دخلت. الممرات أضيق مما كانت تظن، وللمطبخ ذات الرائحة التي تمتزج فيها التوابل بالوحدة. في الساحة، كان هناك طفل يجلس وحيدًا ويبكي. تقدمت نحوه بهدوء، جلست قربه، ومسحت على كتفه. سكت الطفل بعد دقائق، فنظرت مريم إلى كفّها وابتسمت.

​فهمت أخيرًا أن الطريق لم يكن مستقيمًا ليهرب منها، بل كان دائريًا ليعيدها.

لم يكن الباب قد أُغلق عليها يومًا.. كان فقط يدور بها، لتعود وتفتحه هي للآخرين من الجهة الأخرى.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5


المزيد.....




- ممدوح حمادة خلف الكاميرا للمرة الأولى.. رحلة طويلة من سلسلة ...
- -عودة الأصالة-.. صورة الفنانة السورية أصالة تعود إلى قلب ساح ...
- نقابة الفنانين السوريين تفتح باب العودة لفضل شاكر.. ودعوة رس ...
- الممثلون يبدون أصغر سنًا على الشاشة.. هل يفسد ذلك تجربة الأف ...
- العائلة السعيدة: فيلم عن الفقر في سويسرا الغنية
- الكاميرا التي لم تسقط: هاني جوهرية في الذكرى الخمسين.. من تأ ...
- أهلاً بكم في -كي-كون-.. أحد أكبر مهرجانات موسيقى الـ-كي بوب- ...
- الأردن يودع الفنان فؤاد حجازي
- الصين ضيف شرف في معرض موسكو الدولي للكتاب
- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 6