أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 5














المزيد.....

خلف الباب الازرق / 5


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 23:08
المحور: الادب والفن
    


الجيب الفارغ
​
​جِيءَ به عند الغروب، بوجهٍ متجهمٍ يفيضُ عن حاجة طفلٍ في العاشرة. كان يمشي بخطواتٍ واثبة كمن يتأهبُ لنزالٍ مع الهواء. سلّمه الشرطي للإدارة في ورقةٍ مقتضبة: "الأب في السجن.. سرقات، والأم.. توفيت".
​هزّ المسؤول رأسه بآلية، وخطّ القلمُ اسمه على الورق: مروان.
​لم يرمق مروان أحداً بنظرة. ظلّ واقفاً ويداه غائرتان في جيبيه، كأن العالم كله يترصدُ لسرقة شيءٍ منه. في أسبوعه الأول، خاض ثلاث معارك؛ مرةً لأن أحدهم ضحك، وأخرى لأن غريباً مسّ طرف سريره، وثالثةً لسببٍ لم يدركه أحد سواه.
​قال المشرف بضيق: "هذا الولد.. لغمٌ موقوت". ومنذ ذلك التصريح، صار اسم "مروان" هو الإجابة الجاهزة لكل الأسئلة العالقة. إذا تحطمت نافذة، أو فُقد قلم، أو ساد هرجٌ في الممرات، كان النداء الأول: مروان!
​في البداية، كان يدافع بمرارة الصدق. ثم صار يلوذ بصمتٍ مطبق. وحين اختفت ملعقة من المطبخ، فتشوا جيبيه ولم يجدوا سوى الفراغ، لكنهم صفعوه "احتياطاً". قال المشرف وهو يمسح كفه: "تأديبٌ استباقي.. لكي تتعلم".
​لم يفهم مروان ما الذي يتعلمه، لكنه أدرك يقيناً أن الصفعة قدرٌ محتوم، سواء كان كفُّه طاهراً أم ملوثاً. في تلك الليلة، تسلل إلى المطبخ وسرق ملعقةً فعلية، دسّها تحت وسادته ونام. لم يكن بحاجتها، لكنه أراد ألا يكون "كاذباً" في المرة القادمة التي يُتّهم فيها.
​كبر مروان، وصار أخفّ حركةً من ظلّه. تعلم كيف يداعب الأقفال بصمت، وكيف يعيد الأشياء إلى أماكنها دون أن يترك أثراً للغبار. لم يعد يدافع عن نفسه؛ بل كان يواجه الاتهامات بابتسامةٍ باردة.. ابتسامةٍ لا تصل إلى عينيه.
​في الخامسة عشرة، صار "اليد اليمنى" لعامل المخزن. ينقل الصناديق، يرتّب الرفوف، ويحمل المفاتيح التي ظنوا أنها أمانٌ في يده. لم يلحظ أحدٌ أن المراقَب الدائم هو الأكثر قدرةً على التخطيط، لأن العيون التي تنظر إليه كـ "تُهمة" لم تره قط كـ "عقل".
​في ليلة شتوية عاصفة، انقطع التيار الكهربائي. غرق الدار في ظلامٍ كثيف لدقائق معدودة. في الصباح، كان درج الإدارة مخلوعاً ببراعة؛ نقودٌ قليلة، ساعةٌ قديمة، وبعثرة توحي بالرحيل.
​تعالى النداء المعتاد: "مروان!". لكن الصدى كان هو الرد الوحيد.
​ساد الصمت في الممرات. كان سريره مرتباً بعناية باردة، والوسادة خالية من أي أثر. أما الجيب الذي لطالما اتهموه بالامتلاء، فقد تركه خلفه فارغاً تماماً.. كأنه أفرغ فيه كل ما تبقى له من صلة بهذا العالم.
​وفي الخارج، تحت أضواء الشوارع الباهتة، كان هناك "مروان" جديد يولد.. صبيٌّ لا يملك شيئاً في جيبه، لكنه يملك في عقله خريطةً لكل الأبواب التي أُغلقت في وجهه، وفي قلبه يقينٌ مرّ: أن العالم لا يصدق البريء حتى يسرق.
​أغلق الحارس الباب الأزرق، وأطفأ الضوء، غير مدركٍ أن الذي رحل بالأمس كـ "مشكلة"، سيعود غداً كـ "كارثة".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4


المزيد.....




- توم كروز في مأزق!.. هل يتحول فيلمه الجديد إلى أحد أكبر إخفاق ...
- حفل وكتاب يُخلد إرث المخرج المسرحي الراحل عوني كرومي
- انطلاق ملتقى -زمن الأبطال - للأفلام الوثائقية في عمّان
- غارفيلد يتخلى عن تشات جي بي تي بعد تجسيد ألتمان في فيلم أرتي ...
- عمان.. ملتقى زمن الأبطال للفيلم الوثائقي
- معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستع ...
- مركز الفنون والثقافة يدشن فعاليات مسابقة سميرة عبده في فن «ا ...
- -مسألة حياة أو موت- يمثل السعودية في سباق الأوسكار لأفضل فيل ...
- أيام قرطاج الموسيقية… الموسيقى تغادر القاعات إلى الشوارع وال ...
- ثقافة تنطلق من الخيام.. الكتب الناجية من الركام في غزة تتحول ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 5