أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة














المزيد.....

خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 15:05
المحور: الادب والفن
    


ظلان عند الباب الأزرق

«ليست الأمكنة هي التي تُغيّر مصائرنا، بل اللحظة التي نُدفَع فيها إليها بلا خيار.»
وصلا في اليوم نفسه الى دار الايتام .
سيارةٌ قديمة توقّفت أمام الباب الأزرق، ونزل منها طفلان. أحدهما كان يضمّ إلى صدره كيسًا بلاستيكيًا كأنه يخبئ فيه بقايا وطن، والآخر يتأبط دفتراً مدرسياً مهترئ الحواف. لم يكونا يعرفان بعضهما، لكنَّ عتبة الدار جعلتهما "شريكين" في لحظةٍ واحدة.
سأل مسؤول الدار الأول بآلية:
"اسمك؟"
"علي".
والثاني:
"مصطفى".
دُوّن الاسمان في الصفحة نفسها من الدفتر القديم. سطران متجاوران تفصل بينهما مسافة حبرٍ بسيطة، ثم أُغلِق البابُ خلفهما معًا، لتبدأ رحلة السنين الطويلة.
في الغرفة ذاتها ناما؛ سريران متقابلان يفصل بينهما ممرٌّ ضيق وصمتٌ ثقيل. في الليلة الأولى، بكى مصطفى بصوتٍ مخنوق تحت غطائه، أما علي، فكان يحدّق في سقف الغرفة بعينين جامدتين، كأنه يحفر ثقباً للهروب قبل أن يغلبَه التعب.
بعد أيام، بدأ الاختلافُ ينبتُ في التفاصيل الصغيرة. صار علي يتشاجر كثيرًا؛ يرى في كل نظرةٍ تحدياً، وفي كل قانونٍ قيداً يجب كسره. أما مصطفى، فكان يلوذ بالنافذة، يرسم على هوامش دفاتره مربعات صغيرة، ويكتب اسمه بخطوطٍ مرتبة، كأنه يحاول تثبيت هويته قبل أن تمحوها الأيام.
في الصف، كان علي يملّ من الحروف؛ يمزّق الأوراق ويرمي الأقلام، وعيناه معلّقتان بالخارج أكثر مما تنظران إلى السبورة. قال المشرف عنه يوماً: "هذا الولد لا يهدأ.. في قلبه عاصفة لا سكن لها". أما مصطفى، فكان ينتظر نهاية الدروس ليساعد المعلم في ترتيب الفوضى، يفعل ذلك بصمتٍ يشبه صلوات النساك.
كبر الاثنان كما تكبر الأشجار في اتجاهين متضادين.
علي صار أصلب، صوته يخرج كحفيف الحجر، وتعلّم كيف يفتح الأقفال ويقفز فوق السور الخلفي ليعود بجيوبٍ ملأى بالأسرار. أما مصطفى، فغدت الكتبُ وطنه البديل؛ يقرأ في الساحة، وفي الممرات، وحتى تحت البطانية إذا انطفأت الأنوار.
قال له علي مرة وهو يبتسم بسخرية:
"ماذا ستفعل بكل هذه الورق؟ العالم في الخارج يحترم القوة يا مصطفى، لا الحبر".
ابتسم مصطفى بهدوء:
"ربما أخرجُ من هذا المكان فوق جسرٍ من الورق".
هزّ علي كتفيه:
"أما أنا.. فسأخرج بقدمي، ولن أنظر خلفي أبداً".
في الثامنة عشرة، غادرا في الشهر نفسه.
خرج علي أولاً؛ تسلّم كيسه الصغير، ركل حصاةً بقدمه في الشارع، ومشى دون أن يودّع حتى السرير الذي احتواه. بعد وقتٍ قصير، تسرّبت أخبارٌ عن تورطه مع عصابات تجار السوق السوداء ، ثم غرق اسمه في بحر النسيان.
بعد أسبوع، خرج مصطفى. وقف لحظةً أمام الباب الأزرق، لمسه براحة يده كما لو كان يودّع شاهداً صامتاً، لوّح للمشرفة بامتنان، ومشى ببطءٍ نحو غدٍ رسمه بيده.
بعد سنوات، وصلت إلى الدار رسالةٌ مرتبة:
«تم قبولي في كلية التربية وسوف اصبح مدرسا في سلك التعليم . أمانتي وصلت يا سيدي.» التوقيع: مصطفى.
علّقوا الرسالة في لوحة الإعلانات. وفي صباحٍ شتوي، فتح مسؤول الدار الدفتر الذي اصفرّت أوراقه وتآكلت حوافه. رأى السطرين المتجاورين اللذين لم يبرحا مكانهما منذ سنين:
(علي - مصطفى).
مرّر إصبعه المرتجف فوق الاسمين، ثم رفع رأسه نحو الساحة حيث كان الصغار الجدد يركضون. كانوا يتشابهون في كل شيء؛ في الثياب، وفي الندوب، وفي أحلام النجاة..
لكنه رأى ظلالهم على الأرض تتباعد، كلُّ ظلٍّ يرسم مساراً مستقلاً، كأنما الأرض تضيق بظلين يسيران في الطريق نفسه.
أغلق الدفتر بهدوء.. وأغلق الباب .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة