أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - عقاربُ البيتِ الواقفة














المزيد.....

عقاربُ البيتِ الواقفة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 22:40
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​حكاية امرأةٍ تأخّر صوتها… وبنتٍ دفعت ثمن السؤال.
​ليست كل البيوت سجوناً، لكن بعض القلوب تضيق جدرانها حتى يصبح الهروب منها ضرورةً تسبق غريزة البقاء.
​كانت "دربونة الشيخ عمر" في الكرخ تستيقظ كل صباح على الإيقاع الرتيب ذاته؛ نداء بائع اللبن المبحوح، صرير الأبواب الخشبية التي شاخت مفاصلها، ورائحة الخبز الحار التي تملأ الأزقة الضيقة. وجوهٌ اعتادت أن ترى بعضها حتى تآكلت ملامحها وصارت جزءاً من جغرافيا المكان. كل شيء يتكرر، كأن الحيّ يعيش على ذاكرة واحدة تأبى أن تشيخ.
​في نهاية الدربونة، يقف بيت الحاج عبد الجليل؛ بناء قديم بطابق واحد، يتسرب من سقفه المغطى بصفائح "التنك" صمتٌ ثقيل. كان أهل الحي يقولون: "هذا البيت لا يقوم إلا على كلمة رجل"، وكان الحاج يرددها بفخرٍ مغلف بالصرامة: «الدار ما تمشي إلا بالشدة.»
​أمينة كانت تعرف ثمن هذه الجملة أكثر من اسمها. خمسة وعشرون عاماً وهي تعيش تحت وطأة هذا "الظل". تستيقظ قبله، تعدُّ الشاي قبل أن يفتح عينه، وتؤجل حزنها الصغير إلى ما بعد شخيره العميق. لم تكن حياتها سيئة بما يكفي للشكوى، ولا جيدة بما يكفي للفرح؛ كانت فقط... طويلة ومكررة.
​أما ابنتها زينب، فكانت "النشاز" الجميل في هذا اللحن الرتيب. تمشي بسرعة، تتكلم بحدة، وتحمل كتب الجامعة كأنها درعٌ تقاتل به قدراً محتوماً. قالت مرة لأمها:
— «يمّه، ليش كل شي لازم بإذن؟ حتى النفس؟»
ابتسمت أمينة ابتسامة باهتة: «هيچ الدنيا ماشية يا بنتي.»
ردت زينب بإصرار: «مو لازم تبقى هيچ.»
​جاء القشة التي قصمت ظهر الاستقرار حين رفض الحاج تعيين زينب مدرسةً، بحجة أن "البيت أولى". في تلك الليلة، سمعت أمينة نشيج ابنتها المكتوم، وضمتها إلى صدرها، فهمست البنت بكلمات كانت أمضى من السكين: «يمّه.. ما أريد أصير أنتِ.»
​مع فجر الجمعة، رحلت زينب.
استيقظت أمينة لتجد فراشاً مرتباً بعناية مستفزة، خزانةً خاوية إلا من صدى الغياب، ونافذةً مواربة سمحت لنسمة غريبة بالدخول. لم يكن رحيلاً صامتاً في بدايته؛ ضجّ البيت بصرخات الحاج المكتومة، طرقت أمينة أبواب الجيران بقلبٍ يرتجف، فتشوا في بيوت الأقارب، سألوا في أزقة الكرخ الضيقة، وعيون الناس تلاحقهم بأسئلة جارحة. عاد الحاج منكسراً، يجرّ خلفه خيبته أمام الحيّ الذي طالما حكمه بكلمته.
​منذ ذلك اليوم، تغير صوت البيت. صار الأكل بلا طعم، والكراسي بدت أوسع وأكثر فراغاً. كانت أمينة تضع صحناً ثالثاً كل مساء بدافع العادة، ثم تعيده بدمعٍ صامت. والحاج، الذي انكسر كبرياؤه، كان يحدق في الباب ويردد بصوتٍ متآكل: «ترجع.. أكيد ترجع.»
​بعد شهر، وصلت الرسالة. خطّ زينب كان واضحاً ودافئاً: «يمّه.. ما هربت منكم، هربت من حياتي لو بقيت. أريد أن أجرب العيش بطريقتي. لا تخافين عليّ.» قبّلت أمينة الورقة، أما الحاج فقرأها طويلاً، ثم طواها بصمتٍ يشبه صمت القبور.
​لكنَّ القدر كان يخبئ فصلاً أخيراً. مساء شتائي كئيب، طرق الباب موظفٌ رسمي يحمل أخباراً عن حادث باص على طريق الحلة. في المستشفى الحكومي، حيث تفوح رائحة الموت، تسلمت أمينة كيساً يضم مقتنياتها.. ساعة اليد ذاتها التي أهدتها لزينب.
​لم يكن الوداع سهلاً. وقف الحاج خلف زجاج المشرحة، لم يقوَّ على لمس الجثة، اكتفى بنظرةٍ واحدة ذبحت فيه ما تبقى من جبروت. جرت مراسيم الدفن في صمتٍ مطبق؛ ترابٌ يُهال على حلمٍ لم يكتمل، ودموعٌ لا تجرؤ على البلل.
​في طريق العودة، كانت بغداد تمر من خلف نافذة السيارة كأنها شريط سينمائي قديم. محلات، جسور، وحياة لا تتوقف لموت أحد. حين وصلا، كانت "الدربونة" كما هي، بائع الخضار ينادي والأطفال يركضون. جلس الحاج على مصطبته المعهودة، وضع الساعة في كفه، وظل يحدق في عقاربها المتوقفة. لأول مرة، أدرك أن البيت الذي "شدّه" بقبضة من حديد، قد انفلت من بين أصابعه إلى الأبد.
​في الداخل، وقفت أمينة عند النافذة، فتحتها على مصراعيها، وعلقت رسالة زينب على الجدار قرب السرير. كانت الورقة تتحرك مع الهواء، كأنها كفٌ تلوح بالوداع.
همست أمينة بمرارة مشوبة بالرضا: «روحي يمه.. لا تعيشين في ظل أحد.. حتى لو بقيت أنا في هذا الظل وحدي.»
​بقي الحاج على المصطبة ينتظر.. باباً لن يُطرق، وخطوةً لن تعود. صار البيت أوسع مما ينبغي، وأبرد مما يُحتمل. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت يسير بكلمة رجل.. بل بكرسيٍ فارغ، وساعةٍ متوقفة، ونافذةٍ مفتوحة على غيابٍ لا ينتهي.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8


المزيد.....




- قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في ...
- معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي ...
- يكلمني -كنان- ويكتبني الوجع.. كيف يواجه شعراء غزة -رواية الد ...
- مهند قطيش يكسر صمته: -الدجاج السياسي- شهادة فنان عن جحيم صيد ...
- بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. فيلم -مادلين- يوثق كواليس اختطاف ...
- من -لوليتا- إلى -بقعة ضوء-.. أشباح إبستين في الخيال الغربي
- الفن الذي هزم الجغرافيا.. فنانة فنزويلية تحترف -الإبرو- التر ...
- تركيا تحظر حفلات موسيقى الميتال في إسطنبول بسبب القيم المجتم ...
- بمشاركة سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.. تركي آل الشيخ يكشف عن ال ...
- الكشف عن سبب وفاة الممثلة الشهيرة كاثرين أوهارا


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - عقاربُ البيتِ الواقفة