أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أيقاعات بصرية / 1














المزيد.....

أيقاعات بصرية / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 10:23
المحور: الادب والفن
    


نبوءة الملح والياسمين

​في ذلك الصباح، لم تكن الشمس في البصرة مجرد قرص ضوئي، بل كانت رغيفاً ملتهباً يخبزه الله لأهل المدينة الصابرين. في حديقة الخورة، حيث كانت الأشجار تميل لبعضها البعض لتتبادل أسرار العشاق قبل أن تسرقها الريح، جلست زهراء. كانت البصرة في دمها ليست مجرد خارطة، بل كانت هي "النخلة التي لا تنكسر"، تلك الفتاة التي ترسم لوحاتها بأصابع معجونة بماء الشط. وبجانبها حيدر، الذي جاء من الناصرية محملاً بطيبة الأهوار وعناد السومريين.
​لم يكونوا يرسمون، بل كانوا يمارسون طقساً من "العناد المقدس". كان حولهم في الحديقة عشرات العشاق والضحكات؛ عجوزٌ يطعم الحمام حبات الحنطة وكأنه يطعم أحفاده، وأبٌ يرفع طفله للسماء ليقطف لها غيمة. كان المشهد يوحي بأن الموت "خرافة" اخترعها الغرباء، وأن هذه المدينة، بطيبتها التي تفيض عن حاجة البشر، محصنة ضد الفناء.
​لكن الحرب، ذلك الغول المعدني الذي لا يملك قلباً، قررت أن تتدخل.
​فجأة، اهتزت الأرض هزّة "القيامة الصغرى". سقطت القذيفة، فانفجر الصمت إلى شظايا. لم يكن صوتاً فحسب، بل كان زلزالاً حاول أن يخلع النخل من جذوره. طار الزجاج في الهواء، وتحول في لحظة سحرية مرعبة إلى أسراب من طيور جارحة شفافة تنهش وجه النهار. تصاعد الدخان الأسود، لا ليرسم دماراً، بل ليعقد غيمة من الحزن فوق رؤوس العشاق.
​في تلك اللحظة، لم يهرب حيدر، ولم تصرخ زهراء. ببطءٍ أسطوري، امتدت يد حيدر لتستقر فوق يدها. لم يكن تلامساً جسدياً، بل كان التحاماً بين مدينتين (البصرة والناصرية) في وجه الإبادة. كانت يدها باردة كجرة ماء في ليلة شتاء، لكنها كانت تنبض بإصرار غريب.
​قالت زهراء، وعيناها ترقبان دخاناً يشبه غبار الطلع المحترق:
— "البصرة لا تغرق يا حيدر، حتى لو زاد ملح مائها."
​كانا يعلمان أن القصف سيستمر، وأن الموت يتربص خلف السد، لكنهما قررا في تلك اللحظة أن الحرب "كائن غبي" لا يفهم لغة العشاق. تحدثا عن معرضٍ فني سيقام تحت القصف، وعن أطفالٍ سيلعبون بخرق الرصاص كأنها قطع نقدية قديمة.
​الحرب هدمت الجدران، لكنها في حديقة الخورة، عجزت عن هدم "رائحة الياسمين" التي كانت تفوح من ثياب العشاق. ظلت البصرة صامدة، تتقاسم مع أهلها "رغيف الخوف" و"خمرة الأمل"، وبقي المقعد في الحديقة شاهداً على أن الطيبة ليست ضعفاً، بل هي أقوى درع صنعه البشر ضد الفولاذ.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1


المزيد.....




- رئيس وزراء ماليزيا: الشارع في بلادنا يعرف مكانة مصر والأزهر ...
- ترجمة الأفلام: الفن الخفي لإعادة إبداع السينما
- رئيس الحكومة اللبنانية: النهضة الفكرية تتطلب استعادة سيادة ا ...
- تركيا.. المؤبد المشدد لابنة المطربة -غللو- قاتلة والدتها
- علي أبو ياسين.. مسرحي من غزة يتقاسم جائزة -بن بينتر- بلقب -ك ...
- -بيروت التي تقرأ لا تموت-.. انطلاق الدورة 67 لمعرض الكتاب ال ...
- الحرب كما يراها الأطفال.. أفلام أنيميشن عن الخوف والفقد
- السينما الفلسطينية في الدوحة.. -حوار مع البحر- و-غزة 13? يست ...
- ساكن في بلا قيود: من حق أي قارئ أن يفهم الرواية بالطريقة الت ...
- الإبداع القصصيّ والرّوائيّ لسناء الشّعلان في إصدارات نقديّة ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أيقاعات بصرية / 1