أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بين الفاتورة والإيصال














المزيد.....

بين الفاتورة والإيصال


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 08:31
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​لم تكن ياسمين تكره الفقر بالفطرة، بل تعلمت كراهيته بالتدريج، كما يتعلم الطفل المشي. ولدت في "العلاوي"، في بيتٍ من طابوقٍ عارٍ تتساقط عنه الطبقات كما تتساقط عن الأحلام قشورها. كان أبوها، حارس الكراج، يعود كل مساء محملاً برائحة الحديد والزيوت، بينما يسكن المرض الغرفة الأخرى كضيفٍ ثقيل لا يغادر. وسط هذا العوز، لم تكن ياسمين تحلم برجل؛ كانت تحلم بـ "مخرج".
​كل من تقدم لخطبتها كان يحمل قلباً، وهي كانت تبحث عن خزانة أمانات. وحين جاء "عمر"، الشاب الوسيم المنحدر من عائلة ميسورة، لم ترَ في ملامحه وسامةً، بل رأت "سُلّماً". وافقت بسرعةٍ أدهشته، لكنها وضعت شرطها كجدار عازل: مئة مليون دينار مهراً حاضراً. ظنّها تطلب الطمأنينة، ولم يدرك أنها تطلب "التعويض" عن سنوات الحرمان.
​في الشهر الثالث للزواج، سقط القناع الجميل عن وجه "الصفقة". كان عمر يبحث عن "سكن"، بينما كانت ياسمين تجرد "الميزانية". وفجر ذلك اليوم، اندلع الحوار الذي كسر الجرّة:
​– ياسمين، هل نحن نعيش في بيت أم في مكتب محاسبة؟ كلما اقتربت منكِ، حدثتني عن العقارات والذهب!
قالت ببرود وهي تبرد أظافرها:
– المشاعر لا تُطعم خبزاً يا عمر. أنا أريد تأمين مستقبلي. أريد هذا البيت باسمي، وأريد حساباً لا تجرؤ يدك على لمسه.
– والبيت الذي نبنيه معاً؟ والحب؟
ضحكت بمرارة تشبه طعم الصدأ في كراج أبيها:
– الحب ترفٌ لا يملكه من نام جائعاً. أنا لا أطلب المستحيل، أطلب "جداراً" يحميني من العودة إلى رائحة الزيوت والفقر التي تسكن ثياب أبي. أنت بالنسبة لك هذا "زواج"، بالنسبة لي هذا "عقد أمان".
​كانت الكلمات تمر عبر ميزان، وكل التفاتة تُقاس بجدوى الربح والخسارة. استشار عمر والده، الحكيم الذي خبر معادن الناس، فقال له بأسى: "يا بني، الزواج شركة روح قبل أن يكون شركة مال. إن كانت ترى فيك بنكاً، فحولها أنت إلى استثمار خاسر".
​بدأ عمر بسحب الخيوط بهدوءٍ قاتل. أقنعها بمشروعٍ وهمي يضاعف "المهر" والمدخرات. سحب الذهب، أجل الودائع، وجمع كل ما تملك تحت حجة "الاستثمار الأكبر". كانت تراقب بصمت، واثقةً أن الأرقام ستتضاعف، لم تدرك أنه كان يحفر القبر لمستقبلها الرقمي.
​وفي صباح خريفي، أعادها إلى بيت أهلها بحجة مرض أبيها المفاجئ. قبل جبينها ببرودٍ يشبه برود الرخام، وأغلق باب السيارة الفارهة خلفه للأبد. بعد أسابيع، لم تصلها رسالة شوق، بل "ورقة طلاق" تحمل ختماً رسمياً، وتعلن نهاية معادلة لم تكتمل أركانها.
​في المحكمة، وحين طالب القاضي بالحقوق، وقف عمر بجفافٍ جاف هزّ أركان القاعة وقال:
“سيدي القاضي، لقد دفعتُ لها كل ما تملك من مال في حسابها المزعوم، وأدفع الآن مؤخرها نقداً.. أدفع اليوم ثمناً باهظاً، خيرٌ من أن أقضي عمري أدفع أقساطاً لروحٍ تحولت إلى حصالة!”
​لم تبكِ ياسمين. كانت تنظر إلى الفراغ كمن يراجع مسألة حسابية أخطأت في ترتيب أرقامها. عادت إلى "العلاوي"، إلى الجدران نفسها، ورائحة الزيت ذاتها في ثياب أبيها. لكنها اكتشفت يقيناً مراً: أن المال يستطيع أن يفتح الأبواب، لكنه لا يملك المفتاح الذي يبقيها مفتوحة.
​بينما هو، خرج من التجربة بدرسٍ قاسٍ: أن القلب حين يُستبدل بدفتر حساب، يصبح مجرد رقمٍ قابلٍ للشطب بجرّة قلم. تفرّق الاثنان، وبقيت حكايتهما في الحيّ تُروى لا كقصة حب، بل كزواجٍ بدأ بـ "فاتورة" وانتهى بـ "إيصال".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي


المزيد.....




- جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد ...
- بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم ...
- -للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
- لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
- برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
- المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
- -هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال ...
- يا فالنتاين ؛ غادرْ من غير مطرود
- انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية
- بين -الدب- و-السعفة-: كيف أعادت مهرجانات الأفلام صياغة ضمير ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بين الفاتورة والإيصال