أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قالٌ وقيل في زقاق بغدادي














المزيد.....

قالٌ وقيل في زقاق بغدادي


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 22:28
المحور: الادب والفن
    


حين لا ينجو الطيب من ألسنة الناس

في الأزقة البغدادية القديمة، حيث تتجاور البيوت وتتصافح النوافذ قبل الأيادي، يكبر الكلام كما يكبر الأطفال؛ بلا ضابطٍ ولا ميزان. هذه حكاية رجلٍ لم يُرد من الدنيا إلا أن يكون طيبًا… فاكتشف أن الطيبة وحدها لا تُسكت الألسنة.
في محلةٍ قريبة من شارع الرشيد، يتفرع زقاقٌ ضيّق لا تدخله الشمس إلا خجولةً ساعة الظهيرة. بيوتٌ متلاصقة، أبوابها خشبية عتيقة، وسقوفها تتكئ على بعضها كما لو أنها تخشى السقوط إن ابتعدت.
في ذلك الزقاق كان يعيش الحاجّ سالم.
رجلٌ تجاوز الستين، بوجهٍ أسمر نحتته شمس بغداد، وشاربٍ أبيض مشذّب بعناية. لم يكن غنيًا، ولا صاحب منصب، ولا صاحب جاه. كان موظفًا متقاعدًا، يعيش من راتبٍ بالكاد يكفيه، لكن قلبه كان أوسع من الزقاق كلّه.
إذا تعطلت مضخة الماء في بيتٍ ما، كان أول الواصلين.
إذا مرضت امرأةٌ مسنّة، حملها إلى المستوصف بسيارته القديمة التي لا تكاد تدور إلا بعد ثلاث محاولات.
وإذا اختلف جاران على حدّ جدار، جلس بينهما، يُصلح بكلمة، ويهدئ بابتسامة.
كان يقول دائمًا:
— «الدنيا ما تسوى خصام… خلّونا نعيش بسلام.»
في البدء، أحبّه الناس.
لكنّ الزقاق، ككلّ الأزقة، لا يحتمل طويلاً أن يبقى هادئًا.
في صباحٍ ربيعي، بينما كان يشتري خبزًا حارًا من الفرن، سمع امرأتين تهمسان:
— «شايفته شلون يتدخل بكل شي؟»
— «إي والله… محد يسوي خير ببلاش.»
لم يلتفت. وضع الخبز تحت إبطه، وعاد بخطواتٍ ثابتة.
قال في سرّه:
الناس تحب الحچي… خليهم.
غير أن الحچي كبر.
قالوا إنه يتقرّب من الأرامل لغايةٍ في نفسه.
وقال آخرون إنه يتظاهر بالفقر ليأخذ مساعدات الجمعيات.
وواحدٌ أقسم أنه رآه ليلًا يدخل بيت أمّ علي… فصار الدخول قصة، والقصة حكاية، والحكاية فضيحة.
لم يسأل أحد.
لم يطرق أحد بابه ليقول: «شنو الحقيقة؟»
تغيّر الزقاق.
الأطفال الذين كانوا ينادونه «عمو سالم» صاروا يمرّون مسرعين.
والرجال الذين كانوا يجلسون معه عند بائع الشاي، صاروا يكتفون بإيماءةٍ باردة.
جلس مساءً أمام بيته، تحت مصباحٍ أصفر يتدلّى من السقف.
تأمل جدران الزقاق، وسمع ضحكاتٍ مكتومة خلف النوافذ.
همس:
— «يا رب… حتى أنت قالوا عنك ما قالوا… فشلون إحنا البشر؟»
وتذكر البيت الذي قاله الشافعي يوماً:
لو صاحب الإنسان جبريلًا… ما خلص من قالٍ ومن قيل.
ابتسم بحزن.
في ليلةٍ ممطرة، طرق بابه ولدٌ نحيل.
— «عمو… أمي تعبانة، وما عدنا فلوس دكتور.»
لم يسأله من ماذا، ولم يفكر بما سيقال.
أخذ معطفه، ومشى خلفه في الطين.
وحين دخلا بيت المرأة، كانت الحمى تلتهمها. اتصل بطبيبٍ يعرفه، ودفع الأجرة من جيبه، وجلس حتى الفجر.
وفي طريق عودته، سمع صوتًا من شباكٍ مفتوح:
— «ها… بعد تريدون دليل؟ شنو يسوي هالوقت هناك؟»
توقف لحظة.
رفع رأسه إلى السماء الرمادية، وقال بهدوء:
— «المهم… الله يعرف.»
ثم أكمل طريقه.
بعد أشهر، اشتدّ عليه المرض.
لم يزره كثيرون.
وفي صباحٍ بارد، خرج نعشه من الزقاق الذي عاش فيه عمره كلّه.
مشَوا خلفه بصمت.
قال واحدٌ منهم:
— «كان خوش رجال… والله ما شفنا منه إلا الخير.»
وقال آخر:
— «الله يرحمه… مظلوم.»
لكن الزقاق، بعد أيام قليلة،
كان قد وجد اسمًا جديدًا يتداوله.
ففي بغداد…
لا يموت «القال والقيل».
يموت الرجال فقط.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قالٌ وقيل في زقاق بغدادي