أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - زلزال في كفة الميزان














المزيد.....

زلزال في كفة الميزان


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 03:50
المحور: الادب والفن
    


​رنّ الهاتف.. لم يكن رنيناً عادياً، كان طعنة في صمت المكتب.
كان القاضي محمود الكرخي يراقب من نافذته غبار "باب المعظم" وهو يصبغ وجوه المارة بالرمادي، حين أتاه الصوت الهادئ كشفرة حلاقة:
"لا تبحث عن سلوى.. نحن استضفناها."
​لم يسقط الهاتف من يده، لكن العالم سقط من عينه.
قال الصوت: "كتاب أزرق، وخطوات واثقة كانت تغادر الجامعة قبل ساعة.. أليس كذلك؟"
تذكر محمود الكتاب.. تذكر رائحة الورق الجديد التي قبلها في جبين ابنته قبل أسبوع.
ثم جاء الثمن: "كريم العواد.. براءة في الأسبوع القادم، تعود سلوى في المساء. وإلا.. سنعيدها إليك بطريقة لا تليق بوقار مقامكم."
​انقطع الخط. بقيت "طنة" العدم في أذنه. نظر إلى الشارع؛ باعة الشاي يسكبون الوقت في كؤوس زجاجية، وسيارات الأجرة المتعبة تئن تحت وطأة القيظ. كل شيء طبيعي تماماً، باستثناء أن قلبه صار الآن تحت مقصلة رجل يتاجر بالموت.
​كريم العواد.. الاسم الذي يفوح منه رصاص الموت وسموم المخدرات. رجل يملك ألف وجه، لكنه هذه المرة استعار وجه ابنة القاضي ليرسم نهايته.
​مرت الأيام كأنها دهر من المسامير. في اليوم الثالث، وصل ظرف صغير. فتحه محمود بأصابع خذلها الثبات.. مشبك شعر فضي، فيه شعرة واحدة عالقة، سوداء كليالي بغداد. وضع المشبك في درج مكتبه، وأغلقه ببطء، كأنه يغلق تابوتاً على مبادئه.. أو على خوفه.
​يوم المحاكمة، كانت قاعة "محكمة الكرخ" تضيق بأنفاس الحاضرين. دخل العواد، يرتدي بدلة السجن وابتسامة رخيصة. نظر إلى القاضي نظرة "شريك"، نظرة من يظن أن الميزان قد مال سلفاً.
رفع محمود رأسه. غارت عيناه خلف نظارته، لكن صوته خرج رخامياً، صلباً، لم تنكسر فيه رخامة الحرف:
"بعد الاطلاع على الأدلة.. والشهادات التي لا تقبل التأويل.. تدين المحكمة المتهم كريم العواد.. وتحكم عليه بالسجن المؤبد."
​ضجت القاعة بالشهيق. أما العواد، فظل يبتسم. كانت ابتسامة باردة، خالية من الصدمة، كمن يشاهد مسرحية يعرف نهايتها مسبقاً.
​في المساء، عادت سلوى.
شاحبة، مرتجفة، لكنها كاملة. لم تسأل عن الثمن، ولم يقل هو شيئاً. كان العناق طويلاً كاعتذار صامت.
​بعد أسبوعين، جاءه "الخبر الصاعقة".
العواد حر. بقرار من محكمة الاستئناف. نقص أدلة.. خلل إجرائي.. ألاعيب قانونية لم تُترك فيها بصمة واحدة.
في زنزانته قبل الرحيل، قال له العواد ببرود: "سيادة القاضي، لم نكن نريد حكمك.. كنا نريد أن نعرف فقط: هل ينكسر محمود الكرخي؟ أردنا أن نختبر القداسة التي يدعيها القانون."
​أغلق القاضي الملف الجديد الذي يحمل اسم كريم العواد مرة أخرى. نظر إلى ميزان العدالة الصغير فوق مكتبه. لم يكن مائلاً، لكنه كان يرتجف.
ابتسم ابتسامة متعبة، مسح على مشبك الشعر الفضي في جيبه، وكتب على غلاف الملف بخط عريض: "مؤجل".
​فبعض الأحكام لا يكتبها القضاة بالمداد، بل تكتبها الأيام بالدم.. والعدالة التي تخسر معركة، لا يعني أنها خسرت الحرب.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة


المزيد.....




- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...
- موسم العمالقة.. 10 أفلام تشعل مبكرا سباق السعفة الذهبية في - ...
- صراع الأجيال في الرواية: قراءة نقدية بين المركزية الغربية وا ...
- ما وراء الرصاص: التداعيات الفكرية والمذهبية للمواجهة مع إيرا ...
- صدريات مخملية وعطور وسلاسل ذهبية تكشف شغف تشارلز ديكنز بالمو ...
- بين الموسيقى والوجوه.. الذكاء الاصطناعي يغزو الدراما المصرية ...
- رمضان في مرآة الأدب.. قراءة في أربع تجارب إسلامية


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - زلزال في كفة الميزان