أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رسالة من وراء الحدود














المزيد.....

رسالة من وراء الحدود


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 21:42
المحور: الادب والفن
    


معنى الغياب الذي لا يُرى

​ليس الغيابُ خلوَّ البيتِ من جسدٍ كان يشغل حيزاً على كرسيه المعتاد؛ الغياب الحقيقي هو أن يظل الكرسي في مكانه، ويحتفظ الهواءُ بحرارته القديمة، بينما يتبخّر الصوت الذي كان يمنح الأشياء أسماءها.
​الإنسان لا يُقتلع حين يغادر أرضه فقط، بل حين يبدأ قلبه في الشكّ: أهو ما يزال ينتمي إلى المكان الذي خرج منه، أم صار ظلًا يتنقل بين خرائط لا تعترف بالذكريات؟ وهكذا تكون الأمومة امتحانًا صامتًا؛ فهي لا تحاسب الزمن، لكنها تُسائل نفسها: هل ربّيتُه ليبقى بقربي، أم ليقدر على الرحيل؟

​كان بيت فاطمة في بغداد يقف في زقاق ضيّق، جدرانه مطلية بلونٍ أبيض اصفرّ من حرّ الصيف وغبار الأعوام. نافذته المطلة على الشارع تلتقط في العصر ضوءًا ذهبيًا حزينًا، كأن الشمس تتردد قبل أن تودّع المدينة.
​داخل الغرفة، كانت رائحة الهيل من ( قوري) الشاي تختلط ببخار الرز، وصوت بائعٍ بعيد ينادي على بضاعته، فيما تدور مروحة السقف ببطءٍ يشبه تنهدًا طويلًا. في ذلك المساء، أمسكت فاطمة هاتفها الصغير؛ ضغطت على زر التشغيل، فانبعث صوت محسن، ابنها اللاجئ في أوروبا، دافئًا رغم المسافة:
"يمّه… اشتقت لريحة بيتنا."
​وضعت الهاتف على صدرها لحظة، كأنها تحاول أن تُعيد الصوت إلى مكانه الطبيعي. ثم خرجت إلى باب الدار تنادي الجارات. جاءت أم علي، وجاءت أم زينب، وأخرى تطوي مسبحتها بين أصابع مرتعشة. جلسن في الغرفة التي تفوح منها رائحة الخبز الساخن، وانحنت الرؤوس حول الهاتف كأنهن يتحلقن حول موقدٍ قديم.
​حين تكرر الصوت: "اشتقت لريحة بيتنا"، ساد صمتٌ ثقيل، قطعه حوارٌ مخنوق:
​أم علي (تمسح طرف عينيها): "هسه عرف قيمة الهيل! باجر يرجع ويريد بس يشمّ تراب الدربونة."
​أم زينب (وعينها معلقة بصورة قديمة): "كلهم يكولون هالشكل يا أم محسن.. ابني في برلين كال لي: (يُمه الهوه هناك ما يشبع الرية).. لكنه صار له خمس سنين، وما رجع."
​الجارة الثالثة (بهمسٍ يشبه الصلاة): "المهم العافية.. المهم الأمان. خليهم بعيدين وسالمين، ولا قريبين وبالنا عليهم مشغول."
​فاطمة (تطفئ التسجيل كأنها تغلق باباً): "بس الغربة يا خواتي.. الغربة تاكل من وجوههم. صوته ما عاد يشبه صوته."
​أم علي (بمرارة مجربة): "الصوت يتغير يا فاطمة.. بس الوجع يظل عراقي."
​ضحكت إحداهن ضحكةً سرعان ما انكسرت إلى بكاء خافت. كل واحدة كانت تسمع ابنها في صوته؛ أربيل، دبي، إسطنبول، ألمانيا… الأسماء تتبدل، والحنين واحد.
​لكن بعد أيام، انقطع الاتصال.
رسالة قصيرة مكتوبة بدل الصوت. كلمات قليلة، رسمية، لا تحمل "يمّه" في أولها. قرأتْها فاطمة مرارًا، تبحث عن دفءٍ لم تجده. عادت إلى التسجيل القديم، أعادته وحدها في الليل، حين خفّت أصوات المولدات، وصار البيت أكثر فراغًا. انتبهت إلى سكونٍ قصير قبل كلمة "اشتقت"، إلى نبرة خافتة كأنها تحاول ألا تنكسر.
​جلست على سريره الفارغ، وسألت الظلام: "أأنا التي دفعتُه إلى الرحيل حين قلت له يومًا: سافر يمّه؟ أكنت أطلب له الحياة، أم أعلّمه كيف يقتلع جذوره؟"
​ثم جاءت الرسالة التي كسرت ما تبقى من يقين. تسجيل جديد، لكن الصوت كان منخفضًا، حذرًا:
"يمّه… يمكن أقدم طلب لجوء دائم. يمكن ما أرجع قريب… بعد ما أعرف وين بيتي."
​لم تبكِ فاطمة فورًا. شعرت بشيءٍ أبرد من الدموع يجري في عروقها. الأمومة، أدركت فجأة، ليست احتفاظًا، بل إفراجٌ مؤلم. ليست أن تمسك اليد إلى الأبد، بل أن تفتحها حين يجب الفتح.
​في اليوم التالي، جلست قرب النافذة. أمسكت الهاتف، وترددت طويلًا، ثم ضغطت زر التسجيل. خرج صوتها أبطأ مما توقعت، لكنه ثابت:
"يمّه… إذا لكيت أمانك هناك، ابقَ. أهم شي تبقى بخير. البيت مو بس جدران… البيت إذا قلبك مطمئن. بس لا تنسى… هنا أم تدعيلك بكل صلاة."
​أغلقت الهاتف. شعرت فقط بأن شيئًا في داخلها تبدل إلى الأبد. لم تعد تنتظر عودته كما كانت، ولم تتخلَّ عنه أيضًا. صارت المسافة بينهما حقيقةً، لكنها لم تعد جرحًا مفتوحًا؛ صارت ندبة، تذكّرها بأنه كان هنا يومًا.
​في المساء، اجتمعت الجارات كما في السابق. لم تشغل التسجيل هذه المرة. جلسن صامتات قليلًا، ثم قالت فاطمة بهدوء:
"أولادنا كبروا… وإحنا بعدنا نعدّ الأيام."
ردت أم علي:
"الله يحفظهم… لو كانوا وراء الحدود."
​وكان في الغرفة دفءٌ خافت، لا يشبه الفرح، ولا يشبه الحزن تمامًا. شيء بينهما، كضوء بغداد عند المغيب؛ لا هو نهارٌ كامل، ولا ليلٌ صريح.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة


المزيد.....




- من هي ريتا في شعر محمود درويش؟
- معرض في لندن يستعرض خمسة عقود من تجربة ضياء العزاوي الفنية
- وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية بين حرب الـ12 يوما وهجوم 28 ف ...
- أشبه بفيلم سينمائي.. تفاصيل رحلة خروج منير الحدادي من إيران ...
- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- رمضان في الأردن.. طقوس يومية تصنع هوية لا تشبه سواها
- حنين بصوت القرآن.. محمد رشاد الشريف كما يتذكره الأردنيون
- كواليس أزياء مسلسل -بالحرام-..فستان مضاء بتقنية LED وتصاميم ...
- الشاعرة أمينة عبدالله تعلن عن ترشحها لعضوية مجلس إدارة إتحاد ...
- الشاعرة أمينة عبدالله وبرنامج انتخابي طموح يتنفس التغيير يمث ...


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - رسالة من وراء الحدود