أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 4














المزيد.....

بيوت مؤمنة / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 16:19
المحور: الادب والفن
    


ميزان الظل

​في زاوية ذلك الزقاق الذي يضيق حتى يكاد يلتصق جداراه، كان دكان محمود الخشبي يتنفس برائحة الرطوبة الممزوجة بعطر البصل الحريف. لم يكن هناك لافتة؛ فالدكان لم يكن محلاً للتجارة بقدر ما كان جزءاً من تضاريس الحيّ، تماماً كالتجاعيد التي حفرت أخاديدها في وجه محمود الأسمر.
​بيدٍ خشنة، كان يضع حبات الطماطم في كفة الميزان، وعيناه مسمّرتان على المؤشر. لم يكن يزن خضاراً، بل كان يزن كرامة الواقفين أمامه في أواخر الشهر. أولئك الذين يجرّون أقدامهم ويهمسون بكلماتٍ تبتلعها أفواههم:
— "سجّلها يا أبا أحمد.. إلى حين ميسرة."
كان يكتفي بهزة رأسٍ صامتة، ويفتح دفتره المهترئ، يخطّ الاسم ببطء، ثم يضيف حبة بطاطا أو بصلةً كبيرة فوق الكيس، ويدفعه نحوهم دون أن يرفع بصره، كأنه هو المدين لا هم.
​لكنّ اليقين تعرّض لهزةٍ عنيفة.
​رجلٌ غريب عن السكينة، استدان مؤونة شهرٍ كامل تحت وطأة دموعٍ بدت حارقة، ثم تبخّر. قيل إنه شوهد يغادر الى محافظة اخرى، وقيل إنه كان يملك ثمن بضاعته ولكنه احترف "التمثيل". حين جرد محمود حساباته، وجد أن ثقب "الدين" في ميزانيته أصبح أكبر من سعة الدكان الصغير.
​في تلك الليلة، أطفأ محمود المصباح وجلس في العتمة. لم يغضب لضياع المال، بل شعر بشرخٍ في روحه. تساءل بمرارة: "أكنتُ أعينهم حقاً.. أم كنتُ أشتري بالمالِ صورةً حسنةً في مرآة نفسي؟"
صار الميزان في الأيام التالية أثقل، وصارت نظرة محمود للوجوه أكثر حذراً، كأنه يبحث عن "تزويرٍ" خلف كل انكسار.
​ثم جاء الاختبار الأقسى.. من لحمه ودمه.
​سقط ابنه "أحمد" مغشياً عليه. في المستشفى، حيث الصمت له رائحة المعقمات الباردة، كان حكم الطبيب قاطعاً كالمقصلة: "عملية عاجلة.. وتكلفة باهظة".
عاد محمود إلى دكانه في المساء، لكنه لم يفتحه للبيع. جلس على عتبته يرقب المارة بقلبٍ منقبض. المال الذي كان ينثره "صدقاتٍ" صار الآن جداراً يفصله عن نجاة ابنه. نهشه الندم: "لو أنني ادخرتُ ما ضاع، لكان ابني الآن بخير".
​في تلك اللحظة، اقتربت امرأة من جاراته، تحمل طفلها الشاحب. لم تتكلم، مدت يدها بكيسٍ فارغ وعيناها تفيضان بمرارة الحاجة.
تجمدت يد محمود على قفل الباب. كان بإمكانه أن يعتذر، أن يصرخ بوجعه، أن يقول إن "المُعطي" صار هو نفسه محتاجاً للعطاء.
نظر إلى ميزانه القابع في الظل، ثم إلى يد المرأة المرتجفة. استقرت يده على الميزان.. لم يكن كرماً نابعاً من الطمأنينة هذه المرة، بل كان قراراً يُتخذ وسط النزيف. ملأ الكيس، وبصمتٍ موجع، دفعه نحوها. حين انصرفت، أجهش بالبكاء؛ لم يكن يبكي فقره، بل كان يشيع "الرجل القديم" الذي كان يظن أن الخير تجارةٌ رابحة دائماً، ليولد مكانه رجلٌ يعرف أن الرحمة اختيارٌ يُتخذ حتى وأنت تنكسر.
​باع محمود "ساعته" القديمة، واقترض بمرارة لم يعتدها. أُجريت العملية، ونجا الصغير.
​عاد محمود إلى دكانه في فجر يومٍ جديد. كان الهواء يلسع أطرافه، لكنه حين فتح الباب، لم يرَ أرففاً وصناديق؛ رأى محراباً.
جاءته أول امرأة تطلب ديناً، فنظر إلى الدفتر، ثم إليها. لم يبتسم ابتسامة "المحسنين" الواثقين، بل ابتسم ابتسامة إنسانٍ عرف الوجع فصار يرحمه.
وزن لها حاجتها بدقة، وحين رفعت يدها للسماء تدعو له، لم يقل "الرزق على الله" بلسانه فحسب، بل شعر بالكلمة تتردد في أعماق قلبه.
​أدرك محمود، وهو يمسح غبار الميزان، أن الرزق ليس ما يُقبض في اليد، بل هو تلك النافذة التي ترفض أن تغلقها في قلبك، مهما اشتدت العاصفة بالخارج.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 4