أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 3














المزيد.....

بيوت مؤمنة / 3


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


نوافذ الروح

​في ذلك الصباح، لم يكن الضباب الذي يلفُّ المدرسة مجرد طقس عابر، كان يشبه الحيرة التي تسكن صدر "ست بهيجة". كانت تقف عند الباب كعادتها، تراقب تدافع الصغار في الساحة كمن يراقب شتلاتٍ غضة في مهب الريح، ترتدي معطفها الداكن وتضم دفتر الحضور إلى صدرها كأنه سجل للأرواح التي تقع تحت مسؤوليتها.
​وسط تلك الجلبة، دخل سامر. لم يكن يمشي كبقية الرفاق، بل كان يجرُّ خلفه ظلاً أثقل من جسده النحيل. منذ أن فقد والديه في ذلك الحادث الأليم، صار الصمت هو لغته الوحيدة، وصارت مشيته توحي بأنه يخشى أن يوقظ ذكرى تؤلمه. اقتربت منه بهيجة، وانحنت قليلاً لتقصر المسافة بين قلبيهما، وضعت يدها على كتفه؛ لم تكن لمسة معلمة فحسب، بل كانت جسراً تمدُّه لغريق. ناولته قلماً أزرق جديداً، وقالت بلهجةٍ فيها بحة الأمومة التي حُرمت منها:
"اكتب يا سامر.. فالكلمات هي البيوت التي لا تسقط جدرانها، ولا شيء يهزم الوجع كالكلمة."
​كانت بهيجة تعاني من فراغ قديم في أحشائها، عقمٌ جعل من بيتها صمتاً طويلاً، لكنها حين رأت سامر، شعرت أن ذلك الفراغ بدأ يمتلئ بنوع آخر من الوجود.
غير أن الأيام لم تترك هذا الصفاء يكتمل، إذ وقع الخبر كالصاعقة في أروقة المدرسة: "صندوق الرحلة المدرسية قد اختفى!".
​ساد صمتٌ خانق، وصار للهمس أجنحة في الممرات. الفقر في كثير من الأحيان يكون تهمةً جاهزة لا تنتظر دليلاً، واتجهت بعض الأنظار نحو سامر. استدعت ست بهيجة الصغير إلى غرفتها الضيقة التي تفوح منها رائحة الورق العتيق. جلست قبالته، وكان يرتجف كعصفورٍ بلله مطر الشتاء. سألته برفق يقطر ألما: "هل تعرف شيئاً عن المال يا بني؟". لم ينطق، لكن دموعه كانت أسرع من إنكاره، وحين علمت في المساء من صاحب البقالة أنه اشترى دواءً لجدته المريضة بمبلغ لا يملكه طفل في عمره، أدركت الحقيقة.
​تلك الليلة، لم يزر النوم جفنيها. كانت تتقلب في فراشها وتتساءل:
"هل أكسر غصناً سرق قطرة ماء ليروي جذراً يموت؟ أم أصمتُ فأخون الأمانة التي أؤتمنت عليها؟".
كانت تعلم أن العدالة إن لم تمرّ عبر القلب، صارت قسوة.
​في الصباح التالي، لم تذهب بهيجة للمدير لتطالب بطرد سامر أو عقابه عقاباً يكسر روحه، بل ذهبت لتقدم درساً في "الحياة". واجهت الإدارة والمعلمين بصوتٍ واثق لم تعهده من قبل:
"القانون وُضع لحماية المجتمع، والرحمة وُضعت لحماية الإنسان. سامر أخطأ، لكنه فعل ذلك بدافع الحب لا الدناءة. دعوه يعوّض ما أخذه بالعمل في مكتبة المدرسة شهرًا كاملًا.. دعوه يرمم كرامته بيديه ويدفع ثمن خطئه بعرقه، لا بذله."
​اعترض البعض قائلين إن "القانون قانون"، فردت بكلمةٍ سكنت الأذهان:
"نحن نربي بشراً لا آلات.. الآلة تُصلح بالشاكوش، أما البشر فيُصلحون بالاحتواء والضمير."
​مرت السنوات، وكبر سامر وتفوّق، حتى صار محامياً يشار إليه بالبنان. وفي حفل تخرجه، وقف أمام الحضور ببدلته الأنيقة، لكنه كان لا يزال يحمل في ذاكرته ذلك القلم الأزرق. نظر إلى الصف الأول، حيث كانت "أمه بالروح" تجلس بشعرها الذي اشتعل شيباً، وقال بصوتٍ هزَّ القاعة:
"يقولون إن العدالة عمياء.. لكني عرفتُ امرأةً جعلت للعدالة عينين تبصران الوجع قبل الجريمة. علمتني أن العدالة بلا رحمة ظلم، وأن الرحمة بلا عدالة ضعف. لولاها، لكنتُ اليوم خلف القضبان، لا أمام منصة القضاء."
​عادت بهيجة إلى صفها الخالي في ذلك المساء الهادئ. لم تعد تشعر ببرد الشتاء، ولا بفراغ الأمومة الذي عذبها لسنوات. مسحت السبورة ببطء، وكتبت بخطها الجميل الجملة التي أرادت أن تخلدها:
"من جدّ وجد.. ومن غفرَ فقد أنقذ." ثم أطفأت الأنوار، وخرجت، ولم يكن في قلبها ذرة من ظلام.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1


المزيد.....




- فنانو ميسان.. حضور لافت في دراما رمضان تمثيلا واخراجا وكتابة ...
- حكاية مسجد.. -حميدية- بتركيا بناه عبد الحميد الثاني وصممت دا ...
- معركة الرواية.. هكذا يحاصر الاحتلال القدس إعلاميا
- القصيدة المحلية وإشكالية شعر المناسبات
- معرض للمغربي عبد الإله الناصف عن -حيوية إفريقيا وصلابة تراثه ...
- محمد عبده يقنن مشاركاته الفنية مراعاة لظروفه الصحية
- علاء رشيد يقدم مسرحية ”كل شيء رائع” والجمهور جزء من الحكاية ...
- بنين: الاحتفاء بالضفائر الأفريقية.. نوع من المقاومة الثقافية ...
- في اليوم الدولي للغة الأم.. اليونيسكو تناقش معركة الهوية في ...
- المفكر الفرنسي جيروم هورتو: غزة تمثل لحظة إنكار تام لجوهر ال ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 3