أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 1














المزيد.....

بيوت مؤمنة / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 15:25
المحور: الادب والفن
    


التقديم

ثمة هوة سحيقة تفصل بين ما يراه الناس فينا وبين ما نعرفه نحن عن أنفسنا؛ تلك الفجوة هي المسرح الحقيقي لصراع الروح. إن الفضيلة ليست رداءً يُرتدى ليُبهر الأبصار، بل هي جرحٌ نازف في خاصرة الضمير، يُضمده المرء بالصمت والخفاء. نحن، في تهافتنا على مديح الخلق، ننسى أن السماء لا تُبهرها الأضواء، بل يغلبها الدمع الذي يسقط في العتمة، حيث لا يراه إلا من خلق الدمع والعتمة معاً. القدرُ لا يطرق الأبواب بضجيج، بل يتسلل كبرودة الفجر، يوقظ فينا حقيقة أننا لسنا إلا "أنفاساً معدودة" في جسدٍ فانٍ، وأن أثرنا الحقيقي لا يُقاس بما تركناه من كلمات، بل بما أحدثناه من "ارتجاج صامت" في قلوب من عبرنا حياتهم.

​كان بيت الحاج سالم يقبع في زاوية الحي كزاهدٍ أتمّ صلاته وجلس يرقب المارين. بابٌ خشبيٌّ مسكونٌ برائحة العتق، تشققت أطرافه حتى صارت تشبه تجاعيد كفيّ صاحبه. في كل فجر، كانت رائحة الياسمين العتيق تنبعث من ساحته الصغيرة، ممتزجةً برذاذ الماء الذي يرشه سالم على العتبات، وكأنه يغسل خطايا الليل قبل أن تشرق الشمس. سالم، ذلك الرجل الذي كان يمشي ببطءٍ مهيب، كأنه يخشى أن يؤذي الأرض التي تحمله. كان "رجل الظل"؛ صوته همسٌ لا يخدش جلال السكينة، وعيناه مرافئ لا ترسو فيها إلا الطمأنينة. لم يكن وعّاظاً، لكن فعله كان خطبةً بليغة؛ إذا انكسر قلب جارٍ، وجد سالم واقفاً بباب الدار، يحمل كيس فاكهةٍ بسيطاً، ويجلس صامتاً، يوزع السكينة بنظراته التي تقول ما تعجز عنه الحناجر. وإذا ضاقت بأسرةٍ سبل العيش، انزلق "ظرفٌ أبيض" من تحت الباب عند الفجر، بلا توقيع، كأنه رسالةٌ من ملاكٍ عابر.
​بينما كان سالم يهمّ بوضع ظرفه المعهود تحت باب جاره ذات ليلة مطيرة، برز له من عتمة الزقاق رجلٌ عرف بلسانه اللاذع ونظرته المريبة. وقف الرجل بابتسامةٍ باردة، وقال بصوتٍ متهدج: "يا حاج سالم، ألا تملّ من شراء صمت الناس بهذه الأوراق؟ أتظن أن الستر قناعٌ يغطي ما في الصدور؟ إنك تبني لنفسك صرحاً من المديح فوق أرضٍ من الهباء". سقطت الكلمات على قلب سالم كوقع المطر الحمضي على الزهر. تجمدت يداه، ولأول مرة، شعر ببرودة المقبض النحاسي كأنها قيدٌ من حديد. عاد إلى بيته، وفي تلك الليلة، لم ينم. كان يراقب خيوط النور الشاردة من نافذته، ويهمس لنفسه بمرارة زلزلت أركانه: "يا سالم.. لقد غَرّهم سترك، فهل أنت حقاً ذلك الرجل الصالح، أم أنك تخشى مواجهة قبحك فتتستر بالجمال؟" لقد زُرع الشك في محرابه، وصار يرى في كل نظرة إعجابٍ من جيرانه "ديناً" ثقيلاً لا يستحق الوفاء به.
​في ليلة رمضانية، اتسمت بهدوءٍ جنائزي غريب، جلس سالم مع ابنه "يحيى". كان ضوء المصباح الأصفر يرتعش فوق وجه سالم الشاحب. سكب الشاي ببطء، وتصاعد البخار ليرسم دوائر من القلق في الهواء. لم يكن سالم هو الرجل الذي يعرفه ابنه؛ كان هناك وهنٌ روحي يسبق وهن الجسد. قال بصوتٍ مخنوق: "يا بني، إذا حانت الساعة، لا تمدحوني.. فالمرء أدرى بشعاب روحه. أخشى أن يكتبني الناس في ديوان الصالحين، وتكتبني السماء في ديوان المرائين. إن أصعب رحلة هي تلك التي يقطعها المرء من مدح الخلق إلى عدل الخالق". في تلك اللحظة، كان صمت البيت ثقيلاً، كأن الجدران نفسها كانت تنصت لوصية رجلٍ يفكك أسطورته بنفسه قبل أن يرحل.
​قبيل الفجر، دهمه ضيقٌ في الصدر، ليس من مرض العروق، بل من "مخاض الروح". شعر سالم فجأة بأن كل سجادة صلاة سجد عليها هي خصمٌ له، وأن كل ظرف أبيض وضعه كان صرخةً خفية لطلب القبول من الناس لا من الله. دخل في نوبة من البكاء الصامت، اهتزت لها ضلوعه: "يا رب، جئتك بقلبٍ فارغ إلا من سترك، فاجعل ستري عندك كما جعلته عند عبادك". كانت هذه لحظة "الارتجاج" الوجودي الكبرى؛ حيث سقطت كل الصور وبقي العبد عارياً أمام حقيقته. في تلك اللحظة من الاستقرار تحت وطأة العجز الكامل، نام سالم.. ولم يستيقظ.
​في الصباح، انكسر الإيقاع الرتيب للحي. لم يُفتح الباب الخشبي، ولم يخرج رذاذ الماء ليطارد غبار العتبة. حين صرخ يحيى معلناً الرحيل، اهتز الحيّ ارتجاجةً لم تكن بسبب زلزال، بل بسبب ذلك "الفراغ المفاجئ" الذي تركه رجلٌ كان يملأ المكان بصمته. أُغلقت الدكاكين كأنما مات فيها ربُّ كل أسرة. وفي الجنازة، كان المشهد يفوق الوصف؛ وجوهٌ شاحبة، ودموعٌ لا تعرف الانتماء. تقدم جاره المسيحي، الذي طالما كان سالم يحمل له الخبز الدافئ، وزاحم الأكتاف ليحمل النعش وهو ينتحب: "رحل من كان يشعر بوجعنا قبل أن ننطق به".
​عند حافة القبر، وقف شيخ الحي، وبعد صمتٍ طويل جعل القلوب ترتجف، قال بجزالةٍ مكلومة: "اللهم إن كان عبدك سالم قد قصر في السجود لك في المحاريب كما يحب العبّاد، فقد أفنى عمره ساجداً تحت أقدام الأرامل واليتامى والمساكين.. وأنت يا رب، لا تردّ من سجد في خدمة عبادك". مضت الأيام، وعاد الناس إلى صخبهم، لكن شيئاً ما انخسف في وجدان الحي. لم يعد الباب الخشبي مجرد خشب، بل صار "نصباً تذكارياً" للضمير. لقد أدركوا متأخرين أن سالم لم يكن رجلاً عادياً، بل كان "رسالة صامتة" مفادها: أن الطريق إلى الله قد يبدأ من السجادة، لكنه يمرُّ حتماً عبر أوجاع البشر. بقي البيت مغلقاً، لكن أثر سالم ظلّ كخيط النور تحت الباب، يضيء كلما اشتدت عتمة الحي.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6


المزيد.....




- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...
- 70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشق ...
- -مجلس السلام- أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتم ...
- فيلم -اللي باقي منك-: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين
- ويلي كولون أسطورة موسيقى السالسا يرحل عن عمر يناهز 75 عامًا ...
- 5 رمضان.. يوم صاغته فتوحات الأندلس وعمّدته دماء اللّد بفلسطي ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 1