أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - صحنُ الدولمة الأخير














المزيد.....

صحنُ الدولمة الأخير


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 01:27
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​غريبٌ أمرُ الإنسان؛ يظنُّ أن العدل يُقاس بالمتر والوثيقة، وأن القلب يمكن إيصاده لثلاثة أعوام كما يُغلق بابُ دارٍ مهجورة. لكنَّ الزمن —ذلك القاضي الصامت— لا يحكم بما في الجيوب، بل بما يتركه في الروح من أثر. وأحياناً، لا يحتاج القدر إلى عاصفةٍ ليغيّر مسار الأشياء؛ يكفي أن يُعيد إلى الغرفة "رائحةً" قديمة.
​كان البيتُ في أحد أحياء البصرة يتنفس ببطء، كصدرٍ عجوزٍ أثقلته المواسم. رطوبة المساء تتسلل عبر الجدران، تترك على الطلاء بقعاً داكنة تشبه خرائط رسمها النسيان. المروحة السقفية تدور بكسل، تصدر أزيزاً رتيباً يقطع حبل الصمت، ومن الشباك الخشبي تسلل ضوءٌ باهتٌ محمولٌ على غبارٍ دقيق، فلامس الأواني النحاسية المتربّعة فوق السفرة.
​اجتمعت العائلة بعد خصامٍ دام ثلاث سنوات. كان البيت "إرثاً"، لكنه في أفواههم صار كلمةً حادة: "الحق".
​جلس سعد عند طرف السفرة، ظهره مستقيم بحدّة كأنه في خندق دفاعي، عيناه تراقبان الوجوه بحذر، يفتش في كل حركة عن نيةٍ مبيتة. وفي الجهة المقابلة، كان محمود ساكناً، يشيح ببصره نحو الجدار حيث صورة الأب، ثم يعود لصحنه هرباً من مواجهة الذكريات. أما الزوجات فقد تبادلن نظراتٍ حذرة، لا هي عداءٌ صريح ولا مودةٌ صافية، بينما كان الأبناء يشعرون بأن الهواء أثقل من أن يُستنشق.
​انكسرت حدّة الجمود حين خرجت الجدة من المطبخ. كانت تحمل "صحن الدولمة" بكلتا يديها، بخارٌ دافئ يتصاعد منه، محمّلاً برائحة ورق العنب المنقوع بالحموضة، والرزّ المعجون بالتوابل البصرية. وضعت الصحن في منتصف السفرة، وقالت بصوتٍ خفيض كأنها تخاطب غائباً:
​"هذا نفس الطعم اللي كان أبوكم يطلبه.. تذكرون؟"
​امتدّت لحظة صمتٍ كأنها دهر. تحرك البخار في الهواء باحثاً عن وجهٍ يألفه. فجأة، رفع طفلٌ صغير رأسه وسأل ببراءةٍ تفتقر لخبث الحسابات: "ماما، ليش عمّي سعد ما يزورنا مثل قبل؟"
​سقط السؤال كحجرٍ في بركةٍ من الزيت. خفض الجميع عيونهم إلى الأطباق. مدّ سعد يده إلى قطعة "دولمة"، تردد قليلاً، ثم وضعها في فمه. في تلك اللحظة، لم يكن يتذوق طعاماً، بل كان يسترجع تاريخاً كاملاً من الموائد المشتركة. بدأ الحديث يتسلل على استحياء؛ حكايةٌ عن سهر الأب، وأخرى عن ضحكته العالية. ومع كل ذكرى، كانت الصورة المعلقة على الجدار تزداد حضوراً.
​رأت الجدة أن اللحظة قد نضجت، فأخرجت من جيب ثوبها ورقةً قديمة، مطوية بعناية، ووضعتها أمام "سعد". لم تتكلم. فتح سعد الورقة ببرود، لكن عينيه اتسعتا حين رأى تواقيع وتواريخ؛ كانت وصولات تسديد دينٍ كبير كان بذمة والدهم الراحل لصالح أحد التجار. التواريخ تعود لعامين مضيا.. أي في ذروة الخصام.
​نظر سعد إلى محمود بذهول، وقال بصوتٍ متحشرج:
"أنتَ سددت دين الوالد؟ وليش ما قلت؟ ليش تركتنا نتصارع على البيت وهو مكبّل بالديون؟"
​رد محمود بصوتٍ خفيض، وعيناه لا تزالان معلقتين بصورة والده:
"ما أردت أدخل حسابات المال بيناتنا.. أردت البيت يصفى إلنا من غير ما يشيل أحدنا منّة الثاني."
​ساد صمتٌ من نوعٍ آخر، صمت الندم. قالت الجدة، وكأنها تودع المكان:
​"أبوكم كان يقول.. البيت إذا يفرّقكم، ما يستاهل ينسكن."
​مالت الجدة برأسها قليلاً، شحب لونها، وأغمضت عينيها بتعبٍ شديد، وكأنها أفرغت حمولتها التي أثقلت كاهلها لسنوات. ارتفعت الأصوات قلقاً، لكن سعد كان الأقرب. لم يصرخ، بل أمسك يدها، ثم التفت نحو محمود ومدّ يده الأخرى إليه. كانت المصافحة فوق الورقة القديمة وصحن الدولمة الذي بدأ يبرد. لم تختفِ الندوب كلها، ولم تُمحَ آثار السنوات الثلاث بلمسة واحدة، لكنَّ "جدار الجفاء" تصدع للأبد.
​في آخر الليل، بقي صحن الدولمة في منتصف السفرة، نصف فارغ. دخلت نسمة بحرٍ باردة من الشباك، وحرّكت أطراف الستارة برفق. بدا البيت، ولأول مرة منذ رحيل صاحبه، كأنه يتنفس بعمق.
​بعض الأشياء لا تُقسّم..
إما أن تبقى كاملة، أو تضيع.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5


المزيد.....




- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - صحنُ الدولمة الأخير