أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة














المزيد.....

بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 22:40
المحور: الادب والفن
    


ما لا تهدمه الريح

​في ذلك الحيّ الذي تتشابك أزقته كأصابع يدٍ أتعبها العمل، كانت عيادة "سامية" الصغيرة تقبع في زاوية هادئة، تتنفس برائحة المطهّر والقطن الصادقة. هناك، تحت مصباح أصفر يرتعش كلما غازلته نسمة، كانت سامية لا تداوي الجروح بفنّ القبالة والتمريض فحسب، بل كانت تُرمم الأرواح بصبرها. لم يكن بياض جدران عيادتها مجرد طلاء، بل كان انعكاساً لسيرة امرأة لم تساوم يوماً على ضميرها، ولم تردّ سائلاً أثقله الفقر قبل المرض.
​في كنف هذا النور، كبرت ابنتها "هدى". كانت تمشي خلف أمها بخطوات واثقة، لكنها كانت تحمل في صدرها خوفاً سرياً؛ خوفاً رقيقاً من ألا تكون بحجم تلك "الهالة" التي أحاط الناس بها بيتهم، وألا تبلغ شأو الأم التي غدت في عيون الحيّ مثالاً يُحتذى.

​جاء الاتهام فجأة، لا كصاعقةٍ مدوية، بل كغبارٍ خفيفٍ يتسلل تحت الأبواب. همسة في زاوية، فكلمة في طريق، حتى صار الهواء ثقيلاً بفرية "السرقة". لم يكن هناك دليل، لكن "القال والقيل" كان كفيلاً بأن يغير حرارة الوجوه.
​خرجت هدى في الصباح التالي، فبدت لها الشوارع التي حفظتها غريبة. الابتسامات التي كانت تتفتح عند رؤيتها صارت تنغلق بنصف نظرة، والصمت الذي كان يلفها بالسكينة صار صمتاً ينهش اليقين. جلست هدى عند نافذتها ليلاً، والقمر شاحب يراقب انكسارها. سألت نفسها بمرارة: "هل تكفي البراءة وحدها أمام ريح التهمة؟". فكرت في لحظة ضعف أن تعترف بشيء لم تفعله، فقط لتنهي هذا العذاب، ولتحمي أمها من رؤية "ظل انكسار" في عيون الجيران.
​أما سامية، فكانت تطوف في عيادتها الصامتة، تمرر يدها على أدواتها اللامعة وكأنها تستنطق تاريخها. لم تخشَ كلام الناس، بل خشيت أن يتسرب الشك إلى قلب ابنتها، فكانت تعرف أن الجرح الذي يصيب الروح لا يضمد بقطن العيادة.

​تراكم الصمت أياماً حتى صار جداراً، لكن الضمير الجمعي للحيّ — الذي سقي بجميل سامية لسنوات — لم يمت. في مساءٍ مشهود، اجتمع الوجهاء والبسطاء أمام باب البيت. لم يأتوا للتشفّي، بل جاءوا ليصالحوا أنفسهم مع الحقيقة.
​وقف كبير الحيّ، متكئاً على عصاه التي شهدت ولادة نصف أبناء المنطقة على يد سامية، وقال بصوتٍ هادئ كالنهر:
​"هذه ابنتنا جميعاً.. ومن يرمِ هذا البيت بحجر، فليأتِ ببرهانٍ من طهرِ قلبه أولاً."
​تكلمت امرأة مسنة، وقد غطت تجاعيدها ملامح السنين: "لو كان الشرف سلعة تُباع، لاشتريناه من عطر هذا البيت". في تلك اللحظة، شعرت هدى بشيء ينكسر داخلها، لم يكن وهَناً، بل كان قيد الخوف هو الذي تحطم. أدركت أن السمعة الطيبة ليست حملاً ثقيلاً نخشى سقوطه، بل هي "حصنٌ" يبنيه الناس حولنا حين نبنيه نحن في قلوبهم.

​لم تنتهِ القصة ببيانٍ رسمي أو اعترافٍ درامي، بل انحسر الضباب كما يذوب الثلج تحت شمس الحقيقة. عاد الحيّ لصخبه، لكن هدى ولدت من جديد.
​في ليلتهما الهادئة، وبينما كانت الريح تهبّ رقيقة هذه المرة، همست سامية لابنتها:
"يا هدى.. من جعل الله رفيقه في السر، جعل الله قلوب الخلق حصنه في العلن. البراءة يا ابنتي ليست أن ننجو من ألسنة الناس، بل أن نعبر نفق الشك دون أن نفقد النور الذي بداخلنا."
​لقد علمت هدى حينها أن الريح، مهما بلغت سطوتها، قد تهزّ الأغصان وتطير بالأوراق، لكنها أبداً لا تهدم بيتاً ضُربت جذوره في أرض الصدق العميق.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة
- خلف الباب الازرق / 7 الاخيرة
- خلف الباب الازرق / 6
- خلف الباب الازرق / 5
- خلف الباب الازرق / 4
- خلف الباب الازرق /3


المزيد.....




- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- الهندي: مجلس السلام مسرحية والرهان على تسليم سلاح المقاومة و ...
- قهوة منتصف الليل -شهد العلقمين-
- الهندي: -مجلس السلام- مسرحية أمريكية والرهان على نزع سلاح ال ...
- حكاية مسجد يرممه أهالي مدينة -جينيه- في مالي كل عام
- -استراتيجية السمكة القزمة- رواية تنسج التاريخ والخيال عن طنج ...
- -نزرع الأمل والبهجة-.. تركي آل الشيخ يلتقي بوزيرة الثقافة ال ...
- فنان يسأل وداعية يجيب.. لماذا نجح أيمن وعمرو عبد الجليل في ب ...
- رابط وخطوات تسجيل استمارة الدبلومات الفنية 2026 عبر موقع وزا ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة