أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - نزيف الصمت في مقهى الكرخ














المزيد.....

نزيف الصمت في مقهى الكرخ


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 18:48
المحور: الادب والفن
    


​في زقاقٍ كرخيٍّ عتيق، حيث تتواطأ الجدران مع الظلال لنسيان الزمن، يقبع مقهى "القلوب المتعبة". لم يكن مجرد جدرانٍ بلون الغبار، بل كان "رئةً بديلة" لأولئك الذين ضاقت صدورهم بضجيج الحياة. هناك، حيث تنصهر رائحة الهيل بدخان التبغ، كانت الطاولات الخشبية تحمل ندوباً تشبه تجاعيد الوجوه الجالسة حولها.
​كان عبد الرحمن هو "نقطة السكون" في صخب المكان. رجلٌ ستينيّ، التفّت حوله وحدةٌ قاسية منذ رحيل زوجته، حتى صار اسمه في عيون الرواد: "ذاكرة الفقد". كان يجلس كل مساء، يحدق في كوب شايِه كأنه يقرأ فيه رسالةً لم تصل، ويصمت صمتاً مهيباً، صمتاً يجعلك تشعر أن الكلام في حضرته نوعٌ من التدنيس.

ذات مساءٍ شتويّ، انكسر غلاف الطمأنينة بصيحة غريب: "محفظتي.. لقد سُرقت!".
في تلك اللحظة، توقفت حركة الملاعق في الأكواب، وبدت نظرات الرواد كأنها "أجهزة كشف" تبحث عن ضحية. ولأن عبد الرحمن كان الأقرب، ولأن انكساره بدا للبعض "ارتباكاً"، ولأن الصامتين هم دوماً الأهداف السهلة؛ ارتدت النظرات نحوه بحدة السكاكين.
​لم يصرخوا في وجهه، بل فعلوا ما هو أقسى: عزلوه بنظراتهم.
همسَ المعلم المتقاعد بكلمةٍ مسمومة، وأشاح الشاب العاطل بنظره استنكاراً. شعر عبد الرحمن ببردٍ لم يعهده، بردٍ ينبع من الداخل. رفع عينيه المليئتين بدموعٍ تجمدت قبل أن تسقط، وتمتم بصوتٍ كأنه قادمٌ من بئرٍ عميقة:
​"والله.. ما ممدت يدي إلا لربي، وما سرقتُ من الدنيا إلا عزلتي."
​لكن "محكمة الظنون" أصدرت حكمها قبل الدليل. انصرف الغريب، وبقي عبد الرحمن تحت مقصلة الشك، يشربُ مرارة الاتهام مع شايِه البارد.

بعد أيام، عاد الغريب ذاته حاملاً اعتذاره؛ فقد سقطت المحفظة في زقاقٍ آخر. انقشع الضباب، وحاول الرواد ترميم ما كسرته الظنون بابتساماتٍ باهتة وكلماتٍ عن "سوء الفهم". لكن عبد الرحمن لم يرد؛ فالبراءة حين تأتي متأخرة، تشبه الضماد الذي يُوضع فوق جثة.

في ليلةٍ مطيرة، كان المقهى يغصُّ بالحكايات عن السياسة والخبز والبرد. عبد الرحمن في مكانه، مسنداً رأسه إلى الجدار، وعيناه مغلقتان كأنه يستمع للحنٍ بعيد. ناداه صاحب المقهى ليقدم له "استكان الشاي" المعتاد، لكنه لم يجب.
​وضع صاحب المقهى يده على كتف عبد الرحمن، فارتجفت يده؛ كان الجسد قد استحال قطعةً من الرخام البارد. لقد رحل عبد الرحمن بهدوءٍ يشبه حياته، مات وقلبه ممتلئٌ بـ "عتبٍ صامت" لم يجد له متسعاً في صدور البشر.
​ساد المقهى صمتٌ ثقيل، صمتٌ أخجل الراديو القديم في الزاوية. نظر المعلم المتقاعد إلى الكرسي الفارغ، وأدرك أنهم لم يقتلوا رجلاً فحسب، بل قتلوا "آخر بقايا البراءة" في ذلك الزقاق.
​أطفأ صاحب المقهى المصباح الأخير، وهمس في عتمة المكان:
"المقهى لا يحمي من الموت.. لكنه كان يجب أن يحمي من الظلم."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي
- الهِبة
- عقاربُ البيتِ الواقفة


المزيد.....




- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
- محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو ...
- 16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون ...
- ظلام وأزمة وقود.. 5 أفلام سينمائية تخيلت العالم بلا طاقة


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - نزيف الصمت في مقهى الكرخ