نعمة المهدي
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 09:07
المحور:
الادب والفن
الورقة الاولى
في مساءٍ هادئٍ من أمسيات بغداد، جلستُ إلى طاولتي الخشبية الصغيرة قرب النافذة. كانت المدينة خلف الزجاج تمضي في صخبها المعتاد، لكن غرفتي بدت كأنها جزيرةٌ معزولة في بحر الضجيج. أمامي ورقةٌ بيضاء، وقلمٌ أسود، وصمتٌ طويل.
لم أكن أنوي أن أكتب شيئًا مهمًا.
في الحقيقة، لم أكن أنوي أن أكتب أصلًا.
لكن اليد، حين تثقلها الذكريات، تبحث عن القلم كما يبحث الغريق عن قطعة خشب.
أمسكتُ القلم أخيرًا، وبدأتُ أرسم خطوطًا مبعثرة، كلماتٍ ناقصة، وجملًا لا تكتمل.
ابتسمتُ أحيانًا، ثم توقفتُ طويلًا كأنني أصغي إلى صوتٍ لا يسمعه أحد سواي.
كتبتُ كلمة… ثم شطبتُها.
وكتبتُ جملة… ثم تركتُها معلّقة في منتصف السطر.
كانت مجرد خربشات.
لو رآها أحد غيري لقال:
"هذا رجل يعبث بالورق."
لكنني كنت أعرف شيئًا آخر.
كنت أعلم أن القلم، حين يتعب القلب من الكلام، يبدأ بالحديث نيابةً عنه.
مرّت ساعة، وربما أكثر.
وحين امتلأت الورقة بتلك الخطوط غير المنتظمة، وضعتُ القلم جانبًا ونظرتُ إليها طويلًا.
قرأتُ ما كتبت.
لم تكن قصة.
ولا رسالة.
ولا اعترافًا واضحًا.
كانت شيئًا بين كل ذلك… شيئًا يشبه حياة الإنسان نفسها:
غير مرتبة، مليئة بالشطب، وبالأسطر التي تبدأ قوية ثم تنتهي فجأة.
ابتسمتُ ابتسامة خفيفة، وهمستُ لنفسي:
"غريب أمرنا نحن البشر…
نقضي أعمارنا نحاول أن نكتب حياتنا بوضوح،
لكن الحقيقة لا تظهر إلا في الخربشات."
ثم طويتُ الورقة بهدوء، ووضعتُها داخل كتابٍ قديم على الرف.
ربما لن يقرأها أحد يومًا.
لكن ذلك لم يكن مهمًا.
فبعض الكلمات لا تُكتب لكي تُقرأ…
بل لكي تُنقذ صاحبها من الصمت.
#نعمة_المهدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟