أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصحاب الأرض














المزيد.....

أصحاب الأرض


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8639 - 2026 / 3 / 7 - 23:16
المحور: الادب والفن
    


​إهداء: إلى الذين ثبتوا حين تزلزلت الأرض، وإلى الأرواح التي طهرت التراب بدمعها ودمها.. إلى أصحاب الأرض.

​بين عشية وضحاها، غدت "الموصل" جرحاً مفتوحاً على وجه البسيطة؛ سماؤها ملبدة بسخام البارود كأن الغيوم أحرقت أجنحتها وهي تمر فوقها، وأزقتها تضجُّ بأنين الحجارة. وسط هذا الذهول، وقف "عمر" يلملم شتات روحه أمام ركام بيته. قبل لحظات، كان البيت "وطناً صغيراً" يضج بصوت أمه وضحكات إخوته، فصار في طرفة عينٍ قبراً صامتاً، أشدُّ وحشةً من الموت نفسه.

​انقشع الغبار، فنادى إخوته بصوتٍ تخنقه الحشرجة، فلم يجبه إلا أنينٌ واهن. كدح بيديه المدميتين حتى أبصر "علياً"، أصغرهم، غارقاً في دمه كعصفورٍ كسر الإعصار جناحيه. ضمه إلى صدره وهمس بقلبٍ يتفطر: "لا تخف يا صغيري.. أنا هنا".

​كانت المدينة تتخبط كفُلكٍ في بحرٍ مظلم. حمل عمر الصغير ومضى به، وفي كل خطوة كان يثقل عليه سؤالٌ كاد يشقُّ صدره: أيفرُّ بالطفل إلى حيث النجاة، أم يبقى يحرس باباً لم يعد له جدار؟ كان يحب الحياة لعلي، ويحب الأرض لنفسه، فصار كمن أُمر أن يختار بين عينيه؛ أيهما يُبقي وأيهما يقلع!

​انتهى به المسير إلى مفرزة طبية للحشد، خيامها البيضاء تلوح وسط الخراب كأكفانٍ مضيئة. هناك، انبرت "الدكتورة زينب" – ابنة الناصرية التي حملت رئة الجنوب لتنفخ بها في روح الشمال – فاستقبلت الطفل بجسدٍ أضناه السهر، وعينين يشعُّ منهما يقينٌ عجيب. نظرت إلى عمر وقالت بحزمٍ رحيم: "سيعيش.. إذا بقينا أقوياء".

​وقعت الكلمة في نفسه موقع القضاء؛ فقد حمّلته عبئاً جديداً: أن يكون قوياً، وهل يسهل على مَن دفن إخوته قبل ساعات في حفرة عاجلة أن يسترد قوته؟

​اشتدَّ البلاء، وحان أوانُ الامتحان الأكبر. فُتح ممرٌ آمن للجرحى، وفي الوقت نفسه استنفر رفاقه من الحشد العشائري للذود عن حيٍّ أوشك أن يسقط. وقف عمر عند رأس علي النائم، وفي يده "كوفية" أخيه الراحل، وبكى بكاءً صامتاً. أيفي بحق الدم في الطفل، أم بحق الأرض في الوطن؟ وهل يكون الوفاء بعضه نقضاً لبعض؟

​دخلت عليه زينب في السَّحَر، وقرأت في جبهته غبار التردد، فقالت: "سلِّم لي الصغير يا عمر.. واذهب حيث ينتظرك الواجب. فإن قدّر الله لك العودة، وجدته في انتظارك، وإن كانت الأخرى، فما أعظم أن يختار الإنسان الحقَّ وهو يبكي".

​مضى عمر إلى الساتر، لا كبطلٍ أسطوري، بل كإنسانٍ يعرف الخوف ويغلبه. دارت الأيام رحاها، ومالت المعركة لأصحاب الأرض، حتى انكسر الظلام وانبلج فجر النصر مع صوت أذانٍ ارتفع من مئذنةٍ نجت بأعجوبة.

​بعد حين، وقف عمر عند ضفة النهر، يرقب علياً وهو يحاول المشي بخطواتٍ وئيدة ارتجفت لها شغاف قلبه. دنت منه زينب، وكان الصمت بينهما أبلغ من كل بيان، فقالت: "يبدو أن بعض المدن لا تموت".

أجابها وعيناه ترحلان نحو الأفق البعيد: "لأنها تسكننا قبل أن نسكنها.. ولأن فيها غباراً خُلق حنيننا منه".

​لم تكن حكايتهما قصة عابرة، بل كانت عهد "أصحاب الأرض"؛ أولئك الذين عرفوا أن الإنسان قد يُسلب كل شيء، لكنه ما دام يحفظ في صدره فضيلة الوفاء، وفي يده قبس الرحمة، فإنه لا يُهزم أبداً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1
- حين صار التراب مسافة
- بين الفاتورة والإيصال
- مرايا العتمة
- قالٌ وقيل في زقاق بغدادي


المزيد.....




- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه
- الحرب على إيران تربك موسم السينما في الخليج وهوليود تترقب
- وزيرة الثقافة المصرية تطمن جمهور هاني شاكر على صحته
- السينما في زمن القلق: مهرجان سالونيك يعيد فتح دفاتر التاريخ ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - أصحاب الأرض