أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خربشات قلم / 4














المزيد.....

خربشات قلم / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 18:51
المحور: الادب والفن
    


الورقة الرابعة
حين يصبح الغياب رفيقاً للسكن

تقديم

​"لا أكتب هذه الكلمات لأستعرض مهارةً في الصياغة، بل لأجد مكاناً أضع فيه ثقل قلبي. في هذه (الورقة الرابعة) من خربشاتي، أدركتُ أن الحزن ليس ضيفاً يمرُّ ويمضي، بل هو رفيقٌ جديد تعلمتُ أن أقتسم معه تفاصيل يومي وصمت الغرف.
​هنا، أحاول أن أصف "الغياب" ليس كفكرة، بل ككائنٍ يعيش معي، يجلس على طاولة كتابتي وينام في الزوايا. هي دعوةٌ لكم لتشاركوني هذا التأمل المرّ؛ ليس بحثاً عن شفاءٍ من الفقد، بل تعلماً لكيفية العيش معه بسلامٍ حزين."
​بهذا الأسلوب، ستكون الصلة بينك وبين القارئ مباشرة وعميقة.

​في هذه الليلة، لم أفتح النافذة..
لم أعد أبحث عن الهواء، فالغرفة صارت تشبهني تماماً: ممتلئةٌ بصمتٍ ثقيلٍ لا ينكسر.
جلستُ إلى الطاولة ذاتها، والورقةُ البيضاءُ ممددةٌ أمامي، لكن بياضها لم يعد بريئاً كما كان؛ لقد صار يشبه الفراغ الموحش الذي خلّفه غيابُكِ في مدارات حياتي.
​أمسكتُ القلم ببطءٍ يحاكي ثقل قلبي.
لم أعد أكتب لأتحلل من وجعي، فقد أدركتُ حقيقةً قاسية:
الكتابة لا تشفي الفقد.. إنها فقط تمنحه شكلاً، وتجعلنا نراه بوضوحٍ جارح.
​كتبتُ سطرًا يقطرُ مرارة:
"ما أصعب أن يضطر المرء للعيش، بعد أن يرحل الذين كانوا هم.. الحياة."
​توقفتُ.. واستحضرتُ الأيام التي كان فيها هذا البيت يضج بصوتكِ؛ حين كانت الجدران تفيض دفئاً، والمساءات تمرُّ خفيفةً كأنها لم تُخلق لتعرف الحزن.
أما الآن.. فكل شيءٍ تمدد بشكلٍ مخيف:
الليلُ صار أطول..
والصمتُ صار أعمق..
حتى الطريق بين الغرف، غدا أبعد مما ترسمه الأبعاد والمسافات.
​عدتُ للورقة وكتبت:
"لم أكن أدرك أن الغياب كائنٌ حيّ، يشاركنا أدق تفاصيل السكن."
​نعم.. الغياب لم يعد مجرد فكرةٍ مجردة، إنه كائنٌ يجلس معي الآن على هذه الطاولة، يرافق خطاي في أرجاء البيت، وينام بوقارٍ في الغرفة المجاورة.
أحياناً، يخدعني الوهم فأسمع وقع خطواتكِ.. أرفع رأسي بلهفةٍ يائسة، ثم أبتسم لنفسي بحزنٍ مرير؛ فالذاكرةُ بارعةٌ في التزوير، لكنَّ القلب لا يخطئ بوصلة الحقيقة.
​أرخيتُ القلم قليلاً.. فقد شحّت الكلمات.
أدركتُ أن الإنسان حين يطول حزنه، تضيق مفرداته وتتسع جراحه؛ فالوجعُ الحقيقيُّ لا لسان له.
نظرتُ إلى الورقة؛ خربشاتٌ قليلة، لكنها بددت لي أثقل من كل المجلدات التي سُطرت في الرثاء.
​حينها، أدركتُ اليقين الأخير:
أنني لا أكتب لأتجاوز هذا الفقد.. بل لأتعلم كيف أروضه ليصبح جزءاً مني.
بعض الأحزان لا تموت، ولا تنتهي.. إنها فقط تتعلم كيف تسكن فينا بهدوء.
​توقفتُ عن تحريك القلم..
نظرتُ إلى يدي، كانت ترتجفُ قليلاً، لا من بردٍ أصاب الغرفة، بل من ثقلِ الحقيقة التي سطرْتُها. أدركتُ أنني في كل مرةٍ أكتبُ فيها إليكِ، أتحولُ من كاتبٍ إلى "أثر".
​الغريبُ أن القلم الذي بدأتُ به هذه الخربشات كان ممتلئاً، والآن أراه ينقص.. كأنَّ الحبر لا يسقطُ على الورق، بل يتسربُ من روحي. وكأنني كلما منحتُ الغيابَ كلمة، أخذ الغيابُ مني قطعةً من وجودي.
​سأترك الورقة الآن هكذا.. بمساحاتٍ بيضاء واسعة في أسفلها.
ليست فراغاً، بل هي مكانٌ لزفراتٍ لم أجد لها حبراً بعد.
فأعظمُ ما نكتبه، ليس ما تراه العيون.. بل ذلك الذي يظلُّ عالقاً بين السطر والسطر، ولا يجرؤ القلمُ على البوح به.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3
- ايقاعات بصرية / 2
- أيقاعات بصرية / 1


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خربشات قلم / 4