أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (1) ​















المزيد.....

مذكرات الست سعيدة (1) ​


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 22:37
المحور: الادب والفن
    


البيت الذي لا يُغلق بابه

​كنتُ أستيقظ قبل الفجر.

​لا لأن النوم يخاصمني، بل لأنني تعلّمتُ منذ زمن أن أنهض قبل أن يستيقظ الألم. الإنسان إذا تأخر عن وجعه… سبقه الوجع إليه.

​بيتي كان هادئاً أكثر مما ينبغي. لا أصوات فيه إلا ما أصنعه بيدي: غليان ماء، ارتطام ملعقة بجدار استكان، وقع خطواتي الرتيبة على أرض نظيفة أكثر مما يجب. كنتُ أرتب كل شيء بعناية لا يفرضها أحد، وكأنني إذا تركتُ شيئاً في غير مكانه، سيتبعثر ما في داخلي معه. أقاوم الخراب الذي يتهدد روحي بفرض طقوس صارمة على الأشياء الجامدة حولى.

​في الصالة، كانت صورة زوجي معلّقة في مكانها منذ سنوات. لم أغيّرها، ولم أقترب منها كثيراً. كنت أقف أمامها لحظات قصيرة كل صباح… لا لأتذكر، بل لأتأكد أنني ما زلت واقفة. الدموع لا تصلح نظاماً للحياة، وأنا اخترتُ النظام.

​لم يُكتب لي أن أكون أمّاً. لكنني لم أسمح لهذا الفراغ أن يتمدد حتى يبتلعني. الفراغ، إذا لم تملأه… ملأك. لذلك صنعتُ لنفسي عالماً لا يحتمل الفراغ: أوقات محددة، أشياء في أماكنها، قرارات لا تتأخر. حين أرتدي عباءتي، لا أرتديها كلباس فقط؛ أرتدي معها دوري. أخرج إلى الشارع، فأشعر أنني أترك خلفي امرأة مكسورة… وأتقدم خطوة نحو وظيفة لا تقبل التردد.

​بغداد في ذلك الوقت من الصباح تكون صادقة: هواء بارد قليلًا، رائحة تراب مبلل، وصمت يشبه بداية جملة موسيقية لم تُكمل بعد.

​عند بوابة ثانوية البتول، أصل قبل الجميع. أضع يدي على الحديد البارد… وأفتح الباب. ليس باب المدرسة فقط، بل باب يوم كامل. المدرسة ليست جدراناً، المدرسة مصير.

​كانت الطالبات يعتدلن تلقائياً حين يرَينني. لم أطلب ذلك قط. الهيبة لا تُطلب… تُبنى. ليلى، معاونتي، كانت تقول لي أحياناً بنبرة مشفقة:

— تتعبين نفسك أكثر من اللازم، ست سعيدة.

فأجيبها، بما أؤمن به لكي أستمر:

— إذا لم نتعب نحن… فمن يمنع هذا الجيل من السقوط؟

​في غرفة المدرسات، كانت سوسن تنظر إليّ نظرة أعرفها جيداً. لم تكن نظرة اعتراض صريح، بل شيء أدق، حقد مغلف بالاحترام الظاهري. الطموح، إذا لم يجد طريقه، يتحول إلى نقد مالح. كنتُ أشعر أن عينيها تلاحقان أي هفوة لي، وكأنها تنتظر لحظة الانهيار لتتقدم هي. لم أواجهها؛ المواجهة لا تعالج ما في النفوس، بل تكشفه فقط، وأنا لم أكن مستعدة لكشف عورة المؤسسة أمام الجميع.

​الأيام كانت تسير كما ينبغي: دفاتر مرتبة، صفوف منضبطة، أصوات منخفضة. فوضى صغيرة تُعالج قبل أن تكبر. الإهمال لا يأتي دفعة واحدة… يأتي على شكل تنازل صغير يُسمح له بالبقاء.

​لكنني، رغم كل ذلك، لم أكن أسأل نفسي سؤالاً واحداً: كيف يراني الآخرون؟ وهل يمنحني النظام الطمأنينة أم يسلبهم إياها؟

​في أحد الأيام، دخلت ليلى مكتبي بورقة لم تعجبني سحنتها قبل أن أقرأها. الخبر السيئ له رائحة تسبقه.

قالت بصوت متهدج:

— هذه من المديرية.

أخذتها. قرأت بهدوء. شكوى. تشدد. ترهيب. قسوة.

​لم أرفع صوتي. لم أغضب. لكن شيئاً في داخلي… اهتز.

"ترهيب؟" كرت الكلمة بصمت، وتخيلت وجه سوسن يبتسم خلف جدار الغرفة.

أنا التي كنت أظن أنني أحميهن، هل صرتُ شيئاً يُخشى منه؟ هل تحول سوري الواقي إلى سجن؟

​سألت ليلى بصراحة قاسية:

— ما رأيك؟ هل أنا قاسية يا ليلى؟

ترددت، نظرت إلى الأرض، ثم قالت بصوت خفيض:

— بعض البنات يخشينك فعلاً يا ست.. إنهن يحترمنك، لكن الخوف يسبق الاحترام.

​لم تعجبني الإجابة، لكنها كانت صادقة. والصراحة، مهما كانت مرة، أقل ضرراً من الوهم الباطل.

​منذ ذلك اليوم، بدأت أرى ما لم أكن أراه: نظرات تنخفض بسرعة عند مروري، همسات تتوقف فجأة، صمت في الصفوف لا يشبه الانضباط الواعي… بل الحذر الخائف. لم أغيّر أسلوبي فجأة، فالنظام لا يُهدم في لحظة، لكنني بدأت أسأل نفسي.

​ثم جاء الكتاب الثاني. هذه المرة… تحقيق. "تسلط إداري". قرأت العبارة أكثر من مرة. لم تؤلمني الكلمة بحد ذاتها، بل ما تعنيه؛ أن كل ما بنيته بعرقي وسنوات عمري، قد يُفهم على أنه استبداد شخصي.

​في يوم التحقيق، لم أرتبك. أنا لا أخاف المواجهة، لكنني لا أستهين بها. جلست أمام اللجنة. أسئلة مباشرة، نظرات باردة. كنتُ مقتضبة، فالكلام الكثير يضعف الموقف ويفتح ثغرات لا لزوم لها.

​لكن حين سُئلت، وكان المحقق يضيق عينيه كمن يمسك بمجرم:

— هل ترين نفسك حازمة أم متسلطة؟ وهل تعتقدين أن الطالبات يفررن من جحيم حزمك؟

​رفعت رأسي، وبحزم لا تشوبه شائبة، قلت:

— أنا أدير مؤسسة تربوية، ولستُ في نزهة. النظام هو العمود الفقري لأي نجاح، وما تصفه بالترهيب هو الانضباط الذي بدونه تتحول المدرسة إلى فوضى عارمة لا تخدم الطالبات ولا المجتمع.

​ثم سكتُّ لحظة. نظرت إلى وجوههم الجامدة، وإلى يدي التي بدأت ترتجف قليلاً تحت الطاولة، فأضفت بصوت خفتت نبرته الكبريائية:

— لكن.. إذا كان حرصي المفرط على مصلحتهن قد فُسر على أنه تسلط، فهذا سوء فهم يحتاج مراجعة.. مني ومنهن.

​لم أكن أدافع، بل كنتُ أحاسب نفسي بصوت عالٍ أمامهم. لم أرد أن أبدو ضعيفة، لكنني أدركت في تلك اللحظة عبثية المثالية التي أطاردها. كنت أتكلم بثبات، لكنني في داخلي كنتُ أسمع صوتاً آخر، حقيقياً وموجعاً: "ربما كنتُ أدير المدرسة بهذا العنف.. كي لا أنهار أنا أمام فراغ حياتي".

​انتهى التحقيق. لا قرار حاسم. بقيتُ في منصبي… وبقي السؤال ينهشني.

​في اليوم التالي، وقفت عند البوابة كعادتي. كل شيء كما هو… لكن ليس كما كان في عيني. رأيت طالبة تخفي ورقة ممزقة خلف ظهرها وهي تراني. رفعت رأسها بخوف أعرفه جيداً الآن، خوف من العقاب، لا خوف من الخطأ.

​اقتربت منها. لم أصرخ، ولم أظهر الحزم المعتاد. نظرت إلى الورقة، ثم إليها، وقلت بصوت هادئ ولكنه يحمل عمقاً جديداً:

— بعد الدرس… تعالي إلى مكتبي. لنصلح ما تمزق معاً.

​لم أوبّخها، ومضيت. تركتها في حيرة، وهي حيرة أفضل بكثير من الرعب.

​في المساء، عدت إلى بيتي. نفس الصمت. نفس الترتيب. نفس الصورة المعلقة. جلست أمام صورة زوجي. هذه المرة، نظرت أطول. لم أبكِ، فالدموع ما زالت لا تصلح نظاماً لحياتي.

​قلت في نفسي:

ليس كل ما بنيتُه كان خطأً.. فالانضباط ضرورة، لكن ليس كل "النظام" حقاً مطلقاً إذا خلا من الروح.

​وبقي البيت كما هو. بابه مغلق بإحكام. لكنني أدركت، لأول مرة، وبغصة في حلقي، أن بعض الأبواب التي نغلقها بإحكام في الخارج خوفاً من الريح.. تبقى مفتوحة على مصراعيها في الداخل، وتُدخل صقيعاً لا تمنعه كل جدران العالم.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3


المزيد.....




- هل يجب أن تكون الموسيقى صاخبة جدًا لنحرق سعرات أكثر؟
- الليبي محمد الوافي يحصد لقب جائزة كتارا للتلاوة لعام 2026
- الأردن يرمم -ذاكرة الأرض-: مئات الآلاف من وثائق ملكيات الضفة ...
- رحيل سيد نقيب العطاس.. رائد -إسلامية المعرفة- واستعادة الأدب ...
- 28 رمضان.. من ميلاد الأندلس إلى زفاف -أميرة القلوب-
- حفل الأوسكار الـ 98.. إطلالات صنعت اللحظة على السجادة الحمرا ...
- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (1) ​