أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضحية / 1














المزيد.....

الضحية / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 21:18
المحور: الادب والفن
    


اعترافات ليالي

نارنجة الاعظمية التي انكسرت

لا أعرف متى يبدأ خراب البيوت.
هل يبدأ حين يتوقف الناس عن الكلام؟
أم حين يبدأ كل واحدٍ منهم في العيش داخل رأسه أكثر مما يعيش مع الآخرين؟
كنت أظن أن بيتنا في الأعظمية مثل بقية البيوت في الزقاق: بابٌ أخضر، شرفة صغيرة، وشجرة نارنج تنثر رائحتها كل مساء. في الصباح يمر بائع الخبز، وفي المساء يعود أبي من عمله، وتعد أمي الشاي في إبريقٍ نحاسي قديم.
كنت أظن أن الحياة هكذا… ولن تتغير.
لكنني في ذلك المساء فهمت أن البيوت يمكن أن تتغير في لحظة.
كنت أجلس قرب النافذة أكتب واجب اللغة العربية. كان ضوء المغيب يتسلل إلى الغرفة مثل غبارٍ ذهبي، وكانت الريح الباردة تمر في الزقاق وتحرك أوراق شجرة النارنج.
ثم سمعت أمي تقول فجأة:
"جواد… أريد الطلاق."
لم أفهم الكلمة في البداية.
لكنني شعرت بشيءٍ باردٍ يمر في صدري.
لم يصرخ أبي. لم يغضب. بقي جالسًا على الكرسي الخشبي، ينظر إلى الطاولة كأنه يحاول أن يتذكر شيئًا نسيه.
قال بعد لحظة طويلة:
"خمسة عشر عامًا يا سوسن… ماذا حدث؟"
لم تجب أمي.
كانت تنظر إلى النافذة، لكنني كنت أعرف أنها لا ترى الشارع… بل ترى مكانًا آخر بعيدًا عنا.
في تلك اللحظة شعرت أن بيتنا صار فجأة أكبر من اللازم… وصامتًا أكثر من اللازم.
بعد الطلاق صار لي بيتان.
لكن الغريب أنني لم أشعر أن لي بيتًا واحدًا.
أعيش مع أمي، وأزور أبي في شقته الصغيرة كل أسبوع. نجلس قرب النافذة ونشرب الشاي. يحاول أن يسألني عن المدرسة، عن صديقاتي، عن أشياء عادية.
لكني أرى في عينيه شيئًا يشبه الحزن الذي لا يريد أن يظهر.
أما أمي فقد بدأت تتغير.
أحيانًا أراها تبتسم وهي تنظر إلى هاتفها. وأحيانًا تتحدث عن رجلٍ تعرفت إليه، عن حياة جديدة يمكن أن تبدأ.
تقول إن الإنسان يستحق أن يحب.
لا أعرف إن كان كلامها صحيحًا… لكنني كنت أشعر أن ذلك الحب الجديد يشبه حلمًا هشًا.
كالحلم الذي يتكسر عندما نستيقظ.
ثم جاء اليوم الذي أخذني فيه أبي إلى المحكمة.
لم أحب المكان.
كان باردًا… ورائحته تشبه الورق القديم.
جلس أبي في جهة، وجلست أمي في الجهة الأخرى. لم ينظرا إلى بعضهما.
شعرت فجأة أنني أقف بين عالمين لا يريد أحدهما أن يلتقي بالآخر.
تحدث القاضي طويلًا، لكنني لم أفهم شيئًا مما قال.
ثم نظر إليّ وسأل بهدوء:
"يا ليالي… مع من تريدين أن تعيشي؟"
كان السؤال بسيطًا.
لكنني شعرت كأن الأرض سحبت نفسها من تحت قدمي.
نظرت إلى أبي.
كان ينظر إليّ بعينين مليئتين برجاءٍ صامت.
ثم نظرت إلى أمي.
كان في وجهها خوف لم أره من قبل.
وفجأة فهمت شيئًا غريبًا.
لم يكن أحدهما سيئًا.
لكن الاثنين معًا… كانا يمزقان قلبي.
لم أعرف ماذا أقول.
كنت أشعر أن كل كلمة سأقولها ستكسر أحدهما.
ثم سمعت صوتي يخرج، وكأنه صوت شخصٍ آخر:
"لا أريد أن أعيش مع أحد."
ساد الصمت في القاعة.
كنت أبكي، لكنني لم أستطع التوقف.
قلت بصوتٍ مرتجف:
"أنتم تطلبون مني أن أختار… لكن اختياري يعني أن أخسر نصف قلبي."
لم يتكلم أحد.
حتى القاضي بدا كأنه لا يعرف ماذا يقول.
حين خرجنا من المحكمة، كانت بغداد تمضي في يومها العادي. السيارات تعبر الجسر، والباعة ينادون في الشوارع، ودجلة يجري هادئًا كأنه لا يسمع شيئًا.
لكنني كنت أعرف أن شيئًا ما في داخلي قد تغيّر إلى الأبد.
في تلك الليلة جلست قرب النافذة المطلة على شجرة النارنج.
أغلقت دفتر المدرسة ببطء.
كنت أنظر إلى الزقاق الذي كنت ألعب فيه طفلة.
وفجأة فهمت شيئًا لم يخبرني به أحد.
بعض الأطفال لا يكبرون لأنهم عاشوا سنواتٍ طويلة…
بل لأن الكبار، في لحظةٍ ما، يقررون أن يعيشوا حياتهم من جديد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2
- بيوت مؤمنة / 1
- ايقاعات بصرية / 5 الاخيرة
- ايقاعات بصرية / 4
- أيقاعات بصرية / 3


المزيد.....




- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الضحية / 1