أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - البابُ الذي لم يُغلق














المزيد.....

البابُ الذي لم يُغلق


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 23:02
المحور: الادب والفن
    


​يُقال إن الإنسان قد يغادر السجن في يومٍ ما، لكن السجن لا يغادر الإنسان دائماً. فالقضبان التي تُطبق على الجسد تُفتح بمفتاحٍ صغير، أما تلك التي تنبت في الذاكرة فلا مفاتيح لها؛ لأنها صُهرت من معدن "الندم"، وهو معدنٌ لا يصدأ، بل يزداد بريقاً كلما حاول صاحبه أن يواريه بالنسيان.
​حين خطا "عباس" خارج البوابة في ذلك الصباح الرمادي، لم يشعر بالخفة. كان هواء البصرة رطباً، مُحمّلاً برائحة شط العرب المختلطة بالملح وعطن الطين، لكن صدره ظلَّ ضيقاً، وكأن الجدران الإسمنتية قد تقلصت لتلتصق بجلدِ روحه. خمسة عشر عاماً انفرطت ببطءٍ يشبه تساقط قطرات الماء من سقف زنزانةٍ رطبة، وكل قطرة كانت تنقر فوق اسمٍ واحد لا يكفُّ عن الرنين في جمجمته: زهراء.
​لم تكن "العشّار" بعيدة، لكن الطريق إليها بدا أطول من العمر نفسه. الأزقة الضيقة، المقاهي التي تفوح منها رائحة التبغ، ووقع أحجار الدومينو... كل شيءٍ كان يهمس له بأنه غريب، رغم أنه قضى سنواته قبل السجن يطوف هذه الشوارع حاملاً "مريم" فوق كتفيه، يشتري لها الحلوى ويدللها كأنها بضع منه، وهي ابنة زهراء من زوجها الأول التي لم يعرف لها أباً سواه.
​وقف طويلاً أمام البيت القديم.
كان الباب الخشبي ما يزال هناك؛ بلونه الباهت ومقبضه الحديدي البارد. تذكر كيف كان يغلقه بعناية كل ليلة خوفاً على الصغيرتين: الأم وطفلتها. لكنه في تلك الليلة المشؤومة، لم يفعل.
​انفرج الباب من الداخل قبل أن يطرق.
ظهرت "مريم".
لم تعد تلك الطفلة التي كان يمشط شعرها بيدين خشنتين وقلبٍ رقيق. صارت شابة بعينين ثابتتين، تشبهان عيني زهراء بطريقةٍ جعلت قلب عباس يرتجف. نظرت إليه طويلاً، دون دهشة، ثم قالت بصوتٍ رخيم كأنه قادم من قاع النسيان:
"بعض الأبواب يا عباس... لا يجوز أن نعود إليها."
​انسحب عباس بصمت، يجرُّ خلفه ظلاً أثقل من جسده. توجه إلى "مقهى حسين" حيث الحقيقة تنتظره خلف أدخنة السجائر. هناك، ألقى عليه حسين الخبر الصاعق: "جاسم المراكبي" هو من دخل البيت بحثاً عن مال، وحين استيقظت زهراء، ذبحها الخوفُ قبل النصل.
​لم يصرخ عباس. ظل يحدق في قدح الشاي، تآكله فكرة واحدة: "لو أنني أغلقت الباب قبل أن أخرج غاضباً، هل كانت مريم ستكبر يتيمة؟" لقد رعاها كأب، ثم في لحظة طيش، ترك الموت يدخل إليها من الباب المفتوح.
​في الأيام التالية، صار عباس ظلاً يسعى في الميناء. يصلح الأبواب المتآكلة في بيوت الفقراء بصمتٍ جنائزي، وكأنه يحاول إغلاق كل ثغرة في العالم لعلّ الصوت في داخله يهدأ.
​جاء مساءٌ بصرّيٌ رطب. وقف عباس على ضفة شط العرب، قبل أن يسمع وقع خطى خلفه. كانت مريم.
وقفت إلى جانبه، عيناها مصلوبتان على الأفق.
قال عباس بنبرةٍ مكسورة: "لقد كنتِ أغلى عليّ من روحي يا مريم.. لم أقتل أمكِ، لكنني كنتُ السبب حين تركتُ الباب موارباً."
​صمتت مريم طويلاً، ثم همست بهدوءٍ مزق سكون الليل: "أعرف.. أعرف منذ تلك الليلة."
التفت إليها مذهولاً، فتابعت والجرح يتفجر من صوتها:
"في تلك الليلة يا عباس، أنت لم تترك الباب مفتوحاً.. أنا من فعلت."
توقف النبض في عروقه، فنظرت إليه بعينين دامعتين وتابعت:
"كنتُ طفلة، وكان صراخكما يمزق طمأنينتي الصغيرة.. فتحتُ الباب لأهرب من ضجيج غضبك، لأبحث عن صمت الزقاق.. لم أكن أعلم أن القاتل كان يترصد خلف الخشب ليحلّ مكانك."
​استدارت مريم وغابت في عتمة الزقاق، تاركةً خلفها رجلاً أدرك لتوّه أن العقوبة الحقيقية بدأت الآن.
بقي عباس وحيداً، وشط العرب يمضي في طريقه، غير آبهٍ بالطفولة التي تفتح الأبواب لتهرب من الصراخ، فتفتحها للموت.. ولا بالرجال الذين يحملون أوزاراً لم يرتكبوها، ليتضح أن الضحية كانت هي الجلاد دون أن تدري.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4
- بيوت مؤمنة / 3
- بيوت مؤمنة / 2


المزيد.....




- مهرجان أفلام الشباب يفتح الباب أمام جيل جديد من السينمائيين ...
- جوائز الأوسكار 2026.. أبرز لحظات ليلة هوليوود الكبرى
- سر ديوجين.. جديد الشاعر حسين جرود
- كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 إلى منصة دولية ضد الحرب في غزة و ...
- مدريد تحتفي بالثقافة الإيرلندية في موكب ملون ليوم القديس بات ...
- أوسكار 2026.. سقوط -ملك الأفلام- وصعود الانقلاب الخفي في هول ...
- الأوسكار يختم -مسيرة مذهلة- لفيلم هامنت من إنتاج RedBird IMI ...
- -كأن تختبئ من المرآة أمامها-.. شعرية الهامش وجماليّات الانكس ...
- إنتاج -آي إم آي ريد بيرد-.. رحلة -هامنت- من الأدب للأوسكار
- العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - البابُ الذي لم يُغلق